عرَّف قانون الخدمة المدنية [العراقي] النافذ الموظف العام: «كلُّ شخصٍ
عهدت إِليه وظيفة دَّائمة دَّاخلة في الملاك الدائم»[1].
ابتداءً اقول: لا أهدف الى مناقشة التعريف لبيان مفهوم الموظَّف
العامِّ، بل الغاية بيان أنَّ الإسلام كمنظومة قانونية تشريعية نظَّم
عمل الموظف العامِّ بتشريعات وتوجيهات لا اريد أيضا الوقوف عندها
وبحثها مفصلاً، بل الغاية تسليط الضوء على جانب تشريعي واخلاقي مهم
منطلقاً في ذلك من كلمات الإمام الصادق عليه السلام، فالإسلام تميَّز
بوسع نظرته لميادين الحياة كافَّة فلا تخلو واقعة إلَّا ولله سبحانه
فيها حكم، فشريعته قانون للحياة وضمان للآخرة، إن اتبعها المجتمع فلح
وتطور ونمى وترفَّه، وإِن هجرها وتركها ـ كما هو الغالب في العصر
الراهن ـ تخلف وتهاوى وعاش في ظنك العيش قال تعالى:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ
مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)[2].
الجانب التنظيمي أو الإداري من الجوانب المهمَّة التي أولاها الإسلام
وقادته المعصومون ـ سلام الله عليهم ـ اهتماماً خاصَّاً، ولا أَرغب في
استقصاء التشريعات الإسلامية وقوانينها في هذا الصدد؛ لأنَّه سيطول بنا
المقام، بل أَحببت الوقوف ـ بوجازة شديدة ـ حول الصفات الواجب أن يتحلى
بها المكلف بخدمة عامّة تاركاً بحث القوانين والتشريعات الإسلامية
للباحثين والمختصين، لذا سأقف فقط عند رسالة الإمام الصادق عليه السلام
التي وجَّهها الى أحد أصحابه الإجلاء، وهو عبد الله النجاشي[3]،
فقد روي في البحار والوسائل[4]
ورَوَى الشَّهِيدُ الثَّانِي الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ فِي رِسَالَةِ
الْغِيبَةِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الشَّيْخِ الطُّوسِيِّ عَنِ الْمُفِيدِ
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى
عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيِّ قَالَ: كُنتُ عِندَ جَعفَرِ
بنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ عليه السلام فَإِذا بِمَولىً لِعَبدِ اللّهِ
النَّجاشِيِّ قَد وَرَدَ عَلَيهِ، فَسَلَّمَ وأوصَلَ إلَيهِ كِتابَهُ،
فَفَضَّهُ وقَرَأَهُ، فَإِذا أوَّلُ سَطرٍ فيهِ:
بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
أطالَ اللّهُ بَقاءَ سَيِّدي وجَعَلَني مِن كُلِّ سوءٍ فِداءَهُ، ولا
أراني فيهِ مَكروها؛ فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذلِكَ وَالقادِرُ عَلَيهِ.
اِعلَم سَيِّدي ومَولايَ أنّي بُليتُ بِوِلايَةِ الأَهوازِ، فَإِن رَأى
سَيِّدي أن يَحُدَّ لي حَدّا أو يُمَثِّلَ لي مَثَلاً لاِءَستَدِلَّ
بِهِ عَلى ما يُقَرِّبُني إلَى اللّهِ وإلى رَسولِهِ، ويُلَخِّصَ في
كِتابِهِ ما يَرى لِيَ العَمَلَ بِهِ . . . وأينَ أضَعُ زَكاتي وفي مَن
أصرِفُها، وبِمَن آنَسُ وإلى مَن أستَريحُ، وبِمَن أثِقُ وآمَنُ
وألجَأُ إلَيهِ في سِرّي ، فَعَسى أن يُخَلِّصَنِي اللّهُ بِهِدايَتِكَ
ودَلالَتِكَ، فَإِنَّكَ حُجَّةُ اللّهِ عَلى خَلقِهِ وأمينُهُ في
بِلادِهِ، ولا زالَت نِعمَتُهُ عَلَيكَ.
