اليوم العشرون

الثلاثاء 20 شهر رمضان المبارك 1431 هـ

 

 

دعاء اليوم العشرون:

اللهم افتح لي فيه أبواب الجنان وأغلق عني فيه أبواب النيران

ووفقني فيه لتلاوة القرآن يا منزل السكينة في قلوب المؤمنين

استماع وتحميل

 

حدث في العشرين من شهر رمضان المبارك:

* من السنة الثامنة للهجرة فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة من دون إراقة دماء.

* وفاة ابن الشجري: وفي هذا اليوم سنة 542هـ توفي السيد الشريف أبو السعادات هبة الدين علي الحسيني المعروف بـ(ابن الشجري) البغدادي النحوي صاحب الأمالي وغيره، وهو من كبار علماء الإمامية.

* وفاة ياقوت الحموي: وفي هذا اليوم من سنة 626هـ توفي ياقوت الحموي صاحب المعاجم الثلاثة، وصاحب مراصد الإطلاع، وكان في ابتداء أمره مملوكاً عند تاجر في بغداد، وكان يميل إلى الخوارج فأراد الناس قتله فهرب من بغداد إلى حلب، ومنها إلى الموصل، ومن الموصل إلى خراسان، ومن يراجع كتبه يرى كم كان الحموي على اطلاعٍ وإحاطة بالأمور.

* وفي مثل هذه الليلة عرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء، وأن عيسى كذلك عليه السلام رفع إلى السماء في هذه الليلة، وفي هذه الليلة ارتحل إلى الرفيق الأعلى النبي موسى بن عمران عليه السلام ووصيه يوشع بن نون. وفي هذه الليلة أيضاً استشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام ، قال الشيخ المفيد: في هذه الليلة تجدد حزن آل رسول الله صلى الله عليه وآله وأتباعهم، فيستحب في هذه الليلة الغسل وصلاة مائة ركعة، وأن يصلى على محمد وآل محمد كثيراً وأن يلعن الظالمين لآل محمد صلى الله عليه وآله ويلعن قتله أمير المؤمنين عليه السلام.

 

 

 حكمة اليوم:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

ما من شاب يدع لذّة الدنيا ولهوها ويستقبل بشبابه طاعة الله إلاّ وأعطاه الله أجر اثنين وسبعين صدّيقاً

 

ليلة الوداع   

(استشهاد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام)

قالت أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام: لما كانت ليلة تسعة عشر من شهر رمضان قدمت اليه عند إفطاره طبقاً فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح جريش فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره، فلما نظر إليه وتأمله حرك رأسه وبكى بكاءاً شديداً عالياً.... وقال:

يا بنية أتقدمين إلى أبيك إدامين في فرد طبق وأحد؟ أتريدين أن يطول وقوفي غداً بين يدي الله عزوجل يوم القيامة؟ أنا أريد أن أتبع أخي وابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله، يا بنية ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلا طال وقوفه بين يدي الله عز وجل يوم القيامة.

 يا بنية إن الدنيا في حلاها حساب وفي حرامها عقاب. ثم قال لها:

يا بنية والله لا آكل شيئاً حتى ترفعين أحد الإدامين، فلما رفعته تقدم إلى الطعام فأكل قرصاً واحداً بالملح الجريش، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قام إلى صلاته فصلى ولم يزل راكعاً وساجداً ومبتهلاً ومتضرعاً إلى الله سبحانه..ويكثر الدخول والخروج وهو ينظر إلى السماء وهو قلق يتململ، ثم قرأ سورة (يس) حتى ختمها، وكان يقول: (اللهم بارك لنا في لقاءك) ويكثر من قول (إنا لله وإنا إليه راجعون) و(لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ويصلي على النبي وآله ويستغفر الله كثيراً.

وروي انه عليه السلام سهر في تلك الليلة فأكثر الخروج والنظر إلى السماء وهو يقول: (والله ما كذبت ولا كذبت وأنها الليلة التي وعدت بها).

