الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين
الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
قال
الله تبارك وتعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ*أُولئِكَ
الْمُقَرَّبُونَ*فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)[1].
القرب والبعد معنيان متضايفان تتَّصف بهما الأَجسام حسب النِّسبة
المكانية. ثم تُوسع فيهما فاعتبر في غير المكان من الزمان ونحوه، يقال:
الغد قريب من اليوم، والأَربعة أَقرب إِلى الثلاثة من الخمسة، والخضرة
أَقرب إِلى السَّواد من البياض، ثمَّ توسِّع فيهما فاعتبر في غير
الأَجسام من الحقائق[2].
وقد
اعتبر القرب وصفاً له تعالى بما له من الإِحاطة بكلِّ شيءٍ قال تعالى:
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)[3]،
وقال تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)[4].
واعتبر أَيضاً وصفاً للعباد في مرحلة العبودية، ولمَّا كان امراً
اكتسابياً يستعمل فيه لفظ التقرُّب فالعبد يتقرَّب بصالح الأَعمال إِلى
الله سبحانه، وهو وقوعه في معرض شمول الرحمة الإِلهية بزوال أَسباب
الشقاء والحرمان.
والله سبحانه يقرِّب العبد بمعنى انزاله منزلة يختصُّ بنيل ما لايناله
من دون إِكرامه تعالى ومغفرته ورحمته.
مولانا علي الأكبر والقرب الإلهي:
ورد
في زيارة مولانا وسيدنا علي الأكبر عليه السلام المخصوصة في الأَول من
شهر رجب الأصب: «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّها الصِّدِّيقُ الطَيِّبُ
الزَّكِيُّ الحَبِيبُ المُقَرَّبُ».
إِنَّ في وصف سيدنا الشهيد علي الأَكبر ـ عليه السلام ـ بهذا الوصف
بيان لعظم منزلته وقربه من الله تعالى. هذا هو المتبادر من لفظ
«المقرب» الوارد في الزيارة المباركة.
كما
ويحتمل ان يكون القرب من الإمام عليه السلام الذي هو في واقعه قرب من
الله تعالى؛ فإِنَّ الإِمام المعصوم خليفة الله في أرضه، وبابه الذي
منه يؤتى.
وقد
تقدَّم أَنَّ القرب معنى متضايف لابدَّ من إِضافته الى شيءٍ؛ ليظهر
ويعرف المراد منه. ومن هنا نفهم مدى الكمال الذي بلغه ـ سلام الله عليه
ـ.
المقرَّبون وفق المنظور القرآني:
وقد
وردت آيات كريمة عدة بيّنت منزلة المقرَّبين منها:
الأولى: قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولئِكَ
الْمُقَرَّبُونَ)[5].
الثانية: قال تعالى: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي
عِلِّيِّينَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُونَ*كِتَابٌ مَرْقُومٌ*يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ)[6].
الثالثة: قال تعالى: (لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً
لِلّهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ
عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً)[7].
وحين تدبُّر الآيات الثلاثة المباركة يتَّضح ما يلي:
اولاً/ إنَّ القرب الإِلهي يتحقق بالسبق إِلى الله تعالى مع العبودية
المحضة والتسليم المطلق، مع لحاظ أَنَّ السبق لله عزّ وجلَّ يكون عبر
السبق الى الإمام المفترض الطاعة المنصَّب من قبله عزَّ وجلَّ.
ثانيا/ إِنَّ درجة المقرَّبين سامية جداً تفوق درجة الأَبرار في سلَّم
الكمال، بحيث تؤهل المقرَّب الى الشهادة على ما في كتاب الأَبرار،
بمعنى أَنَّ أَعمال الأَبرار حاضرة عند المقرَّبين، كما سيأتي بيانه.
وعليه فالمقرَّبون «هم النمط الأَعلى من أَهل السعادة، كملت عبوديتهم،
وكلُّ إِرادتهم، وعملهم لمولاهم الحقِّ سبحانه جلَّ شأنه، فلا يعملون
إِلا ما يريده تعالى. وهذا هو الدخول تحت ولاية الله تعالى، فهؤلاء هم
أَهل ولاية الله تعالى جده»[8]،
فهم الذروة العالية ـ التي ورد ذكرها في الزيارة الشريفة ـ وسيد
المقربين رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ كما نقل الشيخ الصدوق رحمه
الله بإسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«إنَّ الله عزّ وجلَّ قسَّم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسماً، وذلك
قوله عزّ وجلّ في ذكر أَصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، وأنا خير أَصحاب
اليمين.
