النصُّ الكامل لكلمة سماحة المرجع الشيرازي دام ظله بمناسبة شهر رمضان العظيم 1445 هجرية

فيما يلي النصّ الكامل لكلمة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، على أعتاب حلول شهر رمضان العظيم 1445 للهجرة، التي ألقاها في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، مساء يوم السبت السابع والعشرين من شهر شعبان المعظّم 1445 للهجرة (9/6/2024م) بجموع المبلّغين:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة

نحن على أعتاب شهر رمضان العظيم، وهو البحر الزخّار بالرحمة والبركة من الله تبارك وتعالى. ومهما وصفنا هذا الشهر بتعابير سامية، فهي لا ترقى إليه، فرشحات أذهاننا كلّها قصور بحقّ هذا الشهر العظيم.

لقد عبّر النبي الكريم ـ صلى الله عليه وآله ـ عن هذا الشهر بقوله: «هو شهر دُعيتم فيه إلى ضيافة الله». فجميعنا ضيوف الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر، ويحظى مقام الضيف في الإسلام بغاية التقدير، حيث عبّرت الأدعية الشريفة عن مقام هكذا ضيف بالتالي: «لكل ضيف قِرى وأنا ضيفك فاجعل قراي الليلة الجنّة».

فيجدر بنا أن نتأمّل في مكانة هذا الشهر ونعرف قدره ونجلّله أكثر من ذي قبل.

إنّ رعاية بعض الأمور والاهتمام بها في طول السنة لكل فرد مكلّف، إما واجب عيني أو واجب كفائي، ولكن هذه الأمور تحظى بأهمية أكثر وأكثر في شهر رمضان العظيم، ويجب الاهتمام بها أحسن وأحسن.

وهذا الأمر يستلزم العزم الراسخ الذي يشير إليه مولانا الإمام الكاظم صلوات الله عليه في حديث شريف له، حيث قال: (إنّما هي عزمة). وأصل معنى (عزمة) التصميم، والتاء فيها تاء المبالغة، أي التصميم الأكيد والراسخ والمستحكم. فالمرء ولأجل القيام بعمل أو الوصول إلى ما يريده ويطلبه، يصمّم على السعي والجدّ حتى يناله، ولكن هذا المطلب، ومهما يحظى بأهمية كبيرة، بحاجة إلى تصميم أقوى. والموفقيّة في هذا الشهر العظيم كذلك بحاجة إلى تصميم راسخ وهمّة عالية، وإلاّ ستقلّ الموفقية للإنسان وتكون حسرة عليه.

شهر الطاعة الإلهية

لقد ذكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه خطبة عن النبي الكريم صلى الله عليه وآله، تتضمّن مطالب تحظى بالأهمية. ومما يلفت النظر في هذه الخطبة، عبارة رغم ما لها من الأهمية الكثيرة، لم يتم التطرّق إليها كثيراً. فكما تعلمون أنّ الواعظين قد شرحوا وبيّنوا كثيراً بعض المطالب كالإطعام والصيام وصلة الرحم وما شابهها، ولكن ما أريد أن اُبيّنه لم يتطرّق إليه كثيراً. والرواية المذكورة هي في زمرة الروايات المستفيضة، ونقلتها العديد من آثار وكتب المحدّثين بأسانيد وتعابير مختلفة. وسأتكلّم وبشكل مختصر حول تلك العبارة من خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم اُشير إلى مطلب آخر.

يقول سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبته الشريفة: «من أدّى فريضة من فرائض الله كان كمن أدّى سبعين فريضة من فرائض الله فيما سواه من الشهور».

وكلمة (فرض) نكرة لها الإطلاق مع أنّها استعملت في سياق الإيجاب. وللواجبات دائرة واسعة ومصاديق متعدّدة، ومنها: الصيام، والصلاة، والحجّ، وحقوق الزوج والزوجة تجاه بعضهما، وحق الوالدين والأبناء بعضهم لبعض، وحقّ الله تعالى على الناس، وحقّ النبي الكريم صلى الله عليه وآله على الناس، وحقّ العترة الطاهرة صلوات الله عليهم على الناس، وغيرها، التي هي كلّها في زمرة الواجبات. ولكن الواجب الذي يحظى بأهمية أكثر في هذا الشهر، العمل بالأمر الإلهي التالي: (اتقوا الله ما استطعتم).

وواجب مؤكّد

كذلك من الواجبات العينية التي هي واجب مؤّكد على كل فرد، الاهتمام بالنفس وتزكيتها. وحسب التعبير العلمي يجب تهيئة مقدّمات وجود هذا الاهتمام. فكما أنّه حينما يجب الحجّ على شخص، يجب عليه أن يهيّئ مقدّمات سفره إلى الحجّ. وهكذا يجب على كل فرد تهيئة مقدّمات نيل التقوى. وفي هذا الصدد عبّر خبراء العلوم الحوزوية بأنّ مقدّمات وجود الواجبات المطلقة، واجبات عينية عقلية. ولذا، إنّ اُمرنا من الله تعالى بالتحلّي بالتقوى، فيجب أن نعمل على عدم حصول حرام في حياتنا وأن لا نترك أي واجب. ولنيل هكذا موفقيّة يجب تهية مقدّمات وجوده. وخير فرصة في هذا المجال هو شهر رمضان العظيم، مع أنّ ذلك هو من الواجب طول السنة.

أضعاف من الأجر

كما تم بيانه، أنّ ثواب العمل بالواجب في هذا الشهر الشريف يعادل ثواب سبعين واجب في سواه من الأشهر الأخرى. فمثلاً: إن أدّينا صلاة الصبح في هذا الشهر، فثوابها أكثر من ثواب أدّائها في طول شهري شوال وذي القعدة، لأنّ ثواب صلاة واحدة في هذا الشهر يحسب بسبعين ضعف، في حين أنّ مجموع شهري شوال وذي القعدة معاً ستين يوماً. وكذلك الأمر بالمعروف في هذا الشهر، ثوابه أكثر من الأمر به في باقي أيّام السنة، أي أكثر بسبعين ضعف. وكذلك الدفاع عن القرآن الكريم والنبي الأعظم صلى الله عليه وآله قبال الأكاذيب وما ينسب إليه صلى الله عليه وآله من الافتراء من قبل المنافقين من أصحابه، وتتناقلها إلى اليوم المئات من القنوات الفضائية. وبسبب عدم وجود من فيه الكفاية بالعصر الراهن، تبدّل أمر الدفاع المذكور إلى الواجب العيني، وثوابه أكثر بسبعين ضعف من العمل به في باقي أيّام السنة. وفي رأس قائمة الواجبات على كل رجل وامرأة في هذا الشهر، وكما تمّ بيانه، العمل بالأمر الإلهي (اتقوا الله ما استطعتم) ويجب تهيئة مقدّمات وجوده.

