سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يؤكّد:

بعون مولانا الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه سيفشل الأعداء ويخيبوا

خلال الأيام العشرة المهدوية المباركة قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، جمع من مسؤولي وأصحاب وأعضاء المواكب والهيئات والحسينيات من مدينة قم المقدّسة، وذلك في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، واستمعوا إلى توجيهاته القيّمة، التي استهلّها سماحته بقوله:

قال مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه حول الناس في عصر الغيبة الشريفة لمولانا الإمام المهديّ الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف: «يضلّ فيها قوم ويهتدي آخرون».

وبيّن سماحته: إنّ الناس في عصر الغيبة الشريفة لمولانا الإمام صاحب العصر والزّمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف، سيغربلون، ويتميّزون. وحسب الحديث الشريف الذي مرّ ذكره، ان بعض المسيئين والطالحين من الناس سيتحسّنوا ويصلحوا، وبعض المحسنين ـ والعياذ بالله ـ سيسيؤوا. وهذا التغيّر والتبدّل سيكون نتيجة الامتحان والاختبار الإلهي للناس كافّة، وهو لا شكّ امتحان صعب جدّاً. فمن عصر الغيبة الشريفة ولحدّ الآن وقعت حوادث ووقائع كثيرة وبالألوف، وبعضها قد سجّلها التاريخ. فقد كتب كلّ من الشيخ الصدوق والشيخ النعماني والعلاّمة المجلسي في بحار الأنوار، وفي غيرها من الكتب، كتبوا وألّفوا، رضوان الله تعالى عليهم، حول الغيبة الشريفة لمولانا الإمام وليّ العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف. وعند مطالعتنا لهذه الكتب نجد فيها انعطافات كثيرة، وهي ذات عبرة. فنجد ان الكثير من الأشخاص كانوا في عصر الغيبة الصغرى وأدركوا الإمامين الهادي والعسكري صلوات الله عليهما وسمعوا منهما الأحاديث والروايات والمواعظ، ولكن مع ذلك تغربلوا وامتحنوا، فخرجوا ـ والعياذ بالله ـ من هذا الغربال والامتحان بنتيجة سيّئة.

وأضاف سماحته: لاحظوا هذه الحادثة التاريخية التالية: كان محمد العمري النائب الثاني الخاصّ للإمام صاحب العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف في عصر الغيبة الصغرى. فتمرّض وكان في فراش الموت فجاءته رسالة من الإمام بهذا المضمون: انك ستفارق الحياة في كذا يوم، فعرّف الحسين بن روح للشيعة بأنه النائب الخاصّ الثالث لنا.

وهذا الأمر حصل في ساعة كان الكثير من وجهاء الشيعة وشيوخها، وكذلك أحد العلماء المعروفين وهو النوبختي، كانوا قد حضروا عند النائب الثاني للإمام، ومنهم الحسين بن روح الذي حضر لعيادة محمد العمري وكان جالساً عند رجلي العمري. وكان بن روح شخصية غير معروفة كثيراً، ولم يعرفه الكثير من الشيعة. وبناء على ما ذكره العلاّمة المجلسي والشيخ الصدوق والشيخ الطوسي والشيخ النعماني، أنه عندما وصلت رسالة الإمام عجّل الله تعالى فرجه الشريف إلى العمري، قرأها الأخير على الحضور جميعاً. وجاء في الرسالة: ان الحسين بن روح هو النائب الخاص عنّا من بعدك، فأوصي الشيعة بالرجوع إليه في أيّة مسألة وقضية.

فقام العالم الجليل النوبختي الذي كان جالساً جنب محمد العمري، وأخذ بيد الحسين بن روح وأقامه وقال أمام الحضور: أنت الذي يجب أن تجلس جنب العمري، وأنا الذي يجب عليّ أن أجلس عند رجليه. وأصرّ على بن روح في ذلك، وقال أيضاً: إنّ الإمام عجّل الله تعالى فرجه الشريف قد اختارك، فمقامك هنا جنب العمري وليس عند رجليه. وهكذا خرج هذا العالم الجليل النوبختي مرفوع الرأس من الاختبار والامتحان الإلهي.