ثمَّ قسَّم القسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرها ثلثا؛ لقوله عزّ وجلّ:
(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ*وَأَصْحَابُ
الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ*وَالسَّابِقُونَ
السَّابِقُونَ)[9]،
وأنا خير السابقين، ثم جعل الاثلاث قبائل، فجعلني من خيرها قبيلة وذلك
قوله عزّ وجلّ: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[10]،
فأنا اتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله جلّ ثناءه ولا فخر، ثم جعل
القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً وذلك قوله تعالى:
(إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[11].[12]
اقول: وان سيدنا علي الاكبر من هذا البيت المبارك[13]
فهو شبيه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ كذلك في هذا الجانب إِلا
أَنَّه من المقرَّبين وليس سيدهم.
وقد اكتسب من الفضائل والاستعدادات الشيء الكثير سلام الله عليه ممَّا
جعله في مصاف الأَنبياء والأَوصياء والأَولياء المطّلِّعين على حقائق
الأُمور والأَسرار ، فيالها من منزلة رفيعة سامية.
منشأ كماله وعلو مقامه:
ورد في الزيارة الشريفة: «....ما اكرم مقامك وأشرف منقلبك، أشهد لقد
شكر الله سعيك، وأجزل ثوابك وألحقك بالذروة العالية حيث الشرف كل
الشرف..»[14].
كذلك فإنَّ هذه المنزلة العالية تنبئ بصفاء روح هذا السيد الجليل،
ونقاء نفسه، ممَّا يؤهِّله لتلقي المكرمات الإِلهية، والفيوضات
الربانية، فهو الزكي الطاهر.
وكذا توضِّح كلمات الزيارة كمال تولِّيه لأولياء الله تعالى وسبقه
اليهم، وبراءته من أَعدائهم، والتولِّي والتبرِّي جناحا القرب وطريقه
إِلى الله تعالى، ويشهد لذلك ما ورد في زيارة عاشوراء الشريفة:
«يا اَبا عَبْدِاللهِ اِنّي اَتَقَرَّبُ اِلى اللهِ وَ اِلى رَسُولِهِ
وَاِلى اَميرِ الْمُؤْمِنينَ وَاِلى فاطِمَةَ وَاِلَى الْحَسَنِ
وَاِلَيْكَ بِمُوالاتِكَ وَبِالْبَراءَةِ (مِمَّنْ قاتَلَكَ وَنَصَبَ
لَكَ الْحَرْبَ وَبِالْبَراءَةِ مِمَّنْ اَسَسَّ اَساسَ الظُّلْمِ
وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ وَاَبْرَأُ اِلَى اللهِ وَاِلى رَسُولِهِ)
مِمَّنْ اَسَسَّ اَساسَ ذلِكَ وَبَنى عَلَيْهِ بُنْيانَهُ وَجَرى فِي
ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ عَلَيْكُمْ وَعلى اَشْياعِكُمْ، بَرِئْتُ اِلَى
اللهِ وَاِلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَاَتَقَرَّبُ اِلَى اللهِ ثُمَّ
اِلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُمْ وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ وَبِالْبَراءَةِ
مِنْ اَعْدائِكُمْ وَالنّاصِبينَ لَكُمُ الْحَرْبَ وَبِالْبَراءَةِ
مِنْ اَشْياعِهِمْ وَاَتْباعِهِمْ، اِنّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ
وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ وَوَلِىٌّ لِمَنْ والاكُمْ وَعَدُوٌّ
لِمَنْ عاداكُمْ»[15].
لا
يقال إن صفاء جوهره منحة إلهية فلا فضل له ـ سلام الله عليه ـ في
الوصول الى درجة المقرَّبين؛ لأنه إِنَّما صفى جوهره بطاعته وإجابته في
عالم الذر، ممَّا لم يجب غيره بمثله، سوى أئمته والأنبياء سلام الله
عليهم، فصفاء جوهره وطيب طينته كان جزاء ذلك العمل لا اعتباطاً؛ ولذا
ورد في دعاء الندبة المبارك في حق اهل البيت عليهم السلام:
«بَعْدَ اَنْ شَرَطْتَ عَلَيْهِمُ الزُّهْدَ في دَرَجاتِ هذِهِ الدُّنْيَا
الدَّنِيَّةِ وَزُخْرُفِها وَزِبْرِجِها، فَشَرَطُوا لَكَ ذلِكَ
وَعَلِمْتَ مِنْهُمُ الْوَفاءَ بِهِ فَقَبِلْتَهُمْ وَقَرَّبْتَهُمْ»[16].