فَأَجابَهُ أبو عَبدِ اللّهِ عليه السلام :
بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، جامَلَكَ اللّهُ بِصُنعِهِ، ولَطَفَ
بِكَ بِمَنِّهِ، وكَلاكَ بِرِعايَتِهِ فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذلِكَ.
أمّا بَعدُ:
فَقَدْ جَاءَنِي رَسُولُكَ بِكِتابِكَ،
فَقَرَأتُهُ وَفَهِمتُ جَمِيعَ مَا ذَكَرْتَ وَسَأَلْتَ عَنهُ،
وَزَعَمتَ أَنَّكَ بُلِيتَ بِوَلايَةِ الأَهوَازِ، فَسَرْنِي ذَلِكَ
وَسَاءَنِي، وَسَأُخبِرُكَ بِمَا سَاءَنِي مِن ذَلِكَ، وَمَا سَّرنِي
إن شَاءَ اللهُ...».
تنويه: الرسالة طويلة سنذكر بعض فقرات ضمن هذا المقال.
اهمُّ مَا يُمكِنُ الاستفادة منهُ في الرِّسالَةِ:
الإمام الصادق عليه السلام يفصح لنا عن أهم الصفات في المتولي للخدمة
العامَّة، فعند التأمُّل بين سطور تلك الرسالة الشريفة نجد الأمر مرتكز
وفق المحاور التالية:
1ـ
سرور الإمام عليه السلام لتسلّم أَحد أَصحابه ولاية الأهواز معللاً
صلوات الله عليه ذلك بقوله: «عَسىَ أَن يَغِيثَ
اللهُ بِكَ مَلهُوفاً خَائِفاً مِنْ آل مُحَمَّدٍ، وَيُعِزُّ بِكَ
ذَلِيلَهُم، وَيَكسُو بِكَ عَارِيَهُم، وَيُقَوِّي بِكَ ضَعِيفَهُم،
وَيُطفِئُ بِكَ نَارَ المُخَالِفِينَ عَنْهُم».
فاتَّضح ان المؤمن المتصدي لوظيفة عامّة ـ إن كان مؤمناً ـ فإنَّ
بوظيفته تتحقق الأُمور التالية:
أ ـ
نصرة آل محمد فعن طريقه يمكن إغاثة المهموم والخائف منهم، وبالتالي
نصرة الدين وأتباعه اجمع.
ب ـ
ان في ولاية المؤمن عزُّ المؤمنين، ورفعت شأنهم.
ج ـ
ارتفاع المستوى الاقتصادي للذين هم في ولايته وتحت مسؤوليته؛ لأَنَّ
المؤمن المتفقه في دينه المتدين حقاً لا يقبل ولاية أو منصب إداري وهو
جاهل به، بل لابدَّ وأَن يكون خبيراً بالأمور الاقتصادية كون هدفه
إحقاق العدل والمساواة بين الناس، لا لأجل مصالح وكاسب مادية شخصية
ومناصب دنيوية.
د ـ
يترتب على ولاية المؤمن وعدالته قوة الضعيف وإحلال الأمن والسلام وقد
تمثلت هذه الميزة بقوله عليه السلام: «وَيُقَوِّي
بِكَ ضَعِيفَهُم».
فالمؤمن الحق لا تأخذه في الحقِّ لومة لائم فينصف المظلوم من الظالم
والضعيف من القوي، وبالتالي تلاشي المظالم واختفاء السلبيات
الاجتماعية.
و ـ
إضعاف أعداء أهل البيت عليهم السلام والمؤمنين، فبالتأكيد لو أَنَّهم
استلموا السلطة فسيجعلون الأموال دُّولة بينهم يتقون به لأضعاف جبهة
المؤمنين، كي يضمنوا عدم المنافسة، وعدم وجود من يقوى على فضحهم، ورفع
ودفع الظلم عن المؤمنين.
