سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: حكومة الإسلام هي حكومة الأخلاق والحريّات وليس حكومة القمع والقتل

أشار المرجع الديني الكبير سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، إلى ثقافة الإسلام الحقيقي المتمثّل بإسلام مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله والإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، والأئمة الأطهار من أهل البيت صلوات الله عليهم، وبيّن أبرز معالم وأسس هذه الثقافة، وهي: الرحمة والعفو والصفح والتسامح والسلم والسلام والأمان والرفاه والعدل والحريّة والإنسانية.

كما ذكر سماحته نماذج من تعامل مولانا النبي الكريم والإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما خلال حكومتيهما، ودعا الجميع إلى التأسيّ بهما، والعمل على تربية جيل الشباب على هذه الثقافة الفذّة والفريدة، لما لها من دور أساسي في صلاح العالم وعيشه برغد وسلام.

جاء ذلك في كلمة قيّمة لسماحته دام ظله، ألقاها بوفد تجمّع عشائر النجف الأشرف وقضاء المشخاب، الذين زاروا سماحته في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، يوم الاثنين الموافق للعاشر من شهر شعبان المعظّم 1435 للهجرة. وإليكم نصّ كلمة سماحة المرجع الشيرازي دام ظله.

بسم الله الرحمن الرحيم

اُبارك لكم وللمؤمنين جميعاً في كل مكان، وللمستضعفين في أكناف الأرض، وللعالم أجمع، ذكرى ميلاد سيدنا ومولانا ومنقذنا ومنقذ العالم أجمع، محمّد المهديّ صلوات الله وسلامه عليه وعجّل الله تعالى فرجه الشريف. ونحن نعيش العشرة المهدوية المقدّسة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرضيه عنّا، وأن تكون أقوالنا وأعمالنا مورد قبوله الذي هو قبول لله سبحانه وتعالى.

قبل قرابة ألف وأربعمائة سنة، حكم نصف الكرة الأرضية آنذاك ومن العراق، مولانا وسيّدنا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وسيحكم في المستقبل ابنه الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف. وأسأل الله تعالى أن يكون ذلك اليوم قريباً.


مسؤولية الجميع

نحن جميعاً، والذين يعيشون في العالم اليوم أيضاً وفي البلاد الإسلامية وبالعراق بنحو أخصّ، نعيش فترة المسؤولية الكبرى علينا جميعاً، كعشائر وكمثقفين وعلماء ورجال ونساء، وبالخصوص جيل الشباب، من البنين والبنات. ونحن اليوم نعيش مسؤولية مستقبل العراق، ومسؤولية مستقبل العالم من العراق.


المسؤولية تكمن وتتضح أبعادها في أمرين:

الأمر الأول: اتّباع سيدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه في سيرته أيّام حكومته العالمية من العراق.

الأمر الثاني: التعبئة الواسعة والمتواصلة من الجميع في انتشال شبابنا وتثقيفهم بثقافة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وثقافة أهل البيت صلوات الله عليهم. وهي الثقافة التي سيسير عليها سيدنا ومولانا بقيّة الله عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وهي سيرة جدّه رسول الله وسيرة أبيه أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، كما ورد في الأحاديث الصحيحة.


أنظف سيرة

لقد خاض مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، مفروضاً عليه، عشرات الحروب، ولكنه خرج منها بأنظف ما يمكن ويتصوّر وبأنظف مما يوجد في التاريخ. وكذلك أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فرضت عليه ثلاث حروب عظيمة، ولكنه صلوات الله عليه خرج منها بأنظف ما يمكن، وبأنظف مما يوجد في التاريخ كلّه، أيضاً. فأوصي الجميع، بالخصوص الشباب الواعي والمثقّف، بمطالعة التاريخ بأنفسهم، وعدم الاعتماد على ما يُشاع ويُذاع أحياناً من الأباطيل، فقط.

