![]() |
|
المبعث الشريف
بسم الله الرحمن الرحيم
لما بلغ رسول الله (صلى
الله عليه وآله) أربعين سنة بعثة الله تعالى رحمة للعالمين، وكافة للناس
أجمعين.
قال: وما أقرأ؟ فرجع بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرجف فؤاده، حتى دخل على خديجة (عليه السلام) فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع.
أول المؤمنين: وكان أول من آمن بالرسول (صلى الله عليه وآله) من الرجال علي (عليه السلام) ومن النساء زوجته خديجة (عليه السلام). وعن أبي ذرانه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي (عليه السلام) (أنت أول من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة، وأنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق و الباطل....) وفي نهج البلاغة: (ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخديجة وأنها ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة. ثم زيد، وكان غلاماً لخديجة، فوهبته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لما تزوجها.
إبلاغ الرسالة: ثم أن الله سبحانه أمر رسوله (صلى الله عليه وآله) أن يصدع بما جاءه منه، وأن ينادي الناس بأمره ويدعو إليه، فأنزل سبحانه: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) ثم قال تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل أني بريء مما تعملون). فعن سالم عن علي (عليه السلام) قال أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) خديجة وهو بمكة فاتخذت له طعاماً، ثم قال لي: ادع لي بني عبد المطلب، فدعوت أربيعن رجلاً. فقال لي (صلى الله عليه وآله) هلم طعامك، فأتيتهم بثريد إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، فاكلوا منها جميعاً حتى أمسكوا.
ثم قال (صلى الله عليه
وآله) أسقهم، فسقيتهم بإناء هو ري أحدهم، فشربوا منه جميعاً حتى صدروا. فلبثوا أياماً ثم صنع لهم طعاماً مثله ثم أمرني فجمعتهم فطعموا ثم قال لهم. (ان الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلأ هو اني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وانهما الجنة أبداً، والنار أبداً. ثم قال (صلى الله عليه وآله) يا بني عبد المطلب؟ أنني والله ما أعلم أحداً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جائتهم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟
قال: فأحجم القوم عنها
جميعاً، فقلت ـ واني لأحدثهم سناً ـ يانبي الله اكون وزيرك، فأخذ (صلى الله
عليه وآله) برقبتي ثم قال أن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له
وأطيعوا.
منطق الجاهليين: فلما نادى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالإسلام وصدع بما أمره الله تعالى به، استجاب له الاحداث من الرجال، والضعفة من الناس، حتى كثر من آمن به، فعظم ذلك على أصحاب الاغراض والاطماع من قومه، ورأوا أن مصالحهم الشخصية المعتمدة على عبادة الاصنام مهددة باخطر، فناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته وأكبر على منابذته وايذائه، فحدب أبو طالب (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنعه وقام دونه، لأنه بالإضافة إلى أيمانه بالله والرسول (صلى الله عليه وآله) كان شريفاً في قومه، معظماً في قريش، مطاعاً في أهل مكة، فم يتجاسروا معه مكاشفة الرسول (صلى الله عليه وآله) بشيء من الأذى. أما أصحابه:
فمن كانت له عشيرة تحمه
أمتنع بعشيرته، وأما من لم تكن له عشيرة فقد تصدوا له بالأذى والعذاب، فلقى
أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من العذاب أمراً عظيماً. عمار وأبواه: وكان ممن عذبوه: عمار بن ياسر وأمه وأباه، وكان إذا مربهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: صبراً يا أل ياسر فإن موعدكم الجنة، فمات ياسر أبو عمار تحت التعذيب القاسي، وكذلك ماتت سمية أم عمار على أثر حربة طعنها في قلبها أبو جهل، وبقى عمار في أيدي أسياده وأخذوا يعذبونه أشد التعذيب، إلى أن قالوا له: لا نتركك حتى تكفر بمحمد وإلهه، فأجابهم إلى ذلك مكرهاً، فتركوه، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) معتذراً باكياً، فأنزل الله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان....) فقال له (صلى الله عليه وآله) لا بأس عليك يا عمار إن عادوا فعد.
مع بلال: وكذلك كان بلال، فإن أسياده كانوا يأخذونه إلى التعذيب خارج مكة، فيطرحونه على الرمضاء ثم يلقون على بطنه الصخرة العظيمة المحماة بالشمس، ثم يأخذونه ويلبسونه في ذلك الحر الشديد درع من حديد، ويضعون في عنقه حبلاً ويسلمونه إلى الصبيان يطوفون به، وهو في كل ذلك صابر محتسب لا يبالي بما يلقى في ذات الله، وكان كلما اشتد به العذاب يقول: أحد، أحد.
|
|
|