2ـ
حزن الإمام عليه السلام لتبوء النجاشي ولاية الأهواز وقد علَّل عليه
السلام ذلك الحزن بقوله: «فَإِنَّ أدنَى مَا
أَخافُ عَلِيكَ أَن تَعثَرَ بِوَلِيٍّ لَنَا، فَلا تَشِمُّ حَظِيرَةُ
القُدسِ».
العِثَارٌ ـ كمات في قواميس اللغة ـ الزلل والانكباب، وقد أَنشد ابن
الأَعرابي: فخرجْتُ أُعْثَرُ في مَقادِم جَبَّتِي *** لولا الحَياءُ
أَطَرْتُها إِحْضارا
ومتعلق الفعل «تَعثَر» الوارد في كلام إمامنا الصادق عليه السلام هو
«ولي لنا»، أي أحد المؤمنين، والإمام عليه السلام اطلق الكلام ولم يبين
مقدار هذا الأمر وحجمه وبذلك ينطبق على أدنى مصداق له ولو كان بكلمة
تسوء المؤمن فضلاً عن الإضرار به مهما كان حجم الضرر، ومن هنا فالواجب
على من يستلم أي منصب إداري أَن لا يظلم أَحداً، سيَّما من المؤمنين،
فيخسر بذلك رضى الله سبحانه ويبتعد عن حضرته القدسيَّة. وهي مسؤولية
عظيمة قلَّ من يستطيع تحملها، وان يخرج منها بسلام.
طُرُقُ الخَلاصِ مِن
عَظمِ المَسؤُولِيَّةِ:
الإمام الصادق عليه السلام بيِّن سبل النجاة للموظف الذي يرمي الخلاص،
وذلك بقوله عليه السلام في نفس رسالته للنجاشي:
«وَاعلَمْ أَنِّي سَأُشِيرُ عَلِيكَ بِرأيِي، وَإن أَنتَ عَمِلتَ بِهِ
تَخَلَّصْتَ مِمَّا أَنتَ مُتَخُوِّفَهُ. وَاعلَمْ أَنَّ خَلاصَكَ
مِمَّا بِكَ مِنْ حَقنِ الدِّمَاءِ، وَكَفِّ الأَذَى عَنْ أَولِياءِ
اللهِ، وَالرِّفقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَالتَأَنِّي وَحُسْنِ
المُعَاشَرَةِ مَعَ لِينٍ فِي غَيرِ ضَعفٍ، وَشدَّةٍ فِي غَيرِ عُنفٍ،
وَمُدَارَاةِ صَاحِبكَ، وَمَن يَرِدُ عَلِيكَ مِن رُسُلِهِ، وَارتَقِ
فَتقَ رَعِيتِكَ بِأَن تُوقِفَهُم عَلَى مَا وَافَقَ الحَقِّ وَالعَدلِ
إِن شَاءَ اللهُ».
والرسالة طويلة فيها الكثيرة من التعاليم لا استطيع ايرادها كلها لذا
اخترت فقرات منها.
الموظف العام وكنز
الأموال:
هل
الوظيفة العامة وسيلة للتكسب الكثير بحيث يصبح الموظف عبرها ثري، يعتقد
البعض من اهل الدنيا ذلك ولكن الحق ما يقوله الإمام عليه السلام حيث
قال:
«يَا أَبَا عَبدِ اللهِ، إِجهَد[5]
أَن لا تكنز ذهباً وَفِضَّةً فَتَكُونَ مِن
أَهلِ هَذِهِ الآية: (وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ
اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[6].
وَلَا تَستَصغِرَّنَ مِن حَلوٍ، وَلا مِن فَضلِ طَعَامٍ تَصرِفَهُ فِي
بُطُونٍ خَالِيةٍ؛ لِتَسْكنَ بِهَا غَضَبَ الرَّبِ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى».