واجب عقلي

بهذا الخصوص، يوجد بحث بين العلماء وهو: هل أنّ مسألة نيل التقوى غير منفصلة عن سائر الواجبات، فهل هو واجب عقلي؟ والخوض في هذا البحث يتطلّب فرصة أخرى، ولكن باختصار يجب أن نقول: لقد قبلت شخصياً بأنّ نيل التقوى بما أنّه أمر عقلي وفي مرتبة السببيّة، إذن هو واجب عقلي. ولكن هذا الحكم للذين يدركون الفرق بين الحكم الشرعي والحكم العقلي. في حين أنّه يجهل الكثير من الناس هكذا مقال، ولا يدركونه. وبالنتيجة أن نيل التقوى هو في دائرة الواجبات الشرعية والتعبّدية، والخوض في هذا الموضوع وتهيئة مقدّمات نيل التقوى، واجب على الجميع. وشهر رمضان العظيم فرصة استثنائية، وأفضل من سائر أيّام وأشهر السنة، بأن نخطوا فيه في طريق نيل التقوى، عبر الاستفادة من الأدعية والزيارات ومواعظ الوعّاظ.

أسوة الطاعة الإلهية

في مجال نيل التقوى، اُشير إلى قصّتين عن كبيرين من أكابر الشيعة، وهما مشهورتان ونقلتها الكتب. وكانت القصّة الأولى قبل قرابة ثمانين سنة، وهي حول المرحوم الوالد (آية الله العظمى السيّد الميرزا مهدي الحسيني الشيرازي قدّس سرّه). في ذلك الزمان، توفّي آية الله العظمى السيّد أبو الحسن الأصفهاني، وبعده وباثنين أو ثلاثة أشهر توفي السيّد حسين القمّي رضوان الله تعالى عليهما، ووصلت مرجعية الشيعة إلى عدد من العلماء في العراق وإيران، ومنهم المرحوم الوالد، الذي كان يسكن كربلاء المقدّسة ومتصدّياً للحوزة العلمية فيها. وكان يدفع الراتب الشهري لطلبة العلوم الدينية. وكان مجموع الراتب الشهري الذي يدفعه للطلبة أقلّ من ألف دينار عراقي. وكان الدينار العراقي حينها يعادل مثقالاً من الذهب، وكان ثمن الكيلو من الذهب يعادل مئتي دينار عراقي. وكانت الحقوق الشرعية التي تصل للوالد لا تكفي لدفع رواتب الطلبة، وفكان يضطرّ إلى الاقتراض والاستدانة في كل شهر. ونقل لي أحد الأشخاص ما شهده هو وكان حاضراً حينها وقال:

ذات مرّة جاءه أحد المقلّدين عند المرحوم الوالد وكان من التجّار، وقال له: (إنّني كنت مديوناً للسيّد أبي الحسن الأصفهاني رضوان الله تعالى عليه سبعة عشر ألف دينار عراقي). وكما نقلوا أنّه كانت القوّة الشرائية للدينار في ذلك اليوم تساوي خروفاً واحداً، أي الدينار الواحد ثمن خروف، وسبعة عشر ألف دينار يعني ثمن سبعة عشر ألف خروف. وقال التاجر: (وإنّني قد أحسبت الحقوق مع السيّد وصرت مديوناً له بالمبلغ المذكور، وبعد وفاة السيّد أبي الحسن الأصفهاني عزمت على تقليدكم، والآن أريد أن أعطيكم المبلغ). وكان الوالد لم يك يتصرّف في الأموال سوى بإيصالها إلى المصالح العامّة للمسلمين وللفقراء من المسلمين وإلى المشاريع الاجتماعية والخيرية والدينية والثقافية ونحوها. لكنه سأل من ذلك المقلّد: (هل أنّك داورت هذا المبلغ مع السيّد الأصفهاني رضوان الله تعالى عليه؟) والمداورة شيء كان يعمله بعض العلماء، وهو أنّه عندما كان الشخص يحسب حقوقه ويكون مديوناً بمبلغ للمرجع، فكان يعطي ذلك المبلغ للمرجع، ثم يستقرضه منه لحاجاته ثم يعيده إلى المرجع شيئاً فشيئاً، أو بعد فترة من الزمن. وهذا الأمر يسمّى حسب المصطلح الفقهي بالمداورة. وقد أشكل عليها بعض الفقهاء في العصر الحالي، ولكنها مقبولة عند جلّهم. فقال التاجر: (نعم). فقال له الوالد: (إنّي لا آخذ هذا المال لأنّ السيّد أبي الحسن الأصفهاني رضوان الله تعالى عليه مات مديوناً، فتتبّع من الذي يطلبه من مال وأموال، وأعطهم طلبهم، لأنّ السيّد أبي الحسن الأصفهاني رضوان الله تعالى عليه كان يقترض ويعطي للمشاريع الخيرية والاجتماعية والصحيّة والإنسانية وللحاجات المختلفة وللفقراء، وكان عندما يحصل له العوز، كان يستقرض ويعطي ثم يؤدّي ديونه مما يحصل عليه، فصارت شبهة أنّك مديون للسيّد الأصفهاني وقد مات مديوناً).

 ولم يأخذ الوالد ذلك المال ولا حتى دينار واحد منه، وهو مبلغ كبير وله قوّة شرائية عظيمة في ذلك اليوم. ويقول الشخص الذي كان حاضراً عند مجيء التاجر ونقل لي ما حصل بينهما، قلت للسيّد (أي لوالدي): (هذا المال ليس ملكاً للسيّد أبي الحسن الأصفهاني وهو حقوق، وأنتم يراجعكم الكثير من المحتاجين، ولديهم الكثير من المشاريع الخيرية والثقافية والاجتماعية وغيرها، وأنتم لا تملكون ما تعطون لهم). فقال لي: (أمامنا نحن الآخرة، وهذا المال وباعتبار أنّ السيّد الأصفهاني مديوناً، أنا احتاط في أخذه، وإن كان هذا المال واقعاً حقوقاً شرعية، ولكنّي لا أترك الاحتياط ولا آخذ المبلغ، ولتوفّى ديون السيّد الأصفهاني بهذا المبلغ).

