|
كتاب
«شهر رمضان شهر البناء والتقدم»
جدولةٌ
لتكامل الذات الإنسانية
alshirazi.net

بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله
رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين،
واللعنة على أعدائهم الى قيام يوم الدين.
الشريعة
المحمدية المقدسة شرِّعت بغية الارتقاء بالمسلم الى الدرجات
العالية من الكمال الإنساني، فوضعت لكل جانب برنامج خاص بغية
تحقيق الغاية، ومن البرامج التي وضعتها برنامج اليام لتهذيب
الذات فكان شهر رمضان العظيم موسم التهذيب بحق ومن هنا كتب
الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره كتابه
القيم:
«شهر رمضان
شهر البناء والتقدم»
لبيان الغاية والكيفية، فكتب في مقدمته:
يطلّ علينا
كل عام شهر رمضان بعطره الزاكي بنسيمه الفوّاح، الذي ما أن
يلمس النفوس حتى يجعلها على أهبّة الاستعداد لتلقي كلمات
الإنابة والتوبة الصادقة إلى الله سبحانه وتعالى.
شهر رمضان
بلسمٌ يبعث الارتياح والطمأنينة إلى النفوس المعذّبة والقلوب
المنكسرة والأجساد المنهكة، انّه ضماد لجراحات القلب والجسد؛
يخفّف عنها عناء الحياة ومشاق العمل والكدّ، في لياليه
المقمرة بالآمال وبأيامه الزاخرة بالعلاقات والزيارات
وبالمحبة المتبادلة.
شهر رمضان،
شهر جديد من بين بقية الشهور لأنه يمتاز عنها بأشياء كثيرة،
يريد للمؤمن ان يكون جديداً في كل أيامه، جديداً لا بملبسه..
حيث اعتاد البعض ان يرتدوا أجمل ما عندهم من الملابس.
جديداً لا
بمأكله.. حيث اعتاد بعض الناس ان يأكلوا في هذا الشهر كل شيء
جديد. فكل ما لم يعتادوا على أكله.. يبتاعونه في هذا الشهر
ليتناولوه وكأنه ليس شهر الصيام بل شهر الطعام. وكأن الهدف
ليس هو التدريب على الجوع والعطش ليتذكّر الإنسان المؤمن جوع
وعطش الفقراء والمساكين ليواسيهم، وليتذكّر جوع وعطش يوم
القيامة بل الهدف هو التعود على تناول ألذّ الأطعمة!
فعلى
المؤمن أن يصمم في هذا الشهر مع نفسه ان يكون أفضل مما كان
عليه، وان يعاهد الله سبحانه وتعالى أن يكون لبنةً جديدة
تُضاف إلى صرح الإسلام المتين، ليرتفع هذا الصرح شامخاً في
سماء الدنيا باعثاً الهداية والأمل إلى كل البشرية.
والإنسان
بحاجة في كل عام إلى وقفة مع نفسه ومع الحياة، لأنّ غبار
الحياة قد يتراكم على قلبه فيجرّده عن رؤية الحقيقة وتحول
بينه وبين طريق التقدم. فلابدّ من غربلة تمهد الطريق إلى
الدخول في شهر رمضان، لابدّ من نقضٍ لما علق بالإنسان من
غبار الجهل و اليأس و التخلف، والأخذ بشآبيب الأمل والتقدم
للمضي في طريق راسخ نحو تجديد الحياة الفردية ليكون هذا
التجديد هو السبيل لتقدم حياة الجماعة نحو الإمام.
ورسالة
الإسلام هي التأكيد على هذين الأمرين الحيويين، كما قال
سبحانه في كتاب الكريم:
(يا أيها
الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما
يُحييكُم...)[1]،
وقال أيضاً
(فَلَنُحييَنّه حياةً طيّبةً...)[2]فالبشر
قد يتراجعون إلى الوراء.. وقد يقفون في مواقعهم دون حِراك.
اما
المؤمن: إذا (تساوى يوماه فهو مغبون)[3]،
فهو في تقدم متواصل ـ في كل أبعاد الحياة ـ لا يعرف التراجع
ولا يعرف التوقف ولا يعرف الكلل والملل، هكذا أراد الإسلام
له.
يقول
الشاعر:
وقال نبيّ
المسلمين تقدّموا
وأحبب إلينا أن نكون المقدّما
في شهر
رمضان تترجم الأفكار إلى وقائع.. وتتحول الحروف إلى حركة
والكلمة إلى حياة.
يتحول
الإنسان إلى أمّة كإبراهيم
(عليه السلام)
حيث كان أمة قانتاً لله.
يكون أُمّة
بتقدمه في هذا الشهر، فهو يعبد الله ما يعادل عبادة سنة، وهو
في المجتمع ليس فرداً بل أفراداً متعاونين متآخين، وهو في
الكون بذرة تبعث الحياة في كل ركن من أركان الدنيا.