إنّ الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه فرضت عليه ثلاث حروب عظيمة في داخل الإطار الإسلامي. وقد بدأ تلك الحروب وأثارها أصحاب الجمل وأصحاب صفّين وأصحاب النهروان، ولكنه صلوات الله عليه، حيث كان هو الحاكم الأعلى للبلاد الإسلامية ذلك اليوم، أمر بإعطاء الدية للمقتولين بسبب الأعداء، وليس بسبب جيش الإمام الذي كان يدافع عن أعراض المسلمين ذلك اليوم. أي للمقتولين بسبب الجيش المعادي الذي تعدّى وبدأ الحرب وأشعل نار الحرب ضد أمير المؤمنين صلوات الله عليه الذي كان هو الحاكم الشرعي عند الجميع. فراجعوا تواريخ الشيعة، وتواريخ غير الشيعة من المسلمين، وحتى تواريخ الكفّار، لتعرفوا ذلك، ولتعرفوا ماذا كتبوا عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه من مثل هذه السيرة وهذا التعامل الذي مرّ ذكره.

هذه الثقافة، أي ثقافة الإسلام التي مثّلها رسول الله صلى الله عليه وآله، ومثّلها أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وسيمثّلها مولانا بقيّة الله عجّل الله تعالى فرجه الشريف، هذه الثقافة ينبغي أن تُعمّم للشباب الذين هم صنّاع المستقبل، أي مستقبل العالم عبر مستقبل العراق.

دور الشباب وتأثيرهم

إن أنظف حكومة بالعالم، وأحسن حكومة هي الحكومة القائمة على الأخلاق، وقائمة على الفضيلة، وهي التي سيقوم بها مولانا بقيّة الله عجّل الله تعالى فرجه الشريف. وهذه الحكومة يجب أن يعرفها شبابنا اليوم، الذين هم في المستقبل سيكونون كل شيء، في العراق وعبره في العالم. فالشباب هم الحكّام بالعراق في المستقبل، ومن شبابنا في المستقبل سيكون المراجع بالعراق، ومنهم سيكون شيوخ العشائر بالمستقبل، ومنهم سيكون أساتذة الجامعات، ومنهم سيكون التجّار بالمستقبل، وعليهم ستدور رحى السياسة في المستقبل، وبهم ستدوم رحى الاقتصاد بالمستقبل، وبهم ستقوم رحى الحوزات العلمية المقدّسة بالمستقبل، وكل شيء في المستقبل سيقام بشبابنا اليوم. ولذا، فعلينا جميعاً، وعلى الشباب أنفسهم، أن يكونوا عند مسؤولية معرفة هذه الثقافة، حتى تطبّق في المستقبل هذه الثقافة، تمهيداً لظهور مولانا بقيّة الله عجّل الله تعالى فرجه الشريف.


أنجح حكومة

كما إنّ أنجح حكومة في التاريخ، وأنظف حكومة في التاريخ، وأقلّ حكومة قتلى وإعداماً في التاريخ، هي حكومة رسول الله وحكومة أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما. وإنّ أنجح حاكم في التاريخ هو رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما. فاقرأوا التاريخ لتعرفوا ذلك أكثر.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها عشرات الملايين من الناس، كان هنالك بلدان، أعلنا أنهما أكثر خسارة من سائر البلاد ومن هذه الحرب العالمية. ولكن أحد من هذين البلدين عمل بوصية أمير المؤمنين صلوات الله عليه في رسالته إلى أحد الحاكمين الذين كانوا يحكمون تحت قيادته. فعمل ذلك البلد بسطر واحد من رسالة الإمام في مجال الاقتصاد قبل 14 قرناً، وطبّقه، فأصبح في فترة غير طويلة يزاحم أقوى بلد على وجه الأرض في داخله في المجال الاقتصادي، وذلك ببركة تطبيقه سطر واحد من وصيّة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في مجال الاقتصاد.

المهم أن يعرف العالم اليوم، ان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كيف حكم من العراق نصف المعمورة في ذلك اليوم وفي زمانه، رغم كثرة المشكلات عليه، من الداخل والخارج. فقد ترك الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، بصمات في التاريخ، في مجالات مختلفة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية.