تأثير التقوى على النفس

هكذا تصنع التقوى بنفس الإنسان وتثبتها. فرغم أنّ المرحوم الوالد حكم في هذه المسألة بالاحتياط، ولم يفتي، وكان المبلغ الباهض المذكور، يكفيه لتأمين الراتب الشهري للطلبة لمدّة سنة، لكنه رفض استلامه ولم يأخذه. وأحياناً يفتي الفقهاء بفتوى لمقلّديهم لكنهم يراعون الاحتياط في مقامل العمل بها. ولقد أدركت العديد من الفقهاء الذين أفتوا بأنّه يكفي قراءة تسبيحة واحدة من التسبيحات الأربعة في الركعتين الثالثة والرابعة في الصلاة، لكنهم كانوا دائماً يقرؤونها ثلاث مرات. أو كانوا يفتون باستحباب غسل الجمعة، لكنهم كانوا يقيّدون أنفسهم بغسل الجمعة كل اسبوع. فهم كان يراعون الاحتياط بسبب نيلهم مراتب عالية من التقوى. ونحن جميعاً بإمكاننا أن نصل إلى هكذا مقام ومرتبة من التقوى باغتنام فرصة شهر رمضان العظيم.

فريضة منسيّة

القصّة والموعظة الأخرى ترتبط بالمجدّد الشيرازي الكبير رحمة الله عليه، وقد نقلتها في مناسبات سابقة، ومذكورة في كتب مختلفة أيضاً. في أواخر عمره الشريف، كان المجدّد الشيرازي الكبير قدّس سرّه مرجعاً عامّاً للشيعة، وكان حينها المرحوم السيّد محسن أمين العاملي رحمة الله عليه يسكن في مدينة النجف الأشرف، وكان يذهب عند المجدّد في مدينة سامراء المشرّفة. وكان المرحوم العاملي قد ذكر بعض المطالب حول المجدّد في كتابه (أعيان الشيعة) ومنها: (لم أر طيلة عمري، مرجعاً كالمجدّد الشيرازي الكبير، ولم أسمع وصفه من آخرين).

وهكذا تعابير قالها غيرهم حول المجدّد الشيرازي الكبير قدّس سرّه أيضاً.

ذات يوم ذهب شخص من إحدى المدن بالعراق إلى مدينة سامراء، وحضر عند المجدّد الشيرازي الكبير قدّس سرّه، وطلب منه المساعدة المالية. فأعطاه المجدّد حوالة مالية بمبلغ أربع ليرات (ما يعادل أربعة دنانير من ذهب) حتى يذهب بها إلى مدينة بغداد ويراجع أحد وكلاء المجدّد فيها الذي كان تاجراً ويأخذ منه المبلغ. ونقل المرحوم الوالد أنّ الليرة حينها كانت تعادل مصاريف عائلة من خمسة أفراد لمدّة شهر واحد إضافة إلى تسديد مبلغ إيجار دار السكن. فأخذ الرجل تلك الحوالة وتلاعب بها، وغيّر المبلغ من أربع ليرات إلى أربعمئة ليرة، وكان هذا المبلغ يعادل ثمن شراء عدّة دور سكنية حينها أو يعادل أكثر من كيلوين ذهب، وكان مبلغاً ضخماً. وبعد أن أعطى الحوالة لوكيل المجدّد، تعجّب الأخير من المبلغ المكتوب فيها، لأنّه لم يعهد من قبل أن تأتيه حوالات من المجدّد بهكذا مبلغ. ومن جانب لم يطمئنّ بأنّه قد تلاعب الشخص بالحوالة. ولهذا قال للرجل بأن يبقى كم يوم في مدينة الكاظمية المقدّسة وينشغل بالزيارة حتى يهيّئ المبلغ. وبعدها أرسل الحوالة إلى المجدّد الشيرازي في مدينة سامراء المشرّفة بيد مبعوث حتى يطمئّن من المبلغ المكتوب فيها. وبعد أن وصل المبعوث، سأل من المجدّد هل أنتم أعطيتم هذه الحوالة للشخص؟ فأخذ المجدّد الحوالة ونظر فيها وعلم ما الخبر، ولكنه لم يفش ما صار فيها وقال للمبعوث: نعم أنا أعطيت هذه الحوالة للشخص. وكان كلامه صحيحاً لأنّه هو أعطى الحوالة. فرجع المبعوث إلى التاجر ودفع الأخير المبلغ للشخص. ولم يفش المجدّد الشيرازي ولم يفصح عن هذه الحوالة لأيّ أحد. وبعد مدّة، وظنّاً منه أنّ المجدّد لم يعلم بما جرى وحصل، ذهب الرجل مرّة ثانية إلى زيارة الإمامين العسكريين صلوات الله عليهما في مدينة سامراء وبعدها زار المجدّد الشيرازي الكبير. وحينما أراد أن يودّع المجدّد ويذهب، طلب منه المجدّد أن يبقى قليلاً. وعندما خلت الغرفة من باقي الناس وبقيا لوحدهما فقط، وبدون أن يعاتبه، قال المجدّد الشيرازي الكبير وبهدوء للرجل: لا تفعل هكذا عمل مع أي شخص آخر، فلعلّه لا يحفظ حرمتك ويهتكها.

 وربّ سائل يقول: لماذا هكذا تصرّف المجدّد الشيرازي الكبير، مع أنّه كان يعلم بأن الرجل قد تلاعب بمبلغ الحوالة، وضاعف المبلغ أضعافاً كثيرة، لا يناسب حتى شأنيّة الرجل.

حرمة المؤمن

النقطة المهمة جدّاً والظريفة في هذه القصّة، التي لا يهتمّ بها أحد، حفظ حرمة المؤمن. والمقصود من كلمة المؤمن، لا يعني أمثال سلمان وأبي ذر فقط، فهذين في المراتب الراقية من الإيمان، ولكن دائرة الإيمان كبيرة ووسيعة، فهي تشمل كل من يؤمن بالأصول الخمسة (التوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة والمعاد) والإيمان في مقابل الإسلام، وللمؤمن حرمة كبيرة بالنسبة إلى المسلم، لأنّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه الحكيم: «قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»، وحتى لو ارتكب بعض المحرّمات.