مغريات الوظيفة في
دنيا زائلة:
لا
شكَّ أنَّ الوظائف العامَّة تتيح لمتسنِّمها الفرص كي يستولي على
الأموال، وبذلك يكثر الفساد والفقر، يفسد في الأرض ولا يصلح، فيأخذ ما
يعرف اليوم بـ«الرشوة»، كي يؤدي عمله الذي كلف به من خدمة المواطنين
وهذه الظاهرة متفشيَّة بنطاق واسع اليوم بين الموظفين في العراق وغيره
من سائر الدول، فضلاً عن عوامل الفساد الإداري الأخرى من الاستيلاء على
الأموال على حساب المشاريع وجودتها وما يتعلق بها من أمور معروفة.
يبرر الكثير من الموظفين ذلك بأعذار واهية فيأكلون الأموال اكلاً
لمَّا، والأسباب لذلك عديدة في مقدِّمتها الفقر الأخلاقي وعدم الاقتداء
العملي بقادة الإسلام وأئمة الهدى عليهم السلام الواجب الاقتداء بهم،
ولذا نبَّه الإمام الصادق عليه السلام الى أهمية الزهد للمكلف بخدمة
عامّة وبين ذلك في رسالته للنجاشي حيث قال سلام الله عليه:
«وسَاُنَبِّئُكَ بِهَوانِ الدُّنيا وهَوانِ
شَرَفِها عَلى مَن مَضى مِنَ السَّلَفِ وَالتّابِعينَ، فَقَد حَدَّثَني
مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ عليهم السلام قالَ: لَمّا
تَجَهَّزَ الحُسَينُ عليه السلام إلَى الكوفَةِ أتاهُ ابنُ عَبّاسٍ،
فَناشَدَهُ اللّهَ وَالرَّحِمَ أن يَكونَ هُوَ المَقتولَ بِالطَّفِّ.
فَقالَ : أنَا أعرَفُ بِمَصرَعي مِنكَ، وما وُكدي مِنَ الدُّنيا إلاّ
فِراقَها، ألا اُخبِرُكَ يَابنَ عَبّاسٍ بِحَديثِ أميرِ المُؤمنينَ
عليه السلام وَالدُّنيا؟
فَقالَ لَهُ: بَلى لَعَمري، إنّي
لاَحِبُّ أن تُحَدِّثَني بِأَمرِه .
فَقالَ أبي: قالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ
عليه السلام: سَمِعتُ أبا عَبدِ اللّهِ عليه السلام يَقولُ: حَدَّثَني
أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام قالَ: إنّي كُنتُ بِفَدَكَ في بَعضِ
حيطانِها وقَد صارَت لِفاطِمَةَ عليها السلام، قالَ: فَإِذا أنَا
بِامرَأَةٍ قَد هَجَمَت عَلَيَّ، وفي يَدي مِسحاةٌ وأنَا أعمَلُ بِها،
فَلَمّا نَظَرتُ إلَيها طارَ قَلبي مِمّا تَداخَلَني مِن جَمالِها،
فَشَبَّهتُها بِبُثَينَةَ بِنتِ عامِرٍ الجُمَحِيِّ، وكانَت مِن أجمَلِ
نِساءِ قُرَيشٍ، فَقالَت: يَابنَ أبي طالِبٍ، هَل لَكَ أن تَتَزَوَّجَ
بي فَاُغنِيَكَ عَن هذِهِ المِسحاةِ، وأدُلَّكَ عَلى خَزائِنِ الأَرضِ
فَيَكونَ لَكَ المُلكُ ما بَقيتَ ولِعَقِبِكَ مِن بَعدِكَ؟ فَقالَ
لَها: مَن أنتِ حَتّى أخطُبَكِ مِن أهلِكِ؟ فَقالَت: أنَا الدُّنيا.