التأسّي بالنبي وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما

لقد ترك الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بصمات فريدة في التاريخ إلى هذا اليوم، رغم تقدّم العالم في المجالات المختلفة إلى هذا اليوم. وترك الإمام بصمات من سيرته في أيّام حكومته المباركة، بصمات لا يوجد لها نظير حتى في أرقى حكومات اليوم، وحتى في أغنى حكومات اليوم، وحتى في أكثر حكومات اليوم حريّة. بل لا يوجد لها نظير أبداً. لأنهم لم يتعلّموا من الإمام صلوات الله عليه.

كما إنّ أنجح حاكم في التاريخ هو رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن بعده أنجح حاكم هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وهما لنا وللعالم كلّه، ولا شكّ في ذلك، ولكن نحن ننتمي إليهما صلوات الله عليهما وآلهما، فينبغي في عراق اليوم بالخصوص، وكذلك في كل مكان، ينبغي أن نستفيد من هذه السيرة الوضّاءة التي لا مثيل لها في التاريخ إلى يومك هذا، استفادة أكثر وأكثر.

هذه السيرة إذا تُقابل بما جاء بعد رسول الله وبعد أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، من سيرات للحكّام الذين حكموا باسم الإسلام ولا يزال، في البلاد التي تسمّى إسلامية مع الأسف، فكم سيكون الفارق والتفاوت؟!

لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «سيأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلاّ اسمه».

إذن، فمن عليه أن يبيّن ذلك للناس؟

إنّ هذه مسؤوليتنا نحن جميعاً، «فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته». فالذي يفهم أكثر مسؤوليته أكثر، والذي له إمكانية أكثر في أي مجال فمسؤوليته أكثر، والذي يعي هذه الأمور مسؤوليته أكثر. فالبلاد المسمّاة بالبلاد الإسلامية ينبغي أن تستفيد من سيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، حتى ينعم العالم بكل خير.


من جرائم الحكّام

راجعوا التاريخ وانظروا ماذا فعل الحكّام الذين جاءوا بعد أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وحكموا باسم الإسلام؟ فقد كتب المؤرّخون من المسلمين ومن غيرهم ان معاوية قتل في اليمن أكثر من ثلاثين ألفاً لانتمائهم إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه! وفي المدينة بواقعة الحرّة قتل ابنه يزيد من الأطفال والنساء والشيوخ وغيرهم، خلال ثلاثة أيام، قرابة (11) ألف شخص، بأنواع القتل. وهكذا غير ذلك وغير ذلك. واليوم ترون ماذا يصنع أتباع معاوية ويزيد أيضاً.

راجعوا التاريخ وانظروا في حرب الجمل. فبعد أن انهزم جيش الجمل، وانتصر أمير المؤمنين صلوات الله عليه وجيشه بإذن الله سبحانه وتعالى، اصطدم الجيش المنهزم، أي جيش العدو، بامرأة حامل، فسقطت وماتت ومات جنينها. فأمر الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بإعطاء ديتهما من بيت المال، لأن تلك الحادثة وقعت على أرض كان يحكمها أمير المؤمنين صلوات الله عليه! فهل يوجد نظير لهذه الثقافة في التاريخ؟ وهل يوجد نظير لهذه الممارسة في التاريخ؟ وهل يوجد نظير لهذا الأسلوب في التاريخ؟

حكومة العفو

انظروا في التاريخ وابحثوا فيه، ماذا كان يصنع الخط المقابل لأهل البيت صلوات الله عليهم، في الحروب، وماذا يصنعون اليوم ولا حرب؟ ولنعم ما قال الشاعر عن الفرق بين خطّ أهل البيت صلوات الله عليهم، والخط المقابل:

ملكنا فكان العفو منّا سجية       فلما ملكتم سال بالدم أبطح

وحسبكم هذا التفاوت بيننا        وكل إناء بالذي فيه ينضح

فعندما ملك أهل البيت صلوات الله عليهم، كرسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، كان العفو سجيّتهم وطبيعتهم وتاريخهم وثقافتهم. ولما ملك الطرف المقابل والمضاد لأهل البيت صلوات الله عليهم، سالت الصحاري بالدماء!