فلما طلع الفجر أتاه ابن التياح ونادى: الصلاة، فقام فاستقبله الأوز فصحن في وجهه فقال: (دعوهن فإنهن صوايح تتبعها نوايح).... وقالت أم كلثوم (أو الحسن عليه السلام):

يا أباه هكذا تتطير، فقال: يا بنية ما منا أهل البيت من يتطير ولا يتطير به.

ثم قال: يا بنية بحقي عليك إلا ما أطلقتيه، فقد حبست ما ليس له لسان ولا يقدر على الكلام، إذا جاع أو عطش فأطعميه واسقيه وإلا حلي سبيله يأكل من حشائش الأرض. فلما وصل إلى الباب فعالجه ليفتحه فتلعق الباب بمئزره فانحل مئزره حتى سقط، فأخذه وشده وهو يقول:

أشدد حيازيمك للموت فان الموت لاقيكا    *     ولا تجزع من الموت اذا حلّ بناديكا

       ولا تغتر بالدهر وان كان يؤاتيكا     *   كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيكا

ثم قال: اللهم بارك لنا في الموت، اللهم بارك لي في لقائك، قالت أم كلثوم: وكنت أمشي خلفه فلما سمعته يقول ذلك قلت: وا غوثاه يا أبتاه .

فلما خرج لحقه الحسن عليه السلام فقال لأبيه: يا أبتاه أريد أن أمضي معك إلى موضع صلاتك فقال له :

 أقسمت بحقي عليك إلا ما رجعت... فرجع الحسن عليه السلام فوجد أخته أم كلثوم، فأخبرها بذلك، وجلسا يتحدثان وهما محزونان.

 وسار أمير المؤمنين عليه السلام حتى دخل المسجد والقناديل قد خمد ضوؤها، فصلى في المسجد ثم صعد إلى المئذنة ووضع سبابته في أذنيه وتنحنح ثم أذن وكان عليه السلام إذا أذن لم يبق في الكوفة بيت إلا اخترقه صوته.

فلما أذن نزل من المئذنة وجعل يسبح الله ويقدسه ويكبره ويكثر من الصلوات على النبي صلى الله عليه وآله ثم أنشد:        

خلوا سبيل المؤمن المجاهد     *     في الله لا يعبد غير الواحد

ويوقظ الناس إلى المساجد

ثم جاء إلى الصحن فأخذ يوقظ النائمين قائلاً: الصلاة؛ الصلاة.

 وأما ابن ملجم فبات في تلك الليلة يفكر في نفسه... حتى وصل علي عليه السلام إليه، فرآه نائماً على وجهه مؤتزراً سيفه تحت ردائه كي لا يرى فقال له:

قم من نومك هذا فإنها نومة يمقتها الله وهي نومة الشياطين ونومة أهل النار، بل نم على يمينك فإنها نومة العلماء أو على يسارك فإنها نومة الحكماء أو على ظهرك فإنها نومة الأنبياء ثم قال له عليه السلام :

لقد هممت بشيء تكاد السماوات يتفطّرن منه وتنشق الارض وتخّر الجبال هدّاً ولو شئت لأنبئك بما تحت ثيابك. ثم تركه وعدل عنه إلى المحراب.

فلما أيقظه عليه السلام نهض مسرعاً وأقبل يمشي حتى وقف بإزاء الاسطوانة التي كانت إلى جانب المحراب واختفى كل من وردان وشبيب في زاوية المسجد، فلما رفع أمير المؤمنين عليه السلام رأسه من السجود في الركعة الأولى، تقدم شبيب بن بحرة قائلا:

لله الحكم يا علي لا لك ولا لأصحابك، فسل سيفه وأراد ضرب الإمام إلا وان السيف اصطدم بطاق المسجد فأخطأه، فتقدم ابن ملجم مسرعاً فهزّ سيفه وقال تلك المقولة ثم ضربه على رأسه الشريف فوقعت الضربة على موضع ضربة عمروبن عبدود ثم وصلت الضربة من مفرق رأسه إلى موضع السجود.

