نافع بن هلال الجملي علم وفطنة وكياسة وبطولة نادرة

 الشيخ عدي طالب آل حمود

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ، وَسَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ، وَدَلِيلاً عَلَى‏ آلَائِهِ وَعَظَمَتِهِ، اللهم اِجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ، وَنَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ، عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وعلى آله المعصومين الأطهار.

قال البطل الجملي مخاطباً سيد الشهداء عليه السلام: «... فمَن نَكَث عهدَه وخلَعَ بيعتَه، فلن يَضُرّ إلاّ نَفْسَه، واللهُ مُغْنٍ عنه.. فسِرْ بنا راشداً مُعافىً، مُشَرِّقاً إنْ شئتَ أو مُغَرِّباً، فَوَاللهِ ما أشفَقْنا مِن قَدَرِ الله ولا كَرِهْنا لقاءَ ربّنا، وإنّا على نيّاتِنا وبَصائرنا، نُوالي مَن والاك، ونُعادي مَن عاداك».[1]

الاسم والنسب:

نافع بن هلال بن نافع بن جمل بن سعد العشيرة بن مذحج المذحجي الجملي[2]. ومن رجال قبيلة جمل المذحجية ذات الاصول اليمانية.

ذكرته المصادر التاريخية تحت عنوان الجملي مرة، والبجلي أخرى, أو المرادي, أوالبجلي المرادي.

ونافع اسم فاعل من نفَعَ يَنفَع، نَفْعًا، فهو نافِع، ومن أَسماء الله تعالى النافِعُ: هو الذي يُوَصِّلُ النفْعَ إِلى مَن يشاء من خلْقه.[3] 

 

النشأة والتربية:

نافع بن هلال احد خريجي مدرسة أمير المؤمنين عليه السلام، وقد نصّ الفاضل الدربندي في أسرار الشهادات على ذلك قائلاً: «فبرز من بعده هلال بن نافع البجلي، وكان قد ربّاه علي أمير المؤمنين عليه السلام ...».[4]

 فنشأ مقداماً باسلاً، وقد أعطته الحياة الصعبة التي عاشها والحروب التي خاضها خبرة كبيرة، حيث كانت له مشاركة فاعلة في حروب امير المؤمنين عليه السلام الثلاث ـ الجمل وصفين والنهروان ـ قال الشيخ الشاهرودي في المستدرك: «كان سيداً شريفاً شجاعاً من حملة الحديث ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. وشهد حروبه الثلاثة. وخرج الى مولانا الحسين عليه السلام، وله قضايا في الطف ذكرناه في (زندكَاني حبيب)، واستشهد مع الحسين عليه السلام وتشرف بسلام الناحية المقدّسة».[5]

وقد تميز بصفات نبيلة سامية كالشجاعة والإقدام والصبر، والعلم حيث كان من قارئي القرآن وحاملي الحديث ولذا كان شخصية بارزة في الكوفة معروفة في اوساطها يشار اليها بالبنان، فكان بحق مثالاً يقتدى به من اصحاب الأئمة الطاهرين، ولسوف نسلط الضوء بوجازة وفق ما ذكره التاريخ عنه لنكشف من خلالها ابرز صفاته الكمالية.

 

وضوح الرؤية:

وضوح الرؤية عبر الاستقراء الصحيح للمجتمع والساحة السياسية، له الدور الأساس في تحقيق الهدف والوصول الى الغاية، والمجتمع الكوفي ذات النسيج المتنوع يومها كان متميز بتقلب المزاج والاندفاع بقوة نحو جهة معينة ثمّ ما يلبث ان ينقلب باندفاع كبير نحو هدف مغاير وجهة أخرى، لكنَّ هذا الأمر لا يشمل جمع أفراد المجتمع الكوفي لاسيما الطبقة المتأثرة بالمدرسة العلوية العظيمة بما تتضمن من مبادئ وعلوم ووضوح في الرؤية السياسية ومعرفة الأعداء.