ويشهد لذلك ما نقله النعماني ـ رحمه الله ـ بسنده عن داود بن كثير
الرقّي، قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام: جعلت فداك
أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ*أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)، قال:
«نَطَقَ اللهُ بِهَذا يَومَ ذَرَأَ
الخَلْقَ فِي المِيثَاقِ، قَبلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلقَ بِألفَي
سَنَةٍ».
فقلتُ: فَسِّرْ لِي ذَلكَ؟
فَقالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجلَّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ
الخَلقَ مِنْ طِينٍ، وَرَفَعَ لَهُمُ نَارَاً، وَقَالَ لَهُم: إدْخُلوهَا، فَكانَ أولَ مَنْ دَخَلَهَا مُحَمَدٌ صلى الله عليه وآله
وَأميرُ المُؤمِنينَ وَالحَسَنُ وَالحُسِينُ وَتِسعَةٌ مِنَ الأئمةِ
إِماماً بَعْدَ إِمامٍ، ثُمَّ أَتبَعَهُمُ شِيعَتُهُمُ، فَهُمُ وَاللهِ
السَابِقونَ»[17].
وفي
الكافي الشريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام قال: قال
أَبي لأناس من الشيعة: «أنتم شيعة الله، وأَنتم أَنصار الله، وأَنتم
السَّابقون الأَولون، والسابقون الآخرون، والسابقون في الدنيا إِلى
ولايتنا والسَّابقون في الآخرة الى الجنة، قد ضمنا لكم الجنَّة بضمان
الله عزَّ وجلَّ، وضمان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ والله ما على
درجة الجنة أكثر أرواحاً منكم، فتنافسوا في فضائل الدرجات»[18].
علي
الأكبر شاهد الاعمال:
تقدم أَنَّ سيدنا علي الاكبر عليه السلام من المقرَّبين، وهم الشاهدون
على أَعمال الابرار، قال الله عزّ وجلّ: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ
الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُونَ*كِتَابٌ مَرْقُومٌ*يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ)[19].
«المراد بالشهادة في الآية الشريفة ليست الشهادة الجسمانية ـ تحمُّلاً
وأداءً ـ بل الشهادة الحضورية على أَعمال الجوارح والجوانح إِحاطة
حضورية من الله تعالى في مقام التحمُّل في الدنيا، ومقام الأَداء في
الآخرة.
ويستلزم ذلك إِحاطة الشَّاهد إحاطة معنوية من قبل الله تعالى، ولا
يمكن ان يصل الى هذه الدرجة كل احد مع ما هم عليه فمثل هذه الشهادة
تختصُّ بالأَقلِّ من أُمة محمد صلى الله عليه وآله»[20].
وقيل: «الشهادة هي تحمُّل حقائق أَعمال النَّاس من سعادة وشقاء، وردٍّ
وقبول، وانقياد وتمرُّد، وأداء ذلك في الآخرة يوم يستشهد الله كلّ شيء
حتى من أعضاء الانسان، يوم يقول الرسول: (يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي
اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً)[21].
ومن المعلوم أَنَّ هذه الكرامة ليست الا كرامة خاصَّة لأولياء الله
الطاهرين منهم»[22].
وقد ورد في مواضع عدَّة من زياراته الشريفة ـ صلوات الله عليه ـ
أَنَّه ولي الله، فتدبَّر تنكشف الحقائق.
فتلخص: أَنَّ الشهادة على الأَعمال وفق الآية الكريمة مختصَّة بجماعة
معيَّنة من أُمَّة محمَّد ـ صلى الله عليه وآله ـ تولى الله تعالى
أمرها، فيكشف لها ما يشاء من أمر عباده، فطهرها وزكَّاها، وورد النصُّ:
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[23].
وفي زيارة الأَول من رجب: «وجعلك من أَهل البيت الذين أَذهب عنهم
الرجس وطهَّرهم تطهيرا».
فهذه الطهارة وصفاء النفس شرط الشهادة الامر الذي يستدعي بيان معنى
الطهارة والعصمة لنتمكن بعد ذلك من معرفة ملازماتها من العلم المحيط
المشترط في الشهادة على الاعمال.