بالصدد المذكور أذكر رواية صحيحة عن مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه، أنّه قال: (المؤمن أعظم حرمة من الكعبة). علماً بأنّه توجد روايات أخرى بالمضمون نفسه، وأسانيد بعضها مستفيضة وبعضها صحيحة أيضاً. وهذه الرواية عن الإمام الصادق صلوات الله عليه تحظى بسند صحيح ويمكن للصائم أن ينسبها إلى الإمام صلوات الله عليه.

يعلم أهل العلم أنّ كلمة (المؤمن) لها الإطلاق. فإن يك للإيمان عشر درجات، فإنّ أمثال سلمان وأبي ذر، وكما ذكرت، يحظون بالمراتب العالية من الإيمان. وأما الذين في المراتب الأدنى فهم في زمرة المؤمنين أيضاً. ففي رأي الإمام الصادق صلوات الله عليه أنّ للكعبة حرمة ومقاماً رفيعاً، وهو المكان الذي صلّى باتّجاهه أشرف الأولين والآخرين، سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله، ويصلّي باتجاهه كل المسلمين، والكل قد اُمروا أن يدفنوا أمواتهم باتجاه الكعبة، وأن يذبحوا الذبائح باتجاهها. وغيرها الكثير من هكذا موارد، التي يعلم بها الإمام الصادق صلوات الله عليه قبل الكل، ومع ذلك يقول صلوات الله عليه بأنّ المؤمن أعظم حرمة من الكعبة.

سبب للأزمات

فلنتأمّل بهذا الأمر لنرى كم يتم مراعاة هذا الأمر في المجتمع؟ أو هل يحظى باهتمام كبير؟ فكلنا نشهد بأنّ الزوجين تجاه بعضهما، والوالدين والأولاد تجاه بعض، أو الحكومات الإسلامية تجاه شعوبها، وعامّة الناس بعضهم تجاه بعض، يقصّرون في هذا الأمر ويهتكون الحرم، وبلغ الأمر إلى أنّ حرمة المؤمن في المجتمعات الإسلامية قد تنزّلت عن مكانتها الحقيقية، ولعلّ سبب الأزمات والأوضاع السيّئة الموجودة اليوم في المجتمعات الإسلامي نسبة إلى المجتمعات غير الإسلامية، هو عدم رعاية هذا الأمر، أي حفظ حرمة المؤمن. فحينما يقول الإمام الصادق صلوات الله عليه بحرمة المؤمن، يجدر بالجميع أن يهتمّوا لهذا الأمر اهتماماً خاصاً، وأكثر من ذي قبل، وأن يذكره خطباء المنبر الكرام أكثر وأكثر. فيجب أن ينمو التقوى في مفاصل الحياة بحيث تحفظ حرمة المؤمن في المجتمعات الإسلامية. فالمجدّد الشيرازي الكبير قدّس سرّه كان فقيهاً من الطراز الرفيع والعالي، فهكذا اهتمّ لتلك المسألة ولم يهتك حرمة ذلك الرجل عند وكيله، رغم أنّ الرجل قد تلاعب وقام بالتزوير. فمن المسلّم به أنّه قدّس سرّه كان يعلم بحقيقة الأمر وعلى اطّلاع به، وكان له في تلك اللحظة الانتخاب الصحيح بين الأهمّ والمهم، مع أنّه كان يمكنه أن يقول لوكيله بأن يعطي الرجل أربع ليرات فقط، فحينها كان سيعرف الوكيل أصل ما حدث. فيجب أن نصمّم في شهر رمضان العظيم على أن ننال هكذا مرتبة من التقوى، رغم أنّها ليست المرتبة القصوى للتقوى وفي غاية التقوى.

الحدود الإلهية

وفقاً لما مرّ ذكره، لا يجوز للمؤمنين، وبالأخص للنساء والأزواج الذين يختلفون مع بعض، أن يهين أحدهم الآخر، فضلاً عن أن ينسب أحدهم الكذب للآخر. فالأمر الوحيد الذي يحقّ لنا أن نذكره وننقله للآخرين هو مقدار الظلم الذي نتعرّض له، لا أكثر من ذلك. ومن الجدير في هذا المقام أن أذكر لكم قصّة أخرى عن المرحوم الوالد، التي لم أسمعها منه، بل نقلها لي غيره. فذات يوم حضر المرحوم الوالد والمرحوم السيّد حسين القمي رضوان الله تعالى عليهما في جلسة خاصّة. فدخل شخص وذكر للمرحوم القمّي الظلم الذي تعرّض له، وكان المرحوم الوالد جالساً جنب السيّد القمّي. وبعد أن أكمل الشخص شكواه، التفت السيّد القمّي إلى المرحوم الوالد وقال له: (أي جواب أذكره لهذا الشخص؟) ورغم أنّ الفاصلة بين الوالد والسيّد القمي لم تك كبيرة وكان جنبه، قال الوالد: (أنا لم أسمع شكوى الرجل). فالرجل كان قد لحقه الظلم، وشكاه إلى المرحوم القمّي حيث كان يذكره له، ولكن الوالد لم يلتفت إلى كلام الرجل وكان منشغلاً بالذكر. والنقطة المهمّة في هذه القصّة هي أنّه رغم جواز غيبة الشخص الذي يظلم، ولكن هل يجوز لنا أن نستمع أو نسمع كلام الشخص الذي يشكو من ظلم ويقوله لغيرنا؟ فهذا محلّ تأمّل.

العمل بما نقول

يمكن للمرء أن يغتنم شهر رمضان العظيم لهكذا أمور ويربّي نفسه. ومقدّمات هكذا مورد وهكذا نتيجة، مراجعة الأدعية والزيارات والروايات الواصلة عن أهل البيت صلوات الله عليهم، وقراءتها في الشهر العظيم. وكذلك يمكن التعلّم من وعّاظ المنبر الكرام، والتصميم باللحظة على الاتّعاظ بالمواعظ. ويجدر بالوعّاظ أن يعملوا بما ينصحون به أيضاً. ففي قسم من الأدعية الواردة بخصوص شهر رمضان العظيم، نقرأ العبارة التالية: (اللهم.. واجعل صالح ما نقول بألسنتنا نيّة في قلوبنا). ولذا يلزم أن نعمل نحن أيضاً بما نذكره للآخرين بألسنتنا ونوصيهم به.