نافع بن هلال البطل المغوار الباسل كان من هذه الطبقة والتي رأى بعض أفرادها ان الالتحاق بسيد الشهداء عليه السلام هو التصرف الحق والصحيح في هذه المرحلة لذا يرى البعض أنه رضوان الله عليه التحق بركب سيد الشهداء عليه السلام قبل قدوم مبعوث الإمام الحسين مسلم بن عقيل عليهم السلام الى الكوفة[6]، في حين يرى آخرون انه أحد اربعة التحقوا بالإمام الحسين عليه السلام في منطقة عذيب الهجانات[7]، في حين يرى آخرون انهم اكثر من ذلك وان عددهم ثمانية من ذوي البصائر والتربية الرسالية العالية تضامنوا وتعاقدوا بعد استشهاد مسلم عليه السلام على الانضمام الى الإمام الحسين عليه السلام موطّنين انفسهم على الاستشهاد في سبيل الله بين يدي الإمام الحسين عليه السلام، وهذا يعني انه رضوان الله عليه التحق بالإمام يوم ثمان وعشرين من شهر ذي الحجة الحرام  سنة 60 من الهجرية.

ونستطيع اكتشاف وضوح الرؤية والتشخيص الدقيق من قبل هذه النخبة الملتحقة من الكوفة بالركب الحسيني المقدس من خلال كلماتهم مع الإمام الحسين عليه السلام حيث قال مجمع بن عبد الله العائذي ـ وهو أحد الابطال الملتحقين بمعية نافع بن هلال من الكوفة بالإمام الحسين عليه السلام: «أَمَّا أَشْرَافُ النَّاسِ فَهُمْ إلب عَلَيْكَ، لِأَنَّهُمْ قَدْ عَظُمَتْ رِشْوَتُهُمْ وَمُلِئَتْ غَرَائِرُهُمْ، يستميل بذلك ودّهم ويستخلص به نصيحتهم، وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ فَأَفْئِدَتُهُمْ تَهْوَى إِلَيْكَ، وَسُيُوفُهُمْ غَدًا مَشْهُورَةٌ عَلَيْكَ».[8]

وأمّا نافع بن هلال فتقدّم بين يدي الإمام الحسين عليه السلام كما روى العلامة المجلسي في البحار: «فوثب الى الحسين عليه السلام رجلٌ من شيعته يقال له هلال بن نافع[9] البجلي فقال: أنت تعلم أنّ جَدَّك رسولَ الله لم يَقْدِر أن يُشرِبَ الناس مَحبّتَه، ولا أن يَرجِعوا إلى أمره ما أحَبّ، وقد كان منهم منافقون يَعِدونه بالنصر، ويُضمِرون له الغَدْر، يَلْقَونه بأحلى من العسل، ويُخلِفونه بأمَرَّ مِن الحَنظَل.. حتّى قَبَضَه الله إليه. وإنّ أباك عليّاً كان في مِثْل ذلك، فقَومٌ قد أجمعوا على نصره وقاتَلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين.. حتّى أتاه أجَلُه فمضى إلى رحمة الله.
وأنت اليومَ عندنا في مِثْل تلك الحالة، فمَن نَكَث عهدَه وخلَعَ بيعتَه، فلن يَضُرّ إلاّ نَفْسَه، واللهُ مُغْنٍ عنه.. فسِرْ بنا راشداً مُعافىً، مُشَرِّقاً إنْ شئتَ أو مُغَرِّباً، فَوَاللهِ ما أشفَقْنا مِن قَدَرِ الله ولا كَرِهْنا لقاءَ ربّنا، وإنّا على نيّاتِنا وبَصائرنا، نُوالي مَن والاك، ونُعادي مَن عاداك»
.[10]

فنلاحظ التشخيص الدقيق لهذا البطل الباسل لاسيما قوله رضوان الله عليه: «لم يقدر ان يشرب الناس محبته» فهو يرى ان الخلل في قصور الناس عن ادراك عظمة الرسول وأهل بيته صلى الله عليه واله وانهم لم يدركوا المغزى والاهداف من البعثة، وان الالتفات الى هؤلاء معناه التقهقر والانهزام والابتعاد عن المنهج الحق وتحقيق الهدف الأعلى لذا وجّه الكلام الى الإمام عليه السلام مبيّناً حاله وأصحابه بالتسليم المطلق للإمام عليه السلام وانه لا يخشى لقاء الله والاستشهاد في سبيل الهدف.

