كلمة سماحة المرجع الشيرازي دام ظله بمناسبة شهر محرّم الحرام 1445 هجرية

ألقى سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيِّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله كلمة، بمناسبة شهر محرّم الحرام 1445 للهجرة، بحضور جموع المبلّغين الدينيين، وذلك في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، مساء يوم الاثنين 28 ذي الحجّة الحرام 1444 للهجرة (17/7/2023م).

وفيما يلي نصُّها:

بسم الله الرحمن الرحيم

أرفع التعازي إلى المقام الشامخ، والرفيع، والنيّر، والمنيع، للإمامة الإلهية الكبرى، والإمامة العظمى، مولانا الحجّة بن الحسن المهدي عجّل الله تعالى في فرجه الشريف وصلوات الله وسلامه عليه.

 وأعزّي جميع المؤمنين والمؤمنات، والمظلومين في العالم، وأسأل الله عزّ وجلّ أن يعجّل في ظهور الإمام المهدي صلوات الله عليه، حتى