خلاصة القول: يجب أن نُعلم الآخرين ونُفهمهم بأن يحتاطوا في باب حفظ حرمة المؤمنين، لأنّ خلاف هذا الأمر هو من المحرّمات الإلهية. وحتى لو أردنا أن نشكو ظلماً قد ارتكبه شخص بحّقنا لشخص آخر، فيلزم علينا أن نكتفي بذلك المقدار، ولا يحقّ لنا أن نتجاوز عن غير الظلم بقولنا وذكرنا لأمور أخرى. فمثلاً إذا أتلف شخصاً مقدار مليون دينار من أموالنا، فلا يحقّ لنا أن نذكر ونقول بأنّه أتلف أكثر من مليون دينار وننسبه إليه أو ننقله. فهكذا عمل هو تجاوز أكثر من الحدّ عن الحقّ الذي جعله الله سبحانه وتعالى لنا، وهو مصداق الآية الشريفة التالية: «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ».فلقد جعل الله تبارك وتعالى لكل عمل في هذه الدنيا حدّاً وحدوداً، ولا يمكن أن نتعدّاها.

حقيقة مرارة الدنيا

أرى من المناسب أن اُشير إلى رواية عن مولانا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه لكي تعيننا على رعاية تلك الموارد، وهي رواية مذكورة في الكتاب القيّم (نهج البلاغة) وكتب أخرى.

يقول مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه حول المرارة في الدنيا: (مرارة الدنيا حلاوة الآخرة). ولتقريب المطلب أذكر مثالاً: لم أر أحداً قد فرح لتعرّض بيته إلى السرقة، ولكن إن يقال لشخص إذا سرقوا أموال بيتك، فأنا أعطيك ضعفي عن كل ما تم سرقته، فهكذا شخص، لا شكّ، سيفرح من سرقة بيته. وهكذا هو حالنا مع ألطاف الله تعالى في عالم الآخرة. فوفقاً لقول مولانا الإمام أمير المؤمنين إنّ مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وبناء على سائر الروايات عن أهل البيت صلوات الله عليهم، فإنّ الله جلّ وعلا يعوّض المرء أضعاف وأضعاف ما يراه من الصعوبات في الدنيا ومن المشاكل والأمراض وسائر البلايا الأخرى. فقد ذكرت الروايات الشريفة إنّ مما يعطيه الله تعالى للمؤمن في الآخرة من الثواب تجاه الحوائج التي لم تقض له في الدنيا، بشكل بحيث يتمنّى ياليت كل حوائجه في الدنيا لم تقضى، ومنها الحديث الشريف التالي: (لتمنّى لم تقض له حاجة). وهذه العبارة هي نكرة في سياق النفي، وتدلّ على هذا المطلب وهو أنّ المؤمن وبعد التفضّل الإلهي الكبير له قبال الحاجات التي لم تقضى له، يتمنّى لو لم تقضى حوائجه كلّها في الدنيا. ونظراً لهذا الحساب الإلهي والتفضّل العظيم من الله عزّ وجلّ على المؤمن في الآخرة، يجدر بالمرء أن يصبر على المرارة والصعوبات الدنيوية وأن يكون صبوراً وأن يحفظ نفسه من ورطة ارتكاب المعاصي والذنوب.

صبر وحلم

وعليه فمن الحسن وبمحلّه أن يتحمّل النساء التعامل غير الصحيح من أزواجهنّ، بل وأن يتذكّرن الثواب والأجر الذي ينتظرهنّ ويفرحن له، فإنّ الله تعالى يسهّل كل الصعوبات التي تعترضهنّ ويجبرها بالثواب الأخروي الذي لا عدّ له. وكذلك إن كان الزوج مبتلياً بزوجة سيّئة، أو بالنسبة للعلاقات بين الأرحام، وحتى بالنسبة إلى البائع والمشتري، حال ارتكاب الغش والتدليس في المعاملة، فإنّ كل من يصبر منهم ويحلم، سينال الأجر الأخروي الكثير والكثير والمضاعف. علماً بأنّه تأتي بهذا الخصوص العناوين الثانوية مثل إصلاح الفساد أو منعه وغيره، فهذا له الحكم المختصّ به وهو ليس محلّ كلامنا. فالأجر والثواب الذي تم ذكرهما هما في مقابل المرارة الفردية للإنسان التي يراها في حياته اليومية. وإذا تحمّل المؤمن وصبر على العديد من المرارة التي يراها حين قيامه بالخدمة في سبيل الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله وأهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم، فهذا ما لا حدّ ولا عدّ من الأجر. ونظراً لما تم ذكره، يجب عينياً على كل فرد أن يخطو في مسير العمل بالأمر الإلهي «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وأية فرصة أفضل وأحسن وأنسب من شهر رمضان العظيم؟ فالأرضية في الشهر المبارك العظيم للتقرّب أكثر إلى مقام القرب الإلهي ونيل رضا الله تعالى، متوفّرة أكثر وميسّرة بكثرة، ويجب أن نستفيد منها.

واجبنا اليوم

الأمر الآخر المهم وهو الذي اخُصص له القسم الثاني من كلامي، الواجب الكفائي الذي تبدّل اليوم إلى الواجب العيني، لأنّه لا يوجد حالياً من فيه الكفاية للقيام به، وهو الدفاع عن ساحة القدس للقرآن الكريم. فلو راجعنا محتويات ما تبثّه القنوات الفضائية، سنرى أنّه في عالم اليوم العشرات من القنوات الفضائية التي جعلت في رأس قائمة أعمالها الكذب على القرآن الكريم وإهانته، وهذه ليست منفصلة عن سائر الإهانات الأخرى، ومنها: حرق المصحف الشريف الذي يحدث بين حين وآخر في أطراف العالم. فبعض من يعرّف نفسه بالمتعلّم والمثقّف، يقوم بطبع كتب في ردّ القرآن، وبشكل خاص حول ما يسمّونه بالتناقضات الموجودة في القرآن الكريم. ولهذا الأمر جذور عتيقة وحصلت حتى في زمن الأئمة صلوات الله عليهم، ومنها الشخص المدعو بالكندي في زمن مولانا الإمام الهادي صلوات الله عليه، وكان من الفلاسفة، كتب كتاباً في تناقضات القرآن الكريم. وأتذكّر في زمن انتقال العراق من الملكية إلى الجمهورية، كانوا يجلّون مكانة الكندي كثيراً، لأنّه كان يعيش في بغداد، وقد ألّف الكندي كتاباً بعنوان (تناقضات القرآن) زمن حياته. علماً بأنّه يجب أن نعرف جيّداً أنّه لوجود حتى تناقض واحد يجب أن تتوفّر ثمانية موارد، يعرفها أهل العلم.