هذا الكلام لا يصدر إلا من شخص قد محَّصته الابتلاءات والاختبارات والتجارب فكان عالماً بزمانه عارفاً به لا تلتبس عليه اللوابس بل ان الامور واضحة لديه كالشمس في رابعة النهار، روى المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام: «...والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس».[11]

فكيف بمن هو خريج المدرسة العلوية المقدسة، بل ويفتخر بذلك، نقل الشيخ المفيد في الارشاد متحدثاً حول احداث معركة الطف الخالدة: «وبرز نافع بن هلال وهو يقول:

أَنَا ابنُ هِلالٍ البَجَلِي        أَنَا عَلَى دِينِ عَلِي

 فبرز اليه مزاحم بن حريث فقال له: أنا على دين عثمان، فقال له نافع: أنت على دين الشيطان، وحمل عليه فقتله».[12]

وخلاصة الأمر ان الإمام الحسين عليه السلام سأل هؤلاء النخبة الملتحقة به عن الوضع العام في الكوفة، أي بصورة ادق الوضع النفسي والاستعداد من قبل الكوفيين حول نصرته سلام الله عليه فكان جواب النخبة : «أنّ أشراف الكوفة ضدك كون ابن زياد اشتراهم, أمٌا عوام الناس فقلوبهم معك وسيوفهم عليك».[13]

 

شجاعة البواسل:

ورد في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه واله انه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأهلي أحب إليه من أهله، وعترتي أحب إليه من عترته، وذريتي أحب إليه من ذريته»[14]، فالمؤمن الحق هو من تكون محبة الإمام عليه السلام في وجدانه ظاهرة في كلّ تصرفاته ويشتد الأمر اكثر ويتمحص في المواقف الحرجة والصعبة.

كان المعسكر الحسيني بحاجة شديدة الى الماء ليلة العاشر من المحرم 61 هجرية، وقد سيطر جيش الكفر بقيادة ابن سعد على الفرات ومنعوا سيد الشهداء واهله واصحابه من الماء كوسيلة ضغط بغية الاستسلام والنزول لمطالبهم في البيعة ليزيد بن معاوية ـ لعنهما الله ـ قال ابو الفرج في مقاتل الطالبيين: «لما اشتد العطش على الحسين ـ عليه السلام ـ دعا أخاه العابس بن علي فبعثه في ثلاثين راكباً وثلاثين راجلاً وبعث معه بعشرين قربة فجاؤوا حتى دنوا من الماء فاستقدم امامهم نافع بن هلال الجملي فقال له عمرو بن الحجاج: من الرجل؟ قال: نافع بن هلال، قال: مرحبا بك يا أخي ما جاء بك؟ قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلاءتمونا عنه، قال: اشرب، قال: لا والله لا اشرب منه قطرة والحسين عطشان فقال له عمرو لا سبيل إلى ما أردتم إنما وضعونا بهذا المكان لنمنعكم من الماء فلما دنا منه أصحابه قال للرجالة: إملاءوا قربكم فشدت الرجالة فدخلت الشريعة فملاءوا قربهم ثم خرجوا ونازعهم عمرو بن الحجاج وأصحابه فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال الجملي جميعاً فكشفوه ثم انصرفوا إلى رحالهم وقالوا للرجالة: انصرفوا. فجاء أصحاب الحسين ـ عليه السلام ـ بالقرب حتى ادخلوها عليه[15].

الواقعة كشفت عن امور عدّة في مقدّمتها الإيثار العظيم وهي صفة راقية عظيمة اتصف بها البطل البجلي حيث قال وهو في شدة الظمأ وقد عرض عليه ان يشرب الماء: «لا والله لا اشرب منه قطرة والحسين عطشان».

كذلك البسالة والإقدام العظيم حيث تقدّم الفرسان ووصل قبلهم الى المشرعة وحينما وصلت الرجالة خاطبهم: «إملاءوا قربكم» فشدت الرجالة فدخلت الشريعة فملأوا قربهم ثم خرجوا. وحينما نازعهم الاعداء حمل عليهم بمعية بطل الطف الخالد مولانا وسيدنا العباس عليه السلام.