علي
الأكبر والعصمة الالهية:
العِصْمَة في كتب اللغة: بكسر العين وسكون الصَّاد وفتح الميم: المنع،
ملكة اجتناب المعاصي والخطأ[24]،
وبفتح العين والصَّاد «عَصَم، يعصِم»: اكتسب، ومنع ووقى[25].
وهذه المادة استعملت في القرآن العظيم في موارد عدة منها:
قال
تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الْكَافِرِين)[26].
وقال تعالى: (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُني مِنَ الْمَاءِ
قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)[27].
وقال تعالى: (قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِنَ اللَّهِ إِنْ
أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً)[28].
وغيرها من الآيات الكريمة.
اصطلاحاً: عُرِّفت بتعاريف عدة منها:
تعريف الشيخ المفيد قدس سره حيث قال: «العصمة من الله تعالى هي التوفيق
واللطف، والاعتصام من الحجج بها عن الذنوب والغلط في دين الله تعالى.
والعصمة تفضل من الله تعالى على من علم انه يتمسك بعصمته، والاعتصام
فعل المعتصم. وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطّرة
للمعصوم الى الحسن، ولا ملجئة له اليه، بل هي الشيء الذي يعلم الله
تعالى انه اذا فعله بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصيته له، وليس كل
الخلق يعلم هذا من حاله، بل المعلوم منهم ذلك هم الصفوة والأخيار»[29].
فنجد انه رحمه الله عرّفها بالتوفيق واللطف الالهي واجاب عن شبه الجبر
فيها.
وقد
عرًّفها الشيخ الطوسي بأنها: «المنع من الآفة، والمعصوم في الدين:
الممنوع باللطف من فعل القبيح، لا على وجه الحيلولة»[30].
وعرفها السيد المرتضى علم الهدى: «هي اللطف الذي يفعله الله تعالى
فيختار العبد عنده الامتناع عن فعل القبيح»[31].
وعرّفها بعض المعاصرين: «وجود امر في الانسان المعصوم يصونه عن الوقوع
في ما لا يجوز من الخطأ والعصمة»[32].
منشأ العصمة:
وبنظرة تحليلية الى بعض الآيات القرآنية الكريمة المتحدثة عن العصمة
نجد الجواب جليا واضحاً حيث انها جعلت الجهل والعناد سبب المعاصي
وارتكاب الذنوب قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا
أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الْمُفْسِدِينَ)[33]،
والجحود لا يصدق الا بعد التيقن والعلم واقامة الدليل ورغم ذلك نجد
العناد الذي اتصفوا به فكان سبب عصيانهم وعدم طاعتهم.
وقال تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا
يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ
إِلَيْهِنَ وَأَكُن مِنَ الْجَاهِلِينَ)[34]،
قال في كنز الدقائق: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عني) بالتثبت على العصمة، الى
ان قال (وَأَكُن مِنَ الْجَاهِلِينَ) من السفهاء بارتكاب ما يدعونني اليه فإن الحكيم لا يفعل القبيح، أو من الذين لا يعملون بما يعلمون
فانهم والجهل سواء[35].
فتلخص: ان سبب الصبو في الآية هو الجهل فمن يعصي الله فهو جاهل بحقيقة
ما فعل، قال في التقريب[36]:
«(وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) بالعصمة والحفظ، وقال:
(وَأَكُن مِنَ الْجَاهِلِينَ) يقال للعاصي جاهل وان كان عالما؛ لأنه لو
لم يجهل ـ حقيقةً ـ لم يعرض نفسه لعقاب الله تعالى».
وقال تعالى في خصوص يوسف الصدِّيق عليه السلام: (وَلَمَّا بَلَغَ
أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ)[37]،
وبعد ذلك حينما دعته امرأة العزيز «استعصم» قال تعالى:
(وَلَقَدْ
رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ)[38]،
بمعنى امتنع وكان سبب المنع ما تقدم من إتيانه العلم[39]،
ولذا قيل: «الأمر الذي تتحقق به العصمة نوع من العلم يمنع صاحبه عن
التلبُّس بالمعصية والخطأ وبعبارة اخرى: علم مانع من الضلال».[40]
اذا
فمنشأ العصمة هو العلم الرافع للجهل المسبِّب للمعصية. وكذا فالعلم
بحقيقة العمل مانع من ارتكابه فمن يعلم حقيقة الكذب وقبحه مثلا لا
يرتكبه وكذا من يعلم حقيقة الصدق وحسنه يتصف به، ومن يعلم ان السم قاتل
لا يتناوله وهكذا، فالمعصوم بما وهبه الله تعالى من علم يحيط بحقائق
الامور فيتنزه عن فعل كل قبيح ويتحلى بكل كمال.