نموذج من المشكّكين

ذات يوم دخل (بعض تلامذته ـ أي الكندي ـ على الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه فقال له الإمام: أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي فيما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فقال التلميذ: نحن من تلامذته كيف يجوز منّا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره؟ فقال أبو محمد صلوات الله عليه: أتؤدّي إليه ما ألقيه إليك؟ قال: نعم، قال: فصر إليه، وتلطّف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت الأنسة في ذلك فقل: قد حضرتني مسألة أسألك عنها فإنّه يستدعي ذلك منك، فقل له: إن أتاك هذا المتكلّم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم به منه غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذهبت إليها؟ فإنّه سيقول إنّه من الجائز لأنّه رجل يفهم إذا سمع فإذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعلّه قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه، فتكون واضعاً لغير معانيه. فصار الرجل إلى الكندي وتلطّف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة، فقال له: أعد عليّ! فأعاد عليه، فتفكّر في نفسه، ورأى ذلك محتملاً في اللغة، وسائغاً في النظر. فقال: أقسمت عليك إلاّ أخبرتني من أين لك؟ فقال: إنّه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك فقال: كلا، ما مثلك من اهتدى إلى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة فعرّفني من أين لك هذا؟ فقال: أمرني به أبو محمد، فقال: الآن جئت به، وما كان ليخرج مثل هذا إلاّ من ذلك البيت، ثم إنّه دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألّفه). وهكذا اليوم، يوجد من ينشر ما يسمّونه بالتناقضات في القرآن عبر القنوات الفضائية، فيجب على الجميع أن يردّوها ويجيبوا عليها.

الدفاع عن النبي وعترته

كذلك اليوم نرى من يُهين ساحة القدس للنبي الكريم صلى الله عليه وآله، ونشهد الأكاذيب التي ينشرها غير المسلمين والمنافقين من المسلمين وينسبونها لرسول الله صلى الله عليه وآله ويتقوّلون بها عليه، وهي كلمات سيّئة وبغير حقّ ومجعولة من المنافقين الذين كانوا ضمن أصحاب النبي الكريم صلى الله عليه وآله. ومما ينسبوه إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله هو أنّه كان ذات يوم يستمع إلى الغناء، فدخل عليه أحد المنافقين، فلما رآه النبي أمر من كان معه وحوله أن يكفّوا عن الغناء، وقال: هذا الذي دخل علينا لا يسمع الباطل. أستجير بالله تعالى من هكذا فضاعة تنسب إلى النبي الكريم صلى الله عليه وآله. فيجدر بالذين يرخصون أنفسهم لأنّ يصدّقوا هكذا أكاذيب وتهم، أن يسألوا أنفسهم: لماذا ذلك الشخص الذي لا يسمع الباطل ما صار نبيّاً؟! وهذا المطلب والعشرات منه يُذكر إلى اليوم في مختلف الكتب وفي القنوات الفضائية وبمختلف اللغات. فإنّ ما يُنسب من غير الصحيح والسيّئ إلى النبي الكريم صلى الله عليه وآله لا انتهاء له، ويشمل سائر المعصومين صلوات الله عليهم أيضاً. وقد انطلى على الكثير من الناس هكذا أكاذيب وضلّوا. فيجب اليوم، مؤكّداً، مواجهة كل هذه الهجمات.

تأثير كتاب الغدير

لقد رحل عن الدنيا المرحوم السيّد أبي الحسن الأصفهاني رحمة الله عليه قبل قرابة ثمانين سنة. وقبل قرابة مئة سنة كتب شخص مقالة ضدّ الشيعة وادّعى فيها أنّ الشيعة لا كتب لهم ولا تأليفات ولا علماء كبار، وليس لهم أيّة فكرة أو نظرية حتى للوقت الراهن وللعالم المعاصر. وبتشجيع من المرحوم السيّد أبي الحسن الأصفهاني وغيره، تم تأليف ثلاثة كتب في الردّ على الشخص المذكور. فقد ألّف الشيخ علي كاشف الغطاء كتاباً عرّف فيه علماء التشيّع باسم (الحصون المنيعة)، وذكر فيه أحوال وسير الآلاف من علماء الشيعة. وكتب المرحوم الشيخ أقا برزك كتاباً حول آثار وكتب الشيعة وسمّاه بـ(الذريعة) وتم طباعته وذكر فيه أسماء عشرات الآلاف من كتب الشيعة المؤلّفة والمكتوبة. وكتب شخص ثالث وهو المرحوم العلاّمة الأميني كتاباً قيّماً باسم (الغدير) عرّف فيه أفكار وفكر الشيعة للعالمين. وكما تعلمون أنّ كتاب الغدير ولحد يومك هذا صار نبراساً لهداية واستبصار الكثير من الناس بنور أهل البيت صلوات الله عليهم، وسمعنا عن ذلك مختلف القصص. وأتذكّر أنّه في الأيّام التي كان العلاّمة الأميني راقداً فيها بالمستشفى ولم يستطع التكلّم، كانت تربطني علاقة مع شخص من عائلة ناصبية وكان قد استبصر بواسطة كتاب الغدير، وكان يلتقي بي لأخذ أجوبة على بعض الأسئلة. ولم أك أسكن في إيران، فقلت لأحد أقاربنا ذات يوم أنّ العلاّمة الأميني الآن في المستشفى ولا يستطيع حتى على الكلام، ولكن كتابه يُهدي الناس.

وسيلة اليوم

هؤلاء الأكابر قد عملوا بمسؤولياتهم وأدّوا ما عليهم. ولكن اليوم، من يقف أمام غزو الأعداء؟ فمن الجدير والمفيد بهذا الصدد تأليف الكتب. ولكن عصرنا الراهن هو عصر القنوات الفضائية، فكما يستفيد أهل الباطل من هذه الوسيلة الإعلامية لنشر أفكارهم، وينشرون الأفكار الباطلة في الآلاف من القنوات الفضائية، يجب علينا أن نستفيد من هذه القنوات في أرجاء العالم أيضاً، في سبيل نشر وتعميم المعارف والثقافة السليمة والجميلة لأهل البيت صلوات الله عليهم. فبيد المسلمين القرآن الحكيم وكذلك نهج البلاغة والصحيفة السجّادية وهي كتب لا نظير لها في تاريخ البشرية ويجب إيصال معارفها للعالم كلّه. فكما سمعنا ورأينا اليوم، تقوم القنوات الفضائية بنشر وترويج الروايات الموضوعة المصنوعة من قبل المنافقين، وتنسب إلى النبي الكريم صلى الله عليه وآله، ويكرّرون ويكرّرون نشرها وبثّها. علماً بأنّ المنافقين هم أكبر عدو للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله، كما خاطب الله عزّ وجلّ رسول الله صلى الله عليه وآله بالنسبة إلى المنافقين، بقوله عزّ من قائل: (هم العدوّ). فلم يك المشركون واليهود والنصارى هم الأكثر عداوة للنبي صلى الله عليه وآله، بل وكما تبيّنه الآية الشريفة التي ذكرناه إنّ العدو الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه وآله هم المنافقون، فإنّ الله تعالى استفاد في الآية الكريمة من قاعدة (تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر) ويقال لذلك الحصر في الآية بالحصر الإضافي.

