|
قراءة في
كتاب الزرع والزراعة بقلم الدكتور حسنين الموسوي
alshirazi.net

قصتي مع الكتاب:
في إحدى
أيام استراحتي يمّمتُ وجهي لزيارة مكتب سماحة المرجع الديني
آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في
مدينة البصرة، وكان في استقبالي كادر المكتب الذين تميزوا
بذلك الترحيب، إلى أنْ استقرَّ بنا المجلس، ودار الحديث عن
اختصاصي وكيفية تدريسي في الجامعة وإذا بمدير المكتب يفاجئني
بأنّ من مراجعنا العظام خاض في اختصاصنا وألّف كتاباً في هذا
العلم تحت عنوان: «فقه الزرع والزراعة» وقدّم لي نسخةً من
الكتاب كهدية، وما أنْ طالعتُ ودرستُ الكتاب فوجدته حرياً
بالدراسة .
المقدِّمة:
يُعتبر
الزرع والزراعة الشريان الأبهر وعصب الحياة الحقيقي ، لكونه
ذات أهمية كبيرة جداً ، إذ أنّ استمرارية الزرع والزراعة
مرتبط ارتباط وثيق بديمومة الحياة على سطح الأرض ليس للكائن
البشري فحسب وإنما لكلّ المخلوقات على وجه هذه البسيطة، لذا
نرى أنّ الخالق جلّ شأنه أهتم في القران الكريم اهتماماً
بالغاً في الزرع والزراعة؛ حيث نرى عشرات الآيات التي ذكرها
وتعرّض إليها عن الزرع والزراعة فلم يهتم سبحانه وتعالى
بالمجال الزراعي في الكتب السماوية السابقة قياساً بما أشار
في آيات وسور القران الكريم، وعدّه مصدر رئيسي من مصادر حياة
الإنسان ، لما له من أهمية شديدة في الجانب الحيوي .
والمتتبع في الآيات التي
اهتمت في موضوع الزرع والزراعة يلاحظ نظام متسق ومنتظم
ومترابط، إذ نجد أنّ آيات القران تشير إلى آليات النظام
الزراعي ومظاهرها الإعجازية بشيءٍ من التفصيل بصورةٍ دقيقة
ولطيفة ومتوازنة ابتداءً من اختيار البيئة المناسبة للزرع
والزراعة مروراً بحياة النبات وانتهاءً بالأثمار ودفع الحقوق
الشرعية المترتبة عليه بصورة متسلسلة ومتناسقة وتثير الدهشة
لدى أصحاب الاختصاص وكان حقاً أنّ يقال :
(...مَالِ
هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً
إِلَّا أَحْصَاهَا...)
سورة الكهف ، آية:49
.
مع
الكاتب:
في الحقيقة
من المفرح أنْ نرى ونسمع عن اساتذة وعلماء وباحثين واكادميين
مَن يهتم في المجال الزراعي ويحاول أن يطوره أو يجد الحلول
لمعالجة مشكلة ما في هذا الاختصاص البالغ الأهمية، ولكن الذي
ادهشني هذه المّرة أنْ أرى رجلاً من رجالات الدين ومن أساطين
الحوزة وصاحب أكبر موسوعة فقهية في العالم الإسلامي التي ربت
على أكثر من 160 مجلداً، وضمّت أبواباً فقهية مستحدثة، كفقه
الاقتصاد، وفقه الاجتماع ، وفقه النظافة، والطب، والعقائد،
والبيئة، وأحكام الرفق بالحيوان، وفقه المرور، ومن فقه
الزهراء عليها السلام، وفقه القانون، وفقه السياسة، وفقه
الزرع والزراعة – الذي هو محلُّ بحثنا – وغيرها من الأبواب
والأبحاث العلمية .
الا وهو
المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي
(قدس سره) المتوفى 1422 هـ الذي عرفته الأوساط العلمية بعلمه
وأبحاثه الواسعة الغزيرة ، والذي يُعد اليوم (رحمه الله)
نجماً لامعاً في سماء عالم المعرفة والعالم الإسلامي - يخوض
في هذا المضمار، إذ قلّما مَن يظهر خلاف المألوف ويهتم في
العلوم الاخرى غير الفقه والأصول وعلم الرجال إلى آخرها من
العلوم الحوزوية الشريفة .