وقال سماحته: علينا جميعاً أن نلتجأ إلى الله تعالى دوماً، وفي كل حال ومكان. ففي زمن العمري، كان هناك الشلمغاني أيضاً، وكان من علماء الشيعة. ولكنه عمل عكس ما عمله النوبختي وخرج من الامتحان الإلهي بنتيجة سيّئة. فعندما سمع بخبر تعيين الحسين بن روح نائباً ثالثاً للإمام، استاء كثيراً وتكلّم بكلام بذيء جدّاً لم يصدر حتى من النواصب ولا ممن عرفوا بسوء وبذاءة اللسان والأخلاق. فكان مما قاله في اعتراضه بأنه لماذا لم يختارني الإمام وأنا الأهم وأنا الذي يعرفني الناس أكثر من غيري. فذهب الشيعة إلى الحسين بن روح ليعرفوا تكليفهم. وإثر ذلك قال الإمام بحقّ الشلمغاني كلاماً حادّاً. فالشلمغاني كان قد انقاد لهواه وكان طالباً للجاه، ولعب بمعتقدات الشيعة، ولم يعتني بمواريث الأنبياء التي خلصت في مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله ومن بعده في مولانا الإمام أمير المؤمنين ووصلت إلى الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف، كما نقرأ في الزيارات الشريفة: «ياخليفة الله وخليفة آبائه المهديين». فالشلمغاني رفض كل ذلك.

وكان في بيوت الناس حينها الكثير من كتابات ومؤلّفات الشلمغاني، وإثر ما صدر من الشلمغاني من تصرّف سيئ ذهب الشيعة إلى الحسين بن روح وطلبوا منه أن يعيّن تكليفهم وواجبهم. فقال لهم بن روح أن يعملوا بما وصلهم عن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم، وأن يتركوا آراء وفتاوى الشلمغاني.

وقال سماحته أيضاً: لم يكن الشلمغاني في بداية أمره وعلى الظاهر إنساناً سيّئاً ولا صاحب عقيدة فاسدة، بل كان، على الظاهر، عالماً وكان يروي عن المعصومين صلوات الله عليهم، ولكنه تغربل وتعرّض للامتحان، وصار من المصاديق التي ذكرها الإمام أمير المؤمنين في حديثه الشريف الذي صدّرنا به كلامنا، وسقط في الامتحان. وهناك في التاريخ الكثير والكثير من أمثال الشلمغاني، من الذين لم ينجحوا في الامتحان والاختبار الإلهي. وبالمقابل هناك أشخاص قد اهتدوا وحسنوا في نهاية الأمر. فالكثير ممن كانوا لم يعرفوا ولم يتعلّموا شيئاً قد نالوا درجات رفيعة وذلك بسبب اتّباعهم للعقائد الصحيحة عن أهل البيت صلوات الله عليهم. فعقائد أهل البيت صلوات الله عليهم ومعارفهم هي أساس الإسلام.

وأردف سماحته: في زمن الإمام الهادي صلوات الله عليه، جاء السيد عبد العظيم الحسني عليه السلام الذي كان صاحب مرتبة رفيعة وعظيمة، جاء إلى الإمام وقال: جئتك لأعرض ديني عليك، لأطمئن من صحّته أو سقمه.

كما ان المنصور بن حازم الذي كان من أفضل تلامذة الإمام الصادق صلوات الله عليه، من بين أربعة آلاف تلميذاً، وخدم الإمام لسنين طويلة وكان من المقرّبين إلى الإمام. ويكفيه عظمة وجلالاً أن علماء الشيعة ومنذ ألف سنة لم يشكّكوا ولم يتردّدوا فيما وصل من الروايات المنقولة عنه، ولم يطعنوا في أية رواية يصل سندها إلى بن حازم. فهذا بن حازم مع ما له من مقام رفيع وعظيم، جاء عند الإمام الصادق صلوات الله عليه أيضاً، وقال: جئتك يابن رسول الله لأعرض عليك ديني، فإن كان مرضياً أثبت عليه حتى ألقى الله عزّ وجلّ.

وشدّد سماحته بقوله: مهما كان الإنسان ـ والعياذ بالله ـ من أهل المعاصي، ولكن إن كانت عقائده سليمة وصحيحة فإنه لا يكون مصداقاً لـ(يضلّ)، مع ان المعصية أمر سيئ ومضرّ، والله يعفو عنها إذا تاب الإنسان منها توبة صحيحة وصادقة. فالله تعالى يغفر للعاصين ببركة توبتهم عن المعاصي توبة صحيحة وصادقة.

جاء رجل إلى أحد الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم، وقال: أنا قد قضيت مدّة من عمري في تضليل بعض الناس وإغوائهم، وقد استرزقت من قيامي بتضليل الناس ومن نشر العقائد الفاسدة بينهم، والآن قد ندمت على ما فعلت، فهل لي من توبة؟ فقال له الإمام سلام الله عليه: كلا، حتى ترجع من أغويته إلى رشده وإلى الطريق الصحيح. فقال الرجل: إن بعضهم قد مات؟ فقال الإمام: لقد جعلتهم يدخلون النار بسببك، والآن تريد الجنّة لنفسك؟!