 

يقظة دائمة ومراقبة دقيقة:

قيل في اللغة ان الفِطْنَةُ : الحِذْقُ والمهارةُ، حِكْمة، تبصُّر، بُعد نظر، وهذا بالضبط ما اتصف به بطلنا نافع بن هلال، حيث كان ليلة عاشوراء كثير الترقّب في المعسكر، لم تغمض له عين ابداً، بل ورد في كتاب الدمعة الساكبة: «لما نزل الحسين عليه السلام بأرض كربلاء، كان نافع بن هلال البجلي من أخص أصحابه به وأكثرهم ملازمة له، ولا سيما في مظان الاغتيال، لأنه كان حازماً بصيراً بالسياسة»[16].

 ولنقف عند واقعة معينة كاشفة عن ذلك: نقل السيد المقرَّم في مقتله قائلاً: «وخرج عليه السلام في جوف الليل الى خارج الخيام يتفقد التلاع والعقبات فتبعه نافع بن هلال الجملي فسأله الحسين ـ عليه السلام ـ عمّا اخرجه قال: يا بن رسول الله افزعني خروجك الى جهة معسكر هذا الطاغي، فقال الحسين ـ عليه السلام ـ إني خرجت اتفقد التلاع والروابي مخافة ان تكون مكمناً لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون، ثم رجع عليه السلام وهو قابض على يد نافع ويقول: هي هي والله وعد لا خلف فيه.

ثم قال له: ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك؟

فوقع نافع على قدميه يقبلهما ويقول: ثكلتني أمّي، إنَّ سيفي بألف وفرسي مثله فوالله الذي منَّ بك علي لا أُفارقتك حتى يكلا عن فري وجرى»[17].

ومن ثمّ رجعوا معا الى المخيم وذهب سيد الشهداء وابو الاحرار الى خيمّة عقيلة الطالبيين بطلة كربلاء السيدة زينب عليها السلام، أمّا نافع فواصل الترقب بفطنته المعهودة منتظراً أوامر سيده وقائدة وملهمه الإمام الحسين عليه السلام لكنّه سمع حواراً حزيناً بين الإمام الحسين وشريكته في الجهاد تقول له: «هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم فإني أخشى أن يسلموك عند الوثبة.

فقال لها: والله لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلا الأشوس[18] الأقعس[19] يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل الى محالب أمّه.

قال نافعُ: فلّما سمعتُ هذا منه بَكيتُ وأتيتُ حبيبَ بنَ مظاهر وَحكيتُ ما سمعتُ منه وَمن أُختهِ زينب.
الوصف: http://www.alseraj.net/a-k/sera/la/blank.gif قال حبيب: واللهِ لولا انتظارُ أمرهِ لعاجلتُهم بسيفي هذه الليلة.
الوصف: http://www.alseraj.net/a-k/sera/la/blank.gif قلت : إني خَلّفتُه عندَ أُختهِ وأظنُ النساءَ أفقنَ وَشاركنها في الحسرةِ فهل لكَ أن تجمعَ أصحابَك وَتواجهُوهُنَّ بِكلام يُطيّبُ قلوبَهُنَّ.

فقام حبيب ونادى: يا أصحابَ الحميةِ وليوثَ الكريهةِ، فتطالَعوا من مضاربهم كَالاسود الضاريةِ، فقالَ لبني هاشم: ارجعوا إلى مقركم لا سهرتْ عُيونُكُمْ.

ثمَّ التفتَ إلى أصحابه وحَكى لهم ما شَاهدَهُ وسمعَهُ نافعٌ، فقالوا بأجمعِهِم: والله الذي مَنَّ عَلينا بهذا الموقفِ لولا انتظارُ أمره لعاجلناهم بسيوفِنا الساعة! فَطبْ نَفساً وَقرَّ عَيناً فجزاهُمْ خيراً.
الوصف: http://www.alseraj.net/a-k/sera/la/blank.gif وَقال: هَلموا معي لنواجه النسوةَ ونُطيبَ خَاطرَهُنَّ، فجاءَ حبيبُ وَمعُه أصحابُه وَصاحَ: يا معشرَ حرائرِ رسولِ اللهِ هذه صوارمُ فتيانِكُمْ آلوا ألا يغمدوها إلا في رقابِ مَنْ يُريدُ السوء فيكُمْ، وَهذهِ أسنة غلمانِكُمْ أقسَموا ألا يَركزوها إلا في صُدورِ مَنْ يُفرّق نَاديكم.
الوصف: http://www.alseraj.net/a-k/sera/la/blank.gif فَخرجن النساء إليهم ببكاء وعويل وَقلن أيها الطيبون حاموا عن بناتِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وحرائرِ أمير المؤمنين عليه السلام. فضجّ القومُ بالبكاءِ حتى كأنَّ الارض تَميد بهم.[20]