وبصراحة
هذه الخطوة تُعيد إلينا الذاكرة الى حوالي أكثر من 14 قرناً
من الآن، حيث تتصفح ذاكرتنا منهجية وتعامل الرسول الأكرم
(صلى الله عليه وآله) وآله الطيبين (عليهم السلام) من جميع
مناحي ومجالات الحياة .
كان حّقاً
عليَّ أنْ أقول : إنّ هذا الشبل من أولئك الأسود حيث نلمس من
خلال مطالعتنا لأثاره وكتبه المطبوعة أنّه قدس سره لم يترك
مجالاً من المجالات العلمية التي تنظم حياة الانسان إلّا
وكان له فيها سهم وافر منه، سواءً كان سياسياً أو اقتصادياً
أو فكرياً أو أدبياً أو قضائياً أو زراعياً، وسوف نقف بضع
دقائق بإجلالٍ وإكرام واحترام وتقدير لما كتبة سماحته في
كتابة الموسوم: «فقه الزرع والزراعة».
أسلوب الكاتب في الكتابة:
ونحن نشهد
وفور فضله، وعلو همته وغزارة المعلومات لديه؛ إذ امتازت
العبارات التي أوردها رحمه الله بالجمالية والبساطة والوضوح
والدقة والجودة في نظمها بالإضافة إلى احاطته بموضوع البحث،
وشرحه التفصيلي لمبادئ الزراعة وأساسها، حيث سلّط الضوء على
كافة القضايا المتعلّقة بالزرع والزراعة وناقشها بأسلوبٍ
علّميٍّ رصين، وفي بعض المباحث نراه قد تطرّق إلى وضع الحلول
التي تتناسب والمعطيات الواقعية هذا من جانب، ومن جانب آخر
نراه قد تعرّض الى اسلوب التجديد والتعامل الصحيح في ميدان
الزرع والزراعة وفق صياغة علمية حديثة ولم يكتفِ بالزرع
والزراعة و إنما تعرّض سماحته الى المسائل الشرعية المتعلقة
بالزراعة. وهو قدس سره يحمل روح الأصالة والتجديد وكان حقاً
كما قيل: انه لاُ يعرف إلاّ بعد سنواتٍ طوال.
مـع
الكتاب:
يتألّف
الكتاب من سبعة فصول، حيث تناول سماحته في الفصل الأول
اهتمام القرآن بالزرع والزراعة وتعرّض الكاتب إلى معظم
الآيات الكريمة التي وردت في القران الحكيم في الزرع
والمزارعة وأما في الفصل الثاني من الكتاب فقد أشار سماحته
الى الزرع والزراعة في السّنة النبوية الشريفة وأحاديث أئمة
أهل البيت عليهم السلام في فضل الزراعة والزراعة واستحبابها،
وأنْ الزراعة هي أحب الأعمال والحث على الزراعة، وكذلك تطرّق
الى موضوع الزراعة والأنبياء وكيفية مزاولتهم لها، وذكر
سماحته أيضاً الزراعة في نهج البلاغة.
بينما في
الفصل الثالث نجده رحمه الله ذكر فيه عشرة أبواب كلّ باب
تناول فيه موضوعاً معيناً ففي الباب الأول نلاحظ ذكر الإنسان
والزراعة، ومتى بدأت زراعة الأرض؟ وأهم مصادر الغذاء، وفي
الباب الثاني أشار إلى التربة التي هي إحدى المكونات الرئيسة
للحياة، وكذلك تطرّق إلى الماء والذي هو من أهم عوامل نمو
النبات ، وكذلك حرارة الأرض ومصدرها الشمس. وفي الباب الثالث
بيّن الكائنات الحية وتأثيرها على الزرع، سواء كانت مفيدة أو
مضرّة بالزرع، وأما في الباب الرابع فقد ذكر علاقة المحاصيل
البقولية وأثرها في خصوبة الأرض. بينما نلحظ أنّ في الباب
الخامس ناقش سماحته الأراضي وأقسامها، ومضار الأملاح الزائدة
في التربة على النبات وتباين النباتات في تحملّها للملوحة،
وكذلك سلّط الضوء على ضرورة معالجة الملوحة والأحماض في
الأراضي الزراعية، وتطرق إلى علائم جودة الأرض .