وأوضح سماحته: علينا أن لا نغفل عن أهمية العقائد. فالعقائد الصحيحة لها الأثر البالغ على حياة ومصير الإنسان، وخير مثال على ذلك هو ما حصل للعياشي. ففي عصر الغيبة الصغرى وزمن الحسين بن روح، اهتدى العياشي الذي كان من أحد علماء العامّة في بغداد، وصار من كبار علماء التشيّع، وتخرّج على يديه العشرات من علماء الشيعة الذين يأخذ عنهم في الأحكام الكثير من علماء التشيّع اليوم. فالكثير من علماء الشيعة اليوم يأخذون عن مؤلّفات العياشي وعن تلامذته الذين تخرّجوا على يديه. فالعياشي كان من أحد مصاديق كلام الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، حيث اهتدى وأهدى الكثير من غيره.

وقال سماحته: إنّ العمل بالعقائد النابعة من أهل البيت صلوات الله عليهم، تهدي عالماً من المخالفين وتجعله في صفّ الموالين والأتباع لأهل البيت صلوات الله عليهم. إذن علينا أن نحذر من الذين يروجون للعقائد السيئة، فالله تعالى لا يرضى بذلك ولا يعفو عن فاعليها.

وقال سماحته مخاطباً أصحاب المواكب ومسؤولي الحسينيات والهيئات: على المؤمنين الناشطين في الهيئات والحسينيات وفي إقامة مجالس أهل البيت صلوات الله عليهم وفي إحياء الشعائر والمناسبات الدينية المقدّسة، أن يسعوا إلى تربية جيل الشباب على العقائد الصحيحة وهي عقائد أهل البيت صلوات الله عليهم. فأنتم ولله الحمد لكم ارتباط وعلاقة بالحسينيات والمواكب، فانقلوا ذلك إلى جيل الشباب. ففي معظم العالم اليوم يوجد المئات والمئات من الحسينيات والمواكب، فيجب أن نجعلها مراكز لنشر عقائد أهل البيت صلوات الله عليهم، وأن نجذب الشباب، بنين وبنات، إليها، لتعليمهم العقائد الصحيحة، لكي يكونوا من المصداق الحقيقي لكلام مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، حيث قال: «ويهتدي فيها آخرون».

وقال سماحته: كما عليكم أن تستفيدوا من الإمكانات المتوفّرة اليوم أحسن استفادة. واعلموا أنه إذا لم يتحقّق من يقوم بهذا الأمر على نحو الكفاية، فسيكون واجباً عينياً على الجميع. فالحسينيات والمواكب بإمكانها أن تكون مركزاً لنشر العقائد والأحكام لهداية الناس، بالأخصّ جيل الشباب. فكلما ترسّخت العقائد في الشباب، فسوف لا تؤثّر عليهم أيّة شبهة ولا أيّ تشكيك. فالحسينيات والمواكب والهيئات بتعليمها العقائد للشباب، يجب أن تكون حصناً لهم قبال الانحرافات.

وبيّن سماحته أيضاً: إنّ الشيعة ومنذ سنين طويلة، وبالأخص في عالم اليوم، يتعرّضون للظلم والأذى وتقترف مجازر بحقّهم، بالأخصّ في المدن المقدّسة بالعراق، كالنجف الأشرف وكربلاء المقدّسة، والكاظمية وسامراء المقدّستين، ولكن نحن على يقين بأنه بعون مولانا الإمام المهديّ المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، سوف تفشل محاولات الأعداء ويخيبوا. والمهم حالياً هو الحفاظ على عقائد الشباب وترسيخها، بحيث لا ينخدعوا بأيّة شبهة ولا بأيّ تشكيك يصدر من التيارات الباطلة، وأن لا ندع شابّاً شيعياً واحداً ينحرف بسبب الأفكار والشبهات الباطلة.

وختم سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، توجيهاته القيّمة، قائلاً: اعلموا ان مقتل شيعي واحد، مع انه مصيبة كبيرة ومؤلّمة، لكنها أهون من انحراف شابّ شيعي بسبب ضعف عقائده. فإنا تزلزل عقيدة الشاب الشيعي وعائلته بالشبهات والتشكيكات، هو مصيبة كبرى وألم كبير. وهذا الأمر يواجه الكثير من الآباء والأمهات وكل المسؤولين في المجتمع اليوم. فيجب جذب الشباب إلى الحسينيات والمواكب والهيئات بتشجيعهم إلى ذلك. فلا شكّ ان النشاطات والفعاليات التي تقام باسم أهل البيت صلوات الله عليهم في الحسينيات وفي أيّ مكان آخر، ستكون ضماناً للمحافظة على عقائد الشباب، وستعينهم على الردّ وفي القضاء على التشكيكات والشبهات المحتملة والتي قد تخطر في أذهانهم.

أسأل الله تعالى أن يعجّل في ظهور مولانا الإمام بقيّة الله الأعظم صلوات الله عليه وعجّل الله تعالى فرجه الشريف، وأن يمنّ بالخلاص والنجاة على الشيعة المظلومين بالعالم، بالأخص الشعب المظلوم والأبي في العراق.