 

يوم عاشوراء والدفاع عن سيد الشهداء عليه السلام:

الحملة الأولى شهدت استشهاد الكثير من انصار سيد الشهداء عليه السلام حيث شنَّ عسكرُ ابن زياد لعنه الله حملته بعد ان تقدم عمر بن سعد على فرس له، فاستخرج سهماً فوضعه في كبد القوس، ثمَّ قال: «اشهدوا لي عند الأمير عبيد الله بن زياد انّي أول من رمى بسهم الى عسكر الحسين بن علي»، فوقع السهم بين يدي الإمام الحسين ـ عليه السلام، فتنحى عنه راجعاً الى وراءه وأقبلت السهام كأنها المطر، فقال الإمام الحسين عليه السلام لأصحابه: ايها الناس، هذه رسُلُ القوم إليكم فقُوموا إلى الموت الذي لابدّ منه.[21]
فوثب اصحاب سيد الشهداء عليه السلام الى المعركة واقتَتَلُوا ساعةً من النهار حملةً إثر حملة، فما انجَلَت الغُبرةُ إلاّ وأصحابُ الحسين عليه السّلام قد بانَ فيهم نَقصٌ شديد؛ لذا لم يَأذَنْ لهم الإمام الحسين سلام الله عليه بالبُروز والخروج إلى ساحة المعركة إلاّ اثنَين اثنَين، واحدٌ يَشِدّ، فإذا استَلْحَم وضُيِّق عليه شَدَّ الآخَرُ يَستَنقِذهُ، أو واحد يَكرّ والثاني يَحمي ظهره.

 قال الطبريّ في احداث سنة 61 هجرية: لمّا قُتل عمرُو بن قَرَظةَ الأنصاريّ (وكان مع الحسين عليه السّلام)، جاء أخوه عليّ (وكان مع عمر بن سعد) ليأخذ بثاره، فهَتَف بالحسين عليه السّلام في كلام بذيء فيه:
ـ أغَرَرْتَ أخي وقَتَلتَه ؟!
فأجابه الإمام الحسين عليه السّلام: إنّي لَم أَغُرَّ أخاك، ولكنْ هداه الله وأضَلَّك!
فقال عليّ: قَتَلني اللهُ إن لم أقتُلْك!
ثمّ حَمَل على الحسين عليه السّلام فاعترَضَه نافعُ بن هلال فطَعَنه حتّى صَرَعَه، فحملَ أصحابُه عليه واستَنقَذوه، فدُووِيَ بعدُ فَبرِئ.[22]

 ثمّ جالَت الخيلُ التي استَنقَذَت عليّاً، فرَدَّها نافعٌ عن أصحابهِ وكشَفَهَا عن وجوههم.
وحَدَّث يحيى بن هاني بن عُروة المُراديّ أنّه: لمّا جالَت الخيلُ بعد ضربِ نافعٍ عليّاً، حَمَل عليها نافعُ بن هلال فجَعَل يضربُ بها قُدْماً وهو يقول:

إن تُنكِـروني فأنا ابنُ الجَمَلي      دِيني على دِينِ حُسينِ بنِ عَلِي

فقال له مُزاحِم بن حُرَيث: أنا على دِين «فلان»! فأجابه نافع: أنت على دِين الشيطان! ثمّ شَدَّ عليه بسيفه، فأراد مُزاحم أن يولّي، ولكنّ السيف سَبَق، فوقع مُزاحم قتيلاً. فصاح عمرو بن الحجّاج: أتَدرونَ مَن تُقاتِلون ؟! لا يَبرُزْ إليهم منكم أحد.[23]