إذن، لماذا لا تقم القنوات الفضائية في المجتمع الشيعي بعمل لأجل إزالة ورفع التهم عن ساحة القدس لرسول الله صلى الله عليه وآله؟! فيجب على هذه القنوات الفضائية، وفي طول السنة أن تقوم بالفعاليات التي تصبّ بنشر المفاهيم والمعارف لكتب التشيّع القيّمة، مثل: نهج البلاغة والصحيفة السجّادية. فمفاهيم هذه الكتب تجذب المتعلّمين والمثقّفين وأصحاب الضمائر وتهديهم.

صحيفة الهداية

قبل قرابة ستين سنة، وحينما كنت في كربلاء المقدّسة، استبصر أحد الأدباء الكبار المصريين وتشيّع. وكان على علم ومعرفة باللغة العربية وبالصرف والنحو وبأدب العرب باعتباره أديباً، فصار سطر واحد من الصحيفة السجّادية سبباً لاستبصاره وهدايته. وعندما سألوه عن سبب استبصاره وتشيّعه، طلب منهم أن يعقدوا جلسة معه لكي يتحدّث عن سبب تشيّعه. فقال في تلك الجلسة: (جملة واحدة من مناجات الإمام زين العابدين صلوات الله عليه مع الله تبارك وتعالى صارت السبب لهدايتي، وهي هذه الجملة الفريدة: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَصُولُ بِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ»).

لتقريب المطلب للأذهان، اُقدّم توضيحاً حول تلك الجملة، حتى يفهم أولئك الذين لا معرفة لهم بالبلاغة العربية بمضمون تلك الجملة ويدركوا معناها. فكلمة (أَصول) الواردة في كلام الإمام صلوات الله عليه من أصل (صولة). وهذه الكلمة تستفاد للحصان في ساحة الحرب فقط وحسب، لأنّ هذا الحيوان يظل صامداً في الحرب إلى آخر نفس، رغم ما يتعرّض له من الجراحات الشديدة، ولا يفرّ من الحرب. ولهذا لم يستفيدوا في الحروب سابقاً من الحيوانات الأخرى كالبعير أو البغل، سوى الخيول. ويقال لحالة الحصان التي ذكرناها (صولة). وتعني كلمة (ضرورة) منتهى الضعف وعدم القدرة، ويقال ضرورة للحالة التي لا يبقى فيها للإنسان أي قدرة ولا أمل ولا قوّة. ولهذا يذكر علم الفقه مطالب في هذا الباب، وتتغيّر بعض الأحكام في حال الضرورة إلى الحكم الثانوي.

في الجملة المذكورة، يخاطب مولانا الإمام زين العابدين صلوات الله عليه الله تعالى بنحو جميل جدّاً لا نظير له ويقول: إلهي في تلك اللحظة التي أفقد فيها القدرة ولا أستطيع القيام بأي عمل، فأنت، صاحب القدرة المطلقة اللامتناهية، لي واعتمادي بك وإيماني عليك، فأعنّي في تلك اللحظة لكي أواجه الشدائد بكامل القدرة. فهل تجد هكذا مطالب فريدة ولا نظير لها في كتب أخرى للآخرين، غير نهج البلاغة والصحيفة السجّادية؟

طريق لهداية البشرية

لماذا لا تقوم القنوات الفضائية بإيصال تلك المعارف إلى البشرية؟!

لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله ومراراً وكراراً: (فليبلّغ الحاضر الغائب). فـ(اللام) في الجملة هي لام الأمر وتدلّ على الوجوب. ومن جانب آخر صدر هذا الأمر بنحو مطلق، ويعني أنّ أمر الإبلاغ واجب على الجميع في كل زمان ومكان، ويجب على الكل أن لا يقصّروا في هذا السبيل. فعصرنا الراهن وعالم اليوم، هو عصر الفضائيات وعالم الانترنيت وما شابه من هذه الوسائل الإعلامية والتواصل الاجتماعي، اللذين يستفاد منها أهل الفساد حالياً. ومن هذا المنطلق، شهر مضان العظيم خير فرصة للاستفادة من تلك الوسائل لنشر معارف أهل البيت صلوات الله عليهم وعولمتها. فلتهتم وتشارك كل حسينية في كل نقطة من نقاط العالم في إيصال ثقافة القرآن والعترة الطاهرة للنبي الكريم صلوات الله عليهم أجمعين إلى العالم كلّه، فالقرآن والعترة قد أوصى بهما رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي كِتَابَ اَللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي». فربما العديد من الناس في أقصى نقاط العالم، يسبقون من هم حولنا ويجدوا طريق الهداية. ومن أبرز النماذج على هذا الكلام، أبوذر رضوان الله تعالى عليه وأبو لهب عمّ النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله. فلقد كان أبو لهب يعيش بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يعاشره أحياناً، ولكن آلت عاقبته أن نزل قوله تعالى بحقّه وهي الآية الشريفة: (تبّت يدا أبي لهب). وفي المقابل، أبو ذر الغفاري، جاء من قرية نائية وبعيدة عن مكّة المكرّمة واهتدى بعد أن لقي رسول الله صلى الله عليه وآله لمرّة واحدة، وآمن بالنبي. فالذين يعيشون حولنا إذا لا يتغيّرون بكلامنا ولا يقبلوا الهداية، فهذا لا يعني أن هكذا يكون الذين يعيشون في النقاط البعيدة من العالم ولا يقبلوا بكلامنا. وبغضّ النظر عن هذا المطلب، إنّ أمر الإبلاغ مسؤولية واجبة علينا، فيجب إيصال المعارف.