انظروا في تاريخ ثورة العشرين أيضاً، فمن الذي كان معتدياً؟ أليس الاستعمار كان هو المعتدي؟


إقتداء علماء التشيّع بأهل البيت

أوصي الشباب بقراءة تاريخ ثورة العشرين وبالخصوص كتاب (الحقائق الناصعة) وغيرها من الكتب التي كتبت عن ثورة العشرين. فالشعب العراقي كان يعيش على أرضه آمناً، فما للاستعمار أن يأتي من وراء البحار ويتدخّل بأمور العراق بحجج واهية كالإنقاذ وغيرها؟ ولا يحقّ له ذلك؟ فالاستعمار المعتدي جاء إلى العراق، فانظروا إلى فتوى زعيم الثورة آنذاك المرحوم الشيخ محمد تقي الشيرازي، وانظروا ماذا كتب فيها. أنه استعمل في فتواه لتحريض العراقيين على صدّ الاستعمار، استعمل واستفاد من كلمة (الدفاع)، حيث قال: (يجب على العراقيين أن يدافعوا). أي لم يستعمل (يهاجموا). فمن البداهة لكل إنسان تجاه الذين يأتون لمحاربته، ومن المعقول هو أن يدافع الإنسان عن نفسه ويدافع عن أعراض المسلمين وعن دماء المسلمين وأطفال المسلمين وعن أرض الإسلام. فكلمة الدفاع التي استعملها الشيخ الشيرازي هي كلمة رسول الله صلى الله عليه وآله. ففي أيّ التواريخ يوجد مثل هذا الأسلوب من أسلوب ثقافة أهل البيت صلوات الله عليهم؟


التاريخ النظيف

اقرأوا تاريخ الإسلام إلى ما قبل قرن، لتعرفوا كيف كان أسلوب المستعمرين في الحروب التي خاضوها ضد بعضهم أنفسهم. وراجعوا واقرأوا الكتب التي كتبت عن أهل البيت صلوات الله عليهم، ومنها كتاب (الهدى إلى دين المصطفى) للعلاّمة الكبير الشيخ محمد جواد البلاغي، وكذلك كتابه الآخر (الرحلة المدرسية). فاقرأوا هذين الكتابين، حيث أرّخ البلاغي فيهما لحروب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأثبت أن كل حرب من حروب رسول الله صلى الله عليه وآله كانت دفاعية، فلم يهجم النبيّ صلى الله عليه وآله على أحد في حروبه أبداً. وهكذا لم يهجم أمير المؤمنين صلوات الله عليه في حروبه على أحد.


ثقافة الغاب!

لكن تعالوا وانظروا إلى أتباع غير أمير المؤمنين صلوات الله عليه، من يومهم وإلى هذا اليوم، ماذا صنعوا، وماذا يصنعون اليوم في العراق وغيره؟ فما يصنعونه هي ليست ثقافة الإنسان. فالسيارات المفخّخة، والأحزمة الناسفة، والهجمات المسلّحة، وقتل الناس والأبرياء، وإرعاب الأطفال والنساء وقتلهم، هي ثقافة الغاب مع الأسف. مع العلم بأن الغاب هم وحوش، لم يخلق الله لهم عقلاً، ولكن هؤلاء من البشر يستعملون ثقافة الغاب! وهذا ما لا تجدونه إلاّ في طريق غير أهل البيت وفي طريق غير أمير المؤمنين صلوات الله عليهم.


لصلاح العالم

إذن، إنّ مسؤوليتنا اليوم، للعراق وعبر العراق للعالم كلّه، هي أن نربّي شبابنا، وهم صنّاع المستقبل، على ثقافة أهل البيت صلوات الله عليهم. فإذا وعى الشباب ثقافة أهل البيت صلوات الله عليهم، فسينفذون هذه الثقافة في المستقبل القريب، وسيعملوا بها لينعم بها العراق في المستقبل ببركة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وعبر العراق ينعم العالم كلّه وببركة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، بحكومات إنسانية، وحكومات أخلاقية، وحكومات فضيلة، وليس حكومات رذيلة، ولا حكومات بربرية، ولا حكومات غير إنسانية.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّق الجميع لذلك. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.