 وفي البحار: قال المفيد وصاحب المناقب: وكان نافع بن هلال الجَمَلي يقاتل قتالاً شديداً، ويَرتَجز ويقول:

أنا ابنُ هلال الجَمَليْ      أنا على دِيـن عليْ

ودِينُـه دِيـنُ النبي

فبرَزَ إليه رجلٌ من بني قطيعة ـ قال المفيد: هو مُزاحم بن حُرَيث ـ فقال: أنا على دِين عثمان، فقال له نافع: أنت على دِين الشيطان! فحمل عليه نافع فقَتَله، فصاح عمرو بن الحجّاج بالناس: يا حَمْقى! أتدرون مَن تقاتلون؟! تقاتلون فُرسانَ أهلِ المصر وأهل البصائر وقوماً مُسْتَميتين، لا يَبرُزُ منكم أحدٌ إلاّ قتلوه على قِلّتهم. واللهِ لو لم تَرمُوهم إلاّ بالحجارةِ لَقَتلتمُوهُم.!
فقال له عمر بن سعد: الرأي ما رأيت فأرسل في الناس مَن يَعزِم عليهم أن لا يُبارزَهم رجلٌ منهم. وقال: لو خَرَجتُم إليهم وُحْداناً لأتَوا عليكم مُبارَزَةً![24].

وبَرَز نافعُ بن هلالٍ مرّةً أخرى، فأخذ يرمي بنِبالٍ مسمومةٍ كتب على أفواقها اسمَه، وجعل يقول:

أرمـي بـها مُعلَمَـةً أفواقُـها        مَسمومَةً تجـري بها أخفـاقُها

لَيَمـلأنّ أرضَـها رَشّـاقُـها         والنفسُ لا يَنفعُها إشفاقُها

فقَتَل اثني عشر رجلاً من أصحاب عمر بن سعد سوى مَن جَرَح.. حتّى فَنِيَتْ نِبالُه، عندها جَرَّد سيفَه يضرب في أعدائه وهو يحمل ويكرّ ويقول:

أنا الهِزَبْرُ الجَمَليْ   أنا على دِينِ عليْ[25]

وفي رواية أنّه: ضرب يدَه إلى سيفه فاستلّه وجعل يقول

أنـا الغـلامُ اليَمَنـيُّ الجَمَليْ          دِيني على دِينِ حسينٍ وعليْ

إنْ أُقتَـل اليـومَ فهـذا أملي          فذاك رأيـي وأُلاقـي عملي

فقتل ثلاثةَ عشَرَ رجلاً.. فتَواثَبوا عليه وأحاطوا به يرَمُونَه بالحجارة والنِّصال، حتّى كسَرَوا عَضُدَيه فأخَذوه أسيراً.[26] 

 

أسرٌ وشهادة مع الثبات على المبدأ:

فأمسَكْه الشمر بن ذي الجوشن ومعه أصحابه يَسوقونه.. حتّى أتى به عُمرَ بنَ سعد، فقال عمر: ـ وَيْحك يا نافع! ما حمَلَك على ما صنعتَ بنفسك ؟!

أجابه نافع: إنّ ربّي يَعلَم ما أردتُ.

فقال له رجل ـ وقد نظر إلى الدِّماء تسيل على وجهه ولحيته: أما ترى ما بك ؟!

فأجابه نافع: واللهِ لقد قَتَلتُ منكم اثنَي عَشَر رجلاً سوى مَن جَرَحتُ، وما ألوم نفسي على الجَهد، ولو بَقِيَتْ لي عَضُدٌ ما أسرَتُموني.

فقال شمر لابن سعد: اقتُلْه ـ اصلَحَك الله.!

قال ابن سعد: أنت جِئتَ به، فإن شِئتَ فاقتُلْه.