هذا، ولكن ليس كل علم يورث العصمة بل العلم الملازم لليقين وكثير من
الآيات القرآنية المباركة تحدَّثت حول ذلك منها قوله تعالى:
(كَلاَّ
لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ
لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ)[41].
قال المحقق الطوسي: اليقين اعتقاد جازم مطابق ثابت لا يمكن زواله.
وقيل: إِنَّ اليقين هو وضوح الشيء وثبوته. ومن الروايات الشريفة يستفاد
انه أَعلى مراحل الإِيمان، وانه مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحقُّ
اليقين.
فالأول/ ويحصل للإنسان عند مشاهدته الدلائل المختلفة كمن يشاهد دخان
فيعلم يقيناً انه صادر من نار. والثاني وهو يحصل عندما يصل الانسان الى
مرحلة المشاهدة كمن يشاهد بعينه النار. والثالث وهو كمن يدخل النار
بنفسه فيحس بحرقها[42].
فهل
مَن عَلَمَ يقيناً يمكن التصور بحقِّه المخالفة والعصيان؟
يحتمل الامران: قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا
أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الْمُفْسِدِينَ)[43].
قال في التبيان: «المعنى أَنَّهم عرفوها وعلموها بقلوبهم لكنَّهم
جحدوا بها بألسنتهم طلبا للعلو والتكبر، ففي ذلك دلالة على كونهم
معاندين؛ إِذ جحدوا ما عرفوا»[44].
أَمَّا مَن يصل الى درجة المشاهدة أي حق اليقين او عين اليقين فهل يمكن
تصور العصيان والمخالفة في حقه؟
لا
بدَّ لنا من الاطلاع على الآيات القرآنية لترسم لنا صورة كاملة عن
اليقين؛ كي نعرف الجواب.
اليقين وفق المنظور القرآني:
القرآن العظيم بيَّن لنا منشأ اليقين هو رؤية حقائق الاشياء لا ظواهرها
قال تعالى: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)[45].
الملكوت: هو الملك بمعنى السلطنة والحكم[46]،
قال تعالى: (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ
وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)[47]،
والرؤيا هنا قلبية ملكوتية وليست بصرية.
قال
في التقريب: «المراد بملكوت كل شيء ملكه وجميع شؤونه فإن هذه الشؤون
التي تتغير في هذا العالم لابدَّ وأَن يكون لها مالك ومتصرف»[48].
فتلخص: إِنَّ ابراهيم الخليل عليه السلام رأى سلطنة الله تعالى على
جميع الأشياء بمعنى انه رأى حقيقة ارتباط المخلوقات جميعاً بالله تعالى
وقيومته عليها فكان ذلك منشأ يقينه.
و«اليقين هو العلم الذي لا يشوبه شكٌّ بوجه من الوجوه، ولعلَّ المراد
أَن يكون ـ أي ابراهيم عليه السلام ـ على يقين بآيات الله تعالى على
حدِّ ما في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ
بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)[49].
وقد ذكر في كلامه تعالى من خواصِّ العلم اليقيني بآياته تعالى انكشاف
ما وراء ستر الحس من حقائق الكون على ما يشاء الله تعالى»[50].
فاتضح: أَنَّ رؤية الملكوت مورِّثة لليقين الذي لا يشوبه الشكُّ
أَبداً، وهو بدوره لا ينفكُّ عن مشاهدة الملكوت، وبالتالي من يصل الى
درجة المشاهدة لا يمكن تصور المخالفة في حقه.
وكذا من وصل الى حقِّ اليقين، ولتقريب الصورة اكثر: «الإنسان قد يؤمن
بوجود النار، ولكنَّه قد يؤمن بوجود الحرارة لها وقد لا يؤمن بذلك؛
لأنَّ الإِيمان كان حصولياً، أَمَّا إِذا وضع يده على النار فلا يسعه
أَن ينكر حرارتها وأثرها وأحراقها.