فقال عليه السلام: (بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله فزت وربّ الكعبة) .

ثم صاح وقال: قتلني ابن ملجم، قتلني اللعين ابن اليهودية، أيها الناس لا يفوتنكم ابن ملجم، فثار جميع من في المسجد في طلب الملعون.

ثم أحاطوا بأمير المؤمنين عليه السلام وهو في محرابه يشدّ موضع الضربة ويأخذ التراب ويضعه عليها ثم تلا قوله تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى‏) طه:55 . ثم قال عليه السلام وهو ملطخ بدمائه: جاء أمر الله وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله هذا ما وعدنا الله ورسوله.

 ثم انه لما ضربه الملعون ارتجت الأرض ، وماجت البحار والسماوات،واصطفت أبواب الجامع، وضجّت الملائكة في السماء بالدعاء وهبّت ريح عاصف سوداء مظلمة ونادى جبرائيل عليه السلام بين السماء والأرض بصوت يسمعه كل أحد:

تهدمت والله أركان الهدى ،وانطمست والله أعلام التقى ،وانفصمت العروة الوثقى، قتل ابن عمّ المصطفى قتل الوصي المجتبى قتل علي المرتضى قتله أشقى الأشقياء .

فلما سمعت أم كلثوم نعي جبرئيل لطمت وجهها وخدها وشقت جيبها وصاحت: واأبتاه واعلياه وامحمداه.

ثم حملوه عليه السلام إلى بيت وهو في غاية الضعف والناس حوله في البكاء والنحيب وقد اشرفوا على الهلاك من شدة البكاء، وأُخذ ابن ملجم فأوثق وحبس في البيت ثم  التفت إلى الحسين عليه السلام وهو يبكي فقال له:

يا أبتاه من لنا بعدك؟ لا كيومك إلا يوم رسول الله صلى الله عليه وآله من أجلك تعلمت البكاء، يعز والله علي أن أراك هكذا، فناداه عليه السلام فقال:

يا حسين يا أبا عبد الله أدن منّي، فدنا منه وقد قرحت أجفان عينيه من البكاء، فمسح الدموع من عينيه، ووضع يده على قلبه وقال له:

يا بني ربط الله قلبك بالصبر وأجزل لك ولإخوتك عظيم الأجر، فسكن روعتك وهدأ من بكائك، فإن الله قد آجرك على عظيم مصابك ثم أُدخل عليه السلام حجرته وجلس في محرابه.

وجمع له أطباء الكوفة فلم يكن أعلم بجرحه من أثير بن عمرو فلمّا نظر إلى جرح أمير المؤمنين عليه السلام دعا برئة شاة حارّة واستخرج عرقاَ منها فأدخله في جرح الإمام عليه السلام ثم استخرجه فاذا عليه بياض الدماغ فقال له : يا أمير المؤمنين أعهد عهدك فانّ عدوّ الله قد وصلت ضربته إلى أمّ رأسك .

ولمّا كانت ليلة احدى وعشرين ،جمع عليه السلام أولاده وأهل بيته وودّعهم ثم قال لهم :أستودعكم الله جميعا سدّدكم الله جميعا حفظكم الله جميعا،خليفتي عليكم الله وكفى بالله خليفة، ثم قال: وعليكم السلام يا رسل ربّي ،ثم قال: ولمثل هذا فليعمل العاملون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وعرق جبينه وهو يذكر الله كثيرا، ثم استقبل القبلة وغمض عينيه ومدّ رجليه ويديه وقال : أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد انّ محمدا عبده ورسوله. ثم قضى نحبه وذهب إلى رضوان الله وصلوات الله عليه ولعنة الله على قاتله.