فجرّد شمرٌ سيفَه.. هنا قال له نافع:

ـ أمّا واللهِ ـ يا شمرُ ـ لو كنتَ من المسلمين، لَعَظُم عليك أن تَلقى اللهَ بدمائنا! فالحمدُ لله الذي جَعَل مَنايانا على يَدَي شِرارِ خَلْقه فقدّمه الشمر، وضَرَب عُنُقَه،[27] فمضى الى رحمة الله ورضوانه فسلام عليه بما صبر وجاهد واستشهد دفاع عن الحق المتمثل بسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام، فبلغ من الكمال ان يلقي السلام عليه خليفة الله في أرضه وسمائه، وبقيته الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ففي زيارة الناحية المقدسة ورد: «السلامُ على نافعِ بنِ هلالِ بنِ نافعِ البَجَليّ المُراديّ».

وفي نافع بن هلال رضوان الله عليه يقول الشاعر يصف شجاعته، وشهادته:

ألاَ رُبَّ رامٍ يَكتُب السَّـهمَ نـافـعـاً        ويَعـنـي بــه نَفْعـاً لآلِ محمّـدِ

إذا مـا أرَنّتْ قَوسُـه فـازَ سَهمُـها         بقلـبِ عـدوٍّ أو جَنـاجِـنِ مُعتَـدي

فلو ناضَـلُوه مـا أطافُـوا بغـابِـهِ        ولكـنْ رَمَـوه بـالحجـارِ المُحَـدَّدِ

فأضحى خَضيبَ الشَّيبِ مِن دمِ رأسهِ          كسيـرَ يـدٍ يَنقـادُ للأسـرِ عـن يَدِ

ومـا وَجَـدوه واهِنـاً بعـد أسْـرِهِ        ولكـنْ بَسـيمـاً ذا بَـراثِـن مُلبَـدِ

فـإن قَتَلوه بعدمـا ارتُثَّ صـابـراً         فلا فَخْـرَ في قَتْلِ الهِزَبْـرِ المُخَضَّدِ

ولـو بَقِيتْ منـه يـدٌ لـم يُقَدْ لهـم        ولـم يَقتُلوهُ لـو نَضـا لِمُـهَنَّدِ[28]

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين.

 


[1] ـ مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 104:4 ؛ إبصار العين 86 ـ 87 ؛ مقتل العوالم لعبدالله البحرانيّ 76. وبحار الانوار، العلامة المجلس، ج44، في نزوله عليه السلام كربلاء، ص382.

[2] ـ قبيلة من قبائل العرب القحطانية، عرفت بإسم جدها: سعد بن مذحج بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وهو من أهل العصر الجاهلي، وعرف بـ"سعد العشيرة"، لأنه طال عمره حتى بلغ أبناؤه وأحفاده ثلثمائة رجل، فكان إذا ركب فيهم سئل عنهم، فيقول: "هم عشيرتي" مخافة الحسد.

[3] ـ لسان العرب، مادة: نفع.

[4] ـ اكسير العبادات في أسرار الشهادات، الفاضل الدربندي، تحقيق: الشيخ محمد جمعة بادي وعباس ملا عطية الجمري، ج2، المجلس السابع، ص229.

[5] ـ مستدركات علم رجال الحديث، الشيخ علي النمازي الشاهرودي، مصدر سابق، ج8، باب النون، رقم: 15503، ص58.

[6] ـ ابصار العين في انصار الحسين عليه السلام، الشيخ محمد بن طاهر السماوي، تحقيق محمد جعفر الطبسي، نشر مركز الدراسات الاسلامية، الطبعة الأولى: شهر رمضان 1419 هجرية، ص147.

[7] ـ عذيب الهجانات موضع يقع بين القادسية والمغيثة، وكانت تعتبر هذه المنطقة نهاية حدود أرض العراق.  الحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 92.

ووجه التسمية مأخوذ من العذيب وهو مصغر العذب - أي الماء العذب . والهجانات أي الكرائم من الأبل، وكان النعمان ملك الحيرة يرعى في هذه المنطقة هجائنه؛ فسميت بعذيب الهجانات. ابن‌ الأثير، الكامل، ج 4، ص49؛ الطبري، تاريخ الطبري، ج 5، ص 404.

وهي من الأماكن التي نزل بها الإمام الحسين عليه السلام  وأصحابه قبل وصوله إلى كربلاء، وكان ذلك يوم 28 من ذي الحجة سنة 60 للهجرة. التحق في هذا المكان أربعة من الكوفة بركب الإمام الحسين عليه السلام وكان دليلهم الطرماح بن عدي، كما أخبروا الإمام باستشهاد قيس بن مسهر الصيداوي وأوضاع الكوفة.