ورؤية الملكوت من قبيل القسم الثاني، لأنَّ من وقف على ملكوت السماوات
والأرض ومن وقف على باطنهما وغيبهما لا مجال له ان ينكر؛ لأنَّ الاثر
حينئذٍ لا ينفك عن المؤثِّر، فهو من سنخ علم لا ينفك عن الأثر المترتب
عليه»[51].
إذاً فهذا العلم الذي لا ينفكُّ عن مؤثِّره هو العلم الحضوري الحاصل عن
طريق مشاهدة حقائق الأَشياء وارتباطها بالله تعالى المالك لكل شيءٍ وهو
طريق اليقين.
فالعصمة إِذاً في حقيقتها: العلم بحقائق الأَشياء جميعاً ـ أي ملكوتها
ـ والاطلاع على سرِّ ارتباطها بالله تعالى.
وعليه: المعصوم لا يعزب عنه شيءٌ؛ بما أراه الله تعالى وأقدره،
فالحقائق حاضرةٌ عنده وهو محيطٌ بها، وإلا لا يكون معصوماً، وتتصور فيه
المخالفة والعصيان.
فوجب اذا البحث عن أدلة عصمة المولى علي الأكبر عليه السلام لنتمكَّن
من اثبات شهادته على أَعمال جميع العباد، بل أَفعال الخلائق؛ لأنَّها
من الملكوت المورِّث لليقين المشترط في العصمة.
أدلة عصمة سيد علي الاكبر عليه السلام:
ممَّا يمكن الاستناد إِليه في عصمة المولى علي الاكبر عليه السلام عدة
امور منها:
اولاً/ ورود النصِّ عليه بأنه من أَهل البيت عليهم السلام الذين اذهب
الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، كما في زيارته عليه السلام المطلقة حيث
ورد: «... كما منَّ عليك من قبل، وجعلك من أَهل البيت الذين أذهب عنهم
الرجس وطهرهم تطهيرا..».[52]
ثانياً/ الصفات النبيلة العالية التي اتَّصف بها سلام عليه كالزكي،
والطاهر، والمقرّب، والسيد المقدِّم، توجب العصمة له.
ثالثاً/ شهادة الامام الحسين عليه السلام بحقِّه حيث ذُكِرَ في الأثر
الشريف انه سلام الله عليه حينما برز سيدنا ومولانا علي الاكبر الى
المعركة وتقدَّم الى الميدان نظر اليه نظر آيس منه، وبكى ورفع شيبته
الى السماء وقال: «اللهم اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز اليهم غلامٌ
أشبه الناس خَلقاً وخُلقا ومنطقاً برسولك»[53].
ومن الواضح ان قوله عليه السلام: «أشبه» بصيغة افعل التفضيل بمعنى انه
اقرب الناس الى رسول الله صلى الله عليه وآله اتصافاً بصفاته الخلقية
والخُلقية وهذا يستو جب العصمة.
رابعاً/ نصت الزيارات التي ذُكرت آنفا بعبارة لا يخاطب بها الا
المعصوم: «وأرحم ذلّي وخضوعي لك وللسيد أَبيك»[54].
ولنختم البحث بأبيات المحقِّق الجهبذ الشيخ محمد حسين الاصفهاني[55]
قدس سره:
تَمَثلَ النَبِيُ فِي سَلِيلِهِ[56]****فِي خَلقهِ وَخُلْقِهِ وقِيلِهِ
كَمَا تَجَلَى اللهُ فِي نَبيِهِ******فَقد تَجلَى هو فِي وَلِيهِ
وَقَد تَجَلَى قَلَمُ الأَقلامِ***فِي لُوحِ سِرِ الوَحِي
وَالإلهَامِ
فِيهِ تَجَلَى مُحْكمُ التَنْزِيلِ****كَمَا تَجَلَى بَاطِنُ
التَأوِيلِ
وَكَيفَ وَهوَ صِفَةُ الوِلَايَةِ*****وَنُخْبَةُ المَبْعُوثِ بِالهِدَايَةِ
شَمَائِلُ النِبِيِ فِي شَمَائِلِه***وَصَولَةُ الوَصِّي مِنْ
فَضَائِلِه
هوَ
الوَصيُّ فِي عِلُوِ هِمتَهِ******وَفِي إبَائِهِ وَفِي فِتًّوَتِهِ
كُلُّ جَمِيلٍ هوَ فِي جَمَالِهِ*****وَكُّلُ عِزٍّ هوَ مِنْ
جَلالِهِ
والحمد لله ربِّ العالمين.