في حين
تناول في الباب السادس المجموع الخضري للنبات، وماذا يحتوي؟
وذكر عملية البناء الضوئي في أوراق النبات، وكيفية تنفّس
النبات؟ وكذلك أشار إلى ساق النبات ووظائفه المهمة، وتناول
أيضاُ المجموع الثمري ومحتوياته، وكذلك كيفية تكاثر النبات
وذكر في الوقت نفسه مكونات البذرة، وما يتعلّق فيها وأشار
إلى نمو النبات ومراحله.
وفي
السابع بيّن سماحته أقسام المحاصيل الزراعية من المملكة
النباتية إلى النباتات البذرية، وأيضاً أشار إلى أنواع
التقسيمات النباتية، الزراعي والاقتصادي والموسمي أو حسب
الاستعمال؛ وبيّن في الباب الثامن كيفية تمهيد الأرض
وإصلاحها وعمليات خدمة الأرض، في حين ذكر في الباب التاسع
الزراعة وطرقها المختلفة، وكيفية طرق زراعة البذور أو
التقاوي؟ وأشار في الباب العاشر الى أدوار حياة النبات
وعمليات خدمتها.
وأما في
الفصل الرابع ذكر عمليات خدمة المحصول بعد زرعه، وأشار في
هذا الفصل إلى الباب الحادي عشر الذي اهتم في الأسمدة وأنواع
الأسمدة وفائدتها، بينما في الباب الثاني عشر ذكر النظافة
قبل التجميل، وتناول أيضاً الاعتناء بالنظافة وتشجير الشوارع
وما هي فوائد التشجير في الطرق؟ وتناول كذلك تخطيط الميادين
والسوح العامة وأنواع الحدائق العامة والخاصة. وفي الفصل
الخامس ذكر سماحته المسائل الشرعية التي لها علاقة بالزراعة.
وفي الفصل السادس بيّن أهم خواص بعض البقوليات والثمار
والخضار والفواكه، وفي الفصل السابع أشار إلى بعض المتفرقات
من الزرع والزراعة وفي خاتمة الكتاب ذكر الزراعة بالمعنى
الأعم، وبعض الأحاديث والروايات والنصائح في هذا الشأن.
الخاتمة:
مما لاشك
فيه أنّ المشاكل التي تواجه الكائن البشري على وجه الأرض في
تزايدٍ مستمر ، وهي موجودة في المجال الزراعي ومتمثلة في
التصحر الذي يغزو مساحات شاسعة بالإضافة إلى قلة مياه الري
والأمطار، وعزوف الإنسان عن الزراعة وغيرها من المشاكل هذا
من جهة، ومن جهةٍ أخرى الزيادة في نسب عدد سكان المعمورة
لذلك يتطلّب هذا التحدي البدء في وضع خطط لمواجهة الخطر
المحدق بنا ابتداءً من تحديد المشكلة ثم تطويقها وبعد ذلك
وضع الحلول العلمية لها وهذا يتطلب اُناساً باحثين واكادميين،
وعلماء يترجمون الآراء والنظريات والأفكار إلى حبر على ورق،
ثم تطبيق ذلك عملياً. وأخيراً أتمنى من الأساتذة وأصحاب
الاختصاص في المجال الزراعي وضع دراسات علمية لمعالجة
المشاكل الزراعية، وإجراء العديد من البحوث الزراعية، وتأليف
كتب تهم الواقع الزراعي.
طبعات الكتاب:
الكتاب يقع
في (440) صفحةً ، طُبع في بيروت من قبل مؤسسة الفكر الإسلامي
ومكتبة ابن فهد الحلي بالتعاون في سنة 2011 م . بتهميش
وتحقيق مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر.
الدكتور
حسنين محمد الموسوي
استاذ
في جامعة البصرة / علوم زراعية
|