[8] ـ ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص174؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 4، ص 49.

[9] ـ لعله نافع بن هلال وهو الصحيح.

[10] ـ مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 104:4 ؛ إبصار العين 86 ـ 87 ؛ مقتل العوالم لعبدالله البحرانيّ 76. وبحار الانوار، العلامة المجلس، ج44، في نزوله عليه السلام كربلاء، ص382.

[11] ـ الكافي، مصدر سابق، ج1، كتاب العقل والجهل، ح28، ص27.

[12] ـ الارشاد، الشيخ المفيد، ج2، استبسال أصحاب  الإمام الحسين عليه السلام، ص102.

[13] ـ مثير الأحزان، ابن نما الحلي،  ص:31.

[14] ـ ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ١ - الصفحة ٥١٨، نقلاً عن كنز العمال: ٧٠، ٩٣.

[15] ـ مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهانى ، منشورات المكتبة الحيدرية ـ النجف الاشرف، الطبعة الثانية 1965 ميلادي، ص ٧٨. وا لبلاذري, أنساب الأشراف, ج3, ص:181

[16] ـ الدمعة الساكبة، ج4، ص273، كما نقلته من كتاب: فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء عليه السلام، ذبيح الله المحلاتي،  تحقيق: محمد شعاع فاحر، مطلوعات الاندلس، 1431 هجرية، ج2، ص167.

[17] ـ مقتل الحسين عليه السلام، السيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم، تقديم: السيد محمد حسين المقرّم، ص218 ـ 219.

[18] ـ الجمع : شُوسٌ ، أَشاوِسُ المؤنث : شَوْساءُ

مُجاهِدٌ أَشْوَسُ : جَرِيءٌ ، شُجاعٌ شَديدُ المِراسِ في القِتالِ

 [19]ـ قعِسَ قعِسَ  قَعَسًا : خرج صَدرُه ودخل ظَهْرُه خِلْقَةً .واستعماله مع افعل التفضيل هنا تصوير للاستعداد التام للتضحية.

[20] ـ مقتل الحسين للمقرم : ص 218 ـ 219 ، معالي السبطين : ج1 ، ص344 ـ 346 ، الدمعة الساكبة : للبهبهاني، ج4 ، ص273 ـ 274 ، وقال صاحب الدمعة الساكبة انه نقلها عن ارشاد الشيخ المفيد ولم اجدها فيه وكذلك قال السيد الامين في رسالة التنزيه كما في كتاب:  قراءة في رسالة التنزيه (للسيد محسن الأمين) المؤلف : الحسّون، محمد    الجزء : 1  صفحة : 9: «ولم اعثر على هذا الحديث في " الارشاد" فلعلّه في غيره من كتب الشيخ المفيد، او المقصود بالمفيد غير هو غير الشيخ محمد بن النعمان العُكبري البغدادي، ت 412».

[21] ـ كتاب الفتوح، أحمد بن أكثم الكوفي، تحقيق: علي شيري، دار الاضواء للطباعة والنشر، بيروت لبنان، الطبعة الأولى: 1411 هجرية، ج5، ذكر الذين قتلوا بين يدي الحسين بن علي عليهما السلام، ص100.

[22] ـ تاريخ الأمم والملوك، ج3، احداث سنة 61 هجرية، ص324.

[23] ـ ابصار العين في أنصار الحسين عليه السلام، مصدر سابق، نافع بن هلال الجملي، ص149.

[24] ـ بحار الانوار، مصدر سابق، ج44، في وصف القتال والحرب ةشهادة الشهداء واحدا بعد واحد، ص19.

[25] ـ ابصار العين في انصار الحسين عليه السلام، مصدر سابق، ص149.

[26] ـ بحار الأنوار، ج45، ص27.

[27] ـ لواعج الاشجان، السيد محسن الأمين، مطبعة العرفان ـ صيداـ لبنان، منشورات مكتبة بصيرتي قم المشرفة، 1331 هجرية، ص147.

[28] ـ ابصار العين في انصار الحسين عليه السلام، ص89.