فشهر رمضان
شهر الحركة و البركة.
كل جسم
ساكن إذا مسّهُ نسيم هذا الشهر يأخذ بالحركة، فالكثير يخرجون
للتبليغ في هذا الشهر المبارك، و الكثير يشتغلون في الليل و
النهار، وإذا ما حاولنا ان نحصي إنتاج بعض الأفراد لوجدنا
انهم ينتجون ما يعادل العام.
شهر رمضان
هو ربيع القرآن، ففيه أوّلاً نزل القرآن الكريم كاملاً ثم
تنزّل على رسول الله
(صلى الله عليه وآله)
منجّماً ابتداءً من السابع والعشرين من شهر رجب في السنة
الآتية؛ ومن المعلوم ان نزول القرآن كان مقترناً ببدء
البعثة.
وفي القرآن
الكريم يجد الإنسان برنامج التجديد الذي يبتغيه ويسعى من أجل
تحققه في هذا الشهر.
فـ(شهر
رمضان الذي انزل فيه القرآن).. هو (هدىً للناس). هداية
لإصلاح النفس والغير هداية معنوية ومادية، حيث تضمّن دستوراً
لكل طريق صائب ولكل زاوية من زوايا الحياة.
(وبينات من
الهدى) حيث ان لهذه الهداية أدلّة واضحة مأخوذة من هذا
الجنس، فليس ـ مثلاً ـ من جنس المال ودليله، الشهود التي
تثبت المال، بل هداية ودليل على الهداية، إذ الدليل يلزم ان
يناسب المدلول، والاّ لم يكن دليلاً عليه، للزوم المناسبة
بين عالمي الإثبات والثبوت كما يقوله علماء الكلام.
ويبقى هناك
أمر ثالث هو (وَالفرقان...)[4]..
أي ما يفرّق بين الحق والباطل، والرشاد والضلال، إذا قد
يهتدي الإنسان إلى الحق لكنّه لا يملك حالة التميز بين الحق
والباطل.
والقرآن هو
كتاب هداية لجميع الناس (هدىً للناس)، فهو ليس لقومٍ دون
قوم، ولا لجماعة خاصة، لا لزمانٍ معين ولا لمكان محدد.. بل
هو للناس أجمعين.
فالإسلام
ليس كاليهودية التي حصروها بقوم خاص هم الاسرائيليون، وليس
كالمسيحية التي جاءت لفترة محددة من الزمن.
ثم تأتي
جملة (هُدىً لِلمتقين)[5]
في آية أخرى لتؤكد ان المستفيد من القرآن هم جماعة واحدة، هم
(المتقون)، وان كانت قابلية الهداية موجودة لدى جميع البشر
بلا استثناء.
فلام
(المتقين) هي للانتفاع لا للملك الخاص.
اما قوله
تعالى: (وإنّهُ لَذِكر لَك وَ لِقَومِكَ...)[6]،
فالمراد بـ(القوم)[7]
المسلمين
لا القومية بالمصطلح السياسي المتعارف كالقومية العربية و
القومية الفارسية و غيرهما.
ولذا قال
سبحانه: (وما أرسلناكَ إلاّ كافَةً للناس...)[8]،
وحرف (التاء) في صيغة اسم الفاعل تدلُ على العموم و
المبالغة، وهي ليست المبالغة في قبال الحقيقة بل المبالغة في
البلوغ للكل. وتقدُّم لفظ (كافة) على لفظ (الناس) للتأكيد
على ان طبيعة الدين انه للجميع. فالتقديم هنا لدلالة
المرتبة، فهناك فارقٌ كبيرٌ بين ان نقول (ما لنا الا اتباع
احمد) وبين ان نقول (ما اتباع احمد الا لنا) كما جاء في
اشعار ابن مالك.
اذاً نفحات
هذا الشهر ستعم الجميع، فشهر رمضان هو للناس كافة كما ان
الدين الإسلامي للناس كافة، اذاً لابدّ من استثمار هذا
الموسم الروحي العظيم بأحسن وجه.
لابدّ ان
نستفيد من كل لحظة في هذا الشهر.
لابدّ ان
نستغل كل عطاء من عطاءات هذا الشهر المبارك.
لابدّ ان
يسعى كل واحد منّا ان يكون مرحوماً في هذا الشهر.. وقد قال
الإمام الصادق (عليه السلام): (لابدّ للخير ان يقع فاستعد
أنت أن تكون من أهل الخير)[9].
فشهر رمضان
آتٍ الينا بخيراته وعطاءاته ومنحه، فليفكّر كل واحد ان يكون
من أهل هذا الشهر، ومن المسجلين في سجل الفائزين.
والفوز
الأكبر في شهر الصيام هو إصلاح النفس والغير وتطوير الحياة
إلى الأفضل.
للإطلاع
على متن الكتاب انقر على الرابط التالي:
كتاب
«شهر رمضان شهر البناء والتقدم»
|