المهم أداء المسؤولية

كنت في بلد قبل سنين، وكانت تقام فيه جلسات، وكنت ألقي فيها كلمات. وكنت لحد ذلك اليوم لم أتكلّم عن مسألة الخمس، لأنّه بما أنّي من ذريّة السادة، كنت أظنّ أن بعض الأشخاص سيظنّون بأنّني أستغلّ هكذا موضوع لاستفادة شخصية. ولكن فكّرت عميقاً ذات يوم هل هكذا احتمال يحسب عذراً لي بين يدي الله تبارك وتعالى بأن لا أتطرّق إلى موضوع الخمس؟! ولذلك صعدت المنبر في يوم جمعة ووجّهت وجهي صوب الحضور وقلت لهم: (قبل أن أبدأ الكلام أريد أن أشير إلى مطلبين مهمّين: الأول: أنا من ذريّة السادة ويمكنني أن أستفاد من الخمس، ولكن طلبت من الله سبحانه وتعالى أن لا أقوم بهكذا عمل بلطفه، ولله الحمد وللآن لم أستفد من الخمس لمصرفي الشخصي. وأما المطلب الثاني: مع الظنّ بأنّه حتى لا يتصوّر بعضهم بأنّي أذكر هذا المطلب لأجل مصاريفي الشخصية، فهو عذر غير مقبول عند الله تعالى. ولهذا سأتطرّق في كلمتي اليوم إلى هذا الموضوع). وبعدها ذكرت بعض المطالب في وجوب الخمس. وفي عصر ذلك اليوم، جاءني شخص وأعطاني مقداراً كبيراً من المال لم يصلني مثله وبمقداره سابقاً أصلاً، وقال بأنّه لم يدفع الخمس أبداً وهذا المبلغ هو خمس رأسماله. الملفت للنظر في هذا الأمر أنّه كان يوم جمعة والبنوك معطّلة عن العمل والدوام لكي يأخذ الشخص المبلغ المذكور المعادل للخمس منها، بل كان قد اقترض واستدان المبلغ المذكور من أقاربه وكان يقول أخاف أن لا أبقى حيّاً إلى يوم غد. ففكّرت عميقاً لو أنّه لم أذكر موضوع الخمس في كلامي، لكان بإمكان هذا الشخص أن يشكوني عند الله تعالى بأنّني لم أطلعه على هكذا حكم. فالكثير من الناس لا اطّلاع لهم بالمعارف الإسلامية، ومن الممكن أن يؤثّر كلام واحد منّا عبر قناة فضائية على شخص يعيش بعيداً عنّا آلاف الكيلو مترات، وإلاّ ووفقاً لقول الله جلّ وعلا: «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ» و«لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ» سيشكونا ناس عند الله تعالى يوم القيامة بأنّنا لم نطلعهم على هكذا أمور ولم نوصل لهم هكذا مطالب.

عندهم ومنهم

يجب أن نعلم، بأنّ أصح وأنظف التعاليم هي في القرآن الحكيم وعند عترة رسول الله صلى الله عليه وآله الطاهرين، ولا ثالث لها.

لقد كان الحكم بن عتيبة أحد علماء وأئمة العامّة، وقد اُقصي وتُرك عندما انقسمت مذاهب العامّة إلى أربعة أقسام. وكان يعدّ نفسه عالماً مثقّفاً. وطبقاً لما نقلته كتب الروايات، ومنها وسائل الشيعة وغيرها، وحتى في كتب العامّة، أنّه جاء ذات مرّة إلى الإمام الباقر صلوات الله عليه، وطرح على الإمام مسألة، فقال له الإمام صلوات الله عليه بأنّ القول الصواب عندنا. وفي مرّة أخرى طرح بعضهم على الإمام الباقر صلوات الله عليه بعض المطالب عن ابن عتيبة، فقال الإمام في الجواب لهم: «فلیذهب الحكم یميناً وشمالاً. فوالله لایجد علماً إلاّ في أهل بیتٍ نزل علیهم جبرئیل ». واليوم بين أيدينا تلك المعارف لأهل البيت صلوات الله عليهم التي أنزلها عليهم جبرئيل عليه السلام. فلماذا لا تعرفها الدنيا وتجهلها؟! فإيصال معارف أولئك الأطهار صلوات الله عليهم للعالم واجب كفائي، ووفقاً لظروف اليوم، لا يوجد من فيه الكفاية، وصار هذا العمل واجب عيني على الجميع. فالكثير من الناس إذا اقتنعوا سيتغيّرون ويتحوّلون وينتخبون طريق الهداية، كما سمعنا ورأينا الكثير من تلك النماذج. فلذا يجدر بكل حسينية ومسجد وجامع وهيأة ومؤسسة، أن تؤسس أو تطلق خلال العقد القادم، قناة فضائية لتوصل عبرها معارف أهل البيت صلوات الله عليهم إلى العالم. علماً بأنّ إبلاغ معارف أهل البيت صلوات الله عليهم هي على قسمين: واجب مطلق، وواجب كفائي، وبما أنّه لم يتيسّر اليوم من فيه الكفاية، فإنّ هذا الأمر واجب عيني.

فرصة التبليغ

بخصوص ما مرّ ذكره، فإنّ شهر رمضان العظيم، فرصة مناسبة لتحقّق ما تم بيانه، والعمل به عمل بفريضة من فرائض الله تعالى. ونظراً إلى الحديث النبوي الشريف الذي صدّرنا به كلامنا، فإنّ أجر العمل بذلك الأمر في شهر رمضان العظيم بسبعين ضعف، أكثر من العمل به في غيره من الأيّام والشهور. فلذا يجب علينا أن لا نغفل عن هكذا فرصة حتى نأمن الندامة في يوم الآخرة.

إذاً، على كل مؤمنة ومؤمن يسمعا كلامي بأيّة طريقة، أن يقوموا بالفعاليات ويبذلوا المساعي في هذا الشهر الشريف وكذلك في غيره من أيّام السنة. فهذا العمل يجعلهم يرتقون في مراتب التقوى، وكذلك عبره يكونوا قد امتثلوا لمسؤولية الواجب عليهم.

أسأل الله تبارك وتعالى، أن يوفّقنا جميعاً ويوفّق كل من يسمعوا كلامي، في هذا السبيل، أكثر وأكثر. وأنا أدعو للجيمع وأسأل الجميع الدعاء لي. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.

تعريب: علاء الكاظمي