قالَ لَها: فَارجِعي وَاطلُبي زَوجا
غَيري فَلَستِ مِن شَأني. وأقبَلتُ عَلى مِسحاتي، وأنشَأتُ أقولُ:
لَقَد خابَ مَن غَرَّتهُ دُنيا
دَنِيَّةٌ *** وما هِيَ إن غَرَّت قُروناً بِنائِلِ
أتَتنا عَلى زِيِّ العَزيزِ بُثَينَةُ *** وزينَتُها في مِثلِ تِلكَ
الشَّمائِلِ
فَقُلتُ لَها غُرّي سِوايَ فَإِنَّني *** عَزوفٌ عَنِ الدُّنيا فَلَستُ
بِجاهِلِ
وما أنَا وَالدُّنيا فَإِنَّ مُحَمَّدا *** أحَلَّ صَريعا بَينَ تِلكَ
الجَنادِلِ
وهَبها أتَتنا بِالكُنوزِ ودُرِّها ***
وأموالِ قارونَ ومُلكِ القَبائِلِ
ألَيسَ جَميعا لِلفَناءِ مَصيرُها *** ويَطلُبُ مِن خُزّانِها
بِالطَّوائِلِ
فَغُرّي سِوايَ إنَّني غَيرُ راغِبٍ *** بِما فيكِ مِن مُلكٍ وعِزٍّ
ونائِلِ
فَقَد قَنِعَت نَفسي بِما قَد رُزِقتُهُ *** فَشَأنَكِ يا دُنيا وأهلَ
الغَوائِلِ
فَإِنّي أخافُ اللّهَ يَومَ لِقائِهِ وأخشى *** عَذاباً دائِماً غَيرَ
زائِلِ
فَخَرَجَ مِنَ الدُّنيا ولَيسَ في عُنُقِهِ
تَبِعَةٌ لاِءَحَدٍ حَتّى لَقِيَ اللّهَ مَحمودا غَيرَ مَلومٍ ولا
مَذمومٍ، ثُمَّ اقتَدَت بِهِ الأَئِمَّةُ مِن بَعدِهِ بِما قَد
بَلَغَكُم؛ لَم يَتَلَطَّخوا بِشَيءٍ مِن بَوائِقِها، صَلَواتُ اللّهِ
عَلَيهِم أجمَعينَ وأحسَنَ مَثواهُم».
بعد
ذلك قال الإمام عليه السلام: «وَقَدْ وَجَّهتُ
إِليكَ بِمَكَارِمِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ عَنِ الصَادِقِ المُصَدَّقِ
رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه واله ـ، فَإِن أَنتَ عَمَلتَ بِمَا
نَصِحْتُ لَكَ فِي كِتَابِي هَذا ثُمَّ كَانَت عَلِيكَ مِنَ الذِّنُوبِ
وَالخَطايَا كَمِثْلِ أَوزَانِ الجِبالِ وَأَموَاجِ البِحَارِ، رَجَوتُ
اللهَ أَن يُجَافِى عَنكَ جَلَّ وَعَزَّ بِقُدرَتِهِ».
تحذيرات الإمام عليه
السلام للموظَّف العامِّ:
بعد
ذلك حذَّر الإمام الصادق عليه السلام النجاشي فقال:
«يَا عَبدَ اللهِ، إيَاكَ أَن تُخِيفَ مُؤمِناً،
فَإنَّ أَبي مُحَمَّداً بِن عَلَي حَدَّثَنِي، عَن أبِيهِ، عَن جَدِّهِ
عَلِيٍ أبنَ أَبِي طَالِبٍ عَلِيهِ السَّلامُ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
مَن نَظَرَ إِلَى مُؤمِنٍ نَظرَةً؛ لِيَخِيفَهُ بِهَا أَخَافَهُ اللهُ
يَومَ لَا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ، وَحَشَرَهُ فِي صُورَةِ الذَّرِ لَحمَهُ
وَجَسَدَهُ وَجَمِيعَ أَعْضَائِهِ حَتَّى يُورِدَ مُورِدَهُ.
وَحَدَّثَنِي أَبِي
عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ ـ عليه السلام ـ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله
عليه واله قَالَ: مَنْ أَغَاثَ لَهْفَاناً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَغَاثَهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وَآمَنَهُ يَوْمَ
الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَآمَنَهُ مِنْ سُوءِ الْمُنْقَلَبِ، وَمَنْ
قَضَى لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ حَاجَةً قَضَى اللَّهُ لَهُ حَوَائِجَ
كَثِيرَةً مِنْ إِحْدَاهَا الْجَنَّةُ، وَمَنْ كَسَا أَخَاهُ
الْمُؤْمِنَ مِنْ عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ سُنْدُسِ الْجَنَّةِ،
وَإِسْتَبْرَقِهَا وَحَرِيرِهَا، وَلَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي رِضْوَانِ
اللَّهِ، مَا دَامَ عَلَى الْمَكْسُوِّ مِنْهُ سِلْكٌ، وَمَنْ أَطْعَمَ
أَخَاهُ مِنْ جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ طَيِّبَاتِ الْجَنَّةِ،
وَمَنْ سَقَاهُ مِنْ ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ
الْمَخْتُومِ رَيَّهُ، وَمَنْ أَخْدَمَ أَخَاهُ، أَخْدَمَهُ اللَّهُ
مِنَ الْوِلْدَانِ الْمُخَلَّدِينَ، وَأَسْكَنَهُ مَعَ أَوْلِيَائِهِ
الطَّاهِرِينَ، وَمَنْ حَمَلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ رُجْلَةٍ
حَمَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ نُوقِ الْجَنَّةِ، وَبَاهَى بِهِ
الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ زَوَّجَ
أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ امْرَأَةً يَأْنَسُ بِهَا وَتَشُدُّ عَضُدَهُ
وَيَسْتَرِيحُ إِلَيْهَا زَوَّجَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ
وَآنَسَهُ بِمَنْ أَحَبَّهُ مِنَ الصِّدِّيقِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ
نَبِيِّهِ وَإِخْوَانِهِ وَآنَسَهُمْ بِهِ، وَمَنْ أَعَانَ أَخَاهُ
الْمُؤْمِنَ عَلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ، أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى
إِجَازَةِ الصِّرَاطِ عِنْدَ زَلَّةِ الْأَقْدَامِ، وَمَنْ زَارَ
أَخَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ لَا لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِ كُتِبَ مِنْ
زُوَّارِ اللَّهِ، وَ كَانَ حَقِيقاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ
زَائِرَهُ.
يَا عَبْدَ اللَّهِ وَحَدَّثَنِي أَبِي
عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ
اللَّهِ صلى الله عليه واله يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ يَوْماً: مَعَاشِرَ
النَّاسِ إِنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ
يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ، فَلَا تَتَبَّعُوا عَثَرَاتِ الْمُؤْمِنِينَ
فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَثْرَةَ مُؤْمِنٍ اتَّبَّعَ اللَّهُ
عَثَرَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفَضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ.
وَحَدَّثَنِي أَبِي
عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ أَخَذَ اللَّهُ
مِيثَاقَ الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يُصَدَّقَ فِي مَقَالَتِهِ، وَلَا
يُنْتَصَفَ مِنْ عَدُوِّهِ، وَعَلَى أَنْ لَا يَشْفِيَ غَيْظَهُ إِلَّا
بِفَضِيحَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُلْجَمٌ، وَذَلِكَ
لِغَايَةٍ قَصِيرَةٍ، وَرَاحَةٍ طَوِيلَةٍ، وَأَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ
الْمُؤْمِنِ عَلَى أَشْيَاءَ أَيْسَرُهَا عَلَيْهِ مُؤْمِنٌ مِثْلُهُ
يَقُولُ بِمَقَالَتِهِ يَبْغِيهِ وَيَحْسُدُهُ وَالشَّيْطَانُ
يُغْوِيهِ وَيُضِلُّهُ، وَالسُّلْطَانُ يَقْفُو أَثَرَهُ وَيَتَّبَّعُ
عَثَرَاتِهِ، وَكَافِرٌ بِاللَّهِ الَّذِي هُوَ مُؤْمِنٌ بِهِ يَرَى
سَفْكَ دَمِهِ دِيناً، وَإِبَاحَةَ حَرِيمِهِ غُنْماً، فَمَا بَقَاءُ
الْمُؤْمِنِ بَعْدَ هَذَا.
يَا عَبْدَ اللَّهِ
وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام عَنِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه واله قَالَ: نَزَلَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ عليه
السلام فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ
السَّلَامَ وَيَقُولُ اشْتَقَقْتُ لِلْمُؤْمِنِ اسْماً مِنْ أَسْمَائِي
سَمَّيْتُهُ مُؤْمِناً، فَالْمُؤْمِنُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، مَنِ
اسْتَهَانَ مُؤْمِناً فَقَدِ اسْتَقْبَلَنِي بِالْمُحَارَبَةِ.
يَا عَبْدَ اللَّهِ
وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام عَنِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه واله قَالَ يَوْماً: يَا عَلِيُّ لَا
تُنَاظِرْ رَجُلًا حَتَّى تَنْظُرَ فِي سَرِيرَتِهِ فَإِنْ كَانَتْ
سَرِيرَتُهُ حَسَنَةً فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَكُنْ
لِيَخْذُلَ وَلِيَّهُ فَإِنْ تَكُنْ سَرِيرَتُهُ رَدِيَّةً فَقَدْ
يَكْفِيهِ مَسَاوِيهِ، فَلَوْ جَهَدْتَ أَنْ تَعْمَلَ بِهِ أَكْثَرَ
مِمَّا عَمِلَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا قَدَرْتَ
عَلَيْهِ.
يَا عَبْدَ اللَّهِ
وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام عَنِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه واله أَنَّهُ قَالَ: أَدْنَى الْكُفْرِ أَنْ
يَسْمَعَ الرَّجُلُ مِنْ أَخِيهِ الْكَلِمَةَ فَيَحْفَظَهَا عَلَيْهِ
يُرِيدُ أَنْ يَفْضَحَهُ بِهَا أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ.
- يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ
آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ فِي
مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْ عَيْنَاهُ وَسَمِعَتْ أُذُنَاهُ مَا يَشِينُهُ
وَيَهْدِمُ مُرُوءَتَهُ، فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ
جَلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ
تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ).
يَا عَبْدَ اللَّهِ
وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَنْ رَوَى
عَنْ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ رِوَايَةً يُرِيدُ بِهَا هَدْمَ مُرُوءَتِهِ
وَثَلْبَهُ أَوْبَقَهُ اللَّهُ بِخَطِيئَتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ
بِمَخْرَجٍ مِمَّا قَالَ وَلَنْ يَأْتِيَ بِالْمَخْرَجِ مِنْهُ
أَبَداً، وَمَنْ أَدْخَلَ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ سُرُوراً فَقَدْ
أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ سُرُوراً، وَمَنْ أَدْخَلَ عَلَى
أَهْلِ الْبَيْتِ سُرُوراً فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى
الله عليه واله سُرُوراً، وَمَنْ أَدْخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى
الله عليه واله سُرُوراً فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ وَ مَنْ سَرَّ اللَّهَ
فَحَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ جَنَّتَهُ.
ثُمَّ إِنِّي
أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ وَالِاعْتِصَامِ
بِحَبْلِهِ فَإِنَّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِحَبْلِ اللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُؤْثِرْ أَحَداً
عَلَى رِضَاهُ وَ هَوَاهُ فَإِنَّهُ وَصِيَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ
إِلَى خَلْقِهِ لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرَهَا وَلَا يُعَظِّمُ
سِوَاهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلَائِقَ لَمْ يُوَكَّلُوا
بِشَيْءٍ أَعْظَمَ مِنَ التَّقْوَى فَإِنَّهُ وَصِيَّتُنَا أَهْلَ
الْبَيْتِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَنَالَ مِنَ الدُّنْيَا
شَيْئاً تُسْأَلُ عَنْهُ غَداً فَافْعَلْ».
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ
الصَّادِقِ إِلَى النَّجَاشِيِّ نَظَرَ فِيهِ وَ قَالَ صَدَقَ
وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَوْلَايَ فَمَا عَمِلَ
أَحَدٌ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا نَجَا فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ
اللَّهِ يَعْمَلُ بِهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ.
والحمد لله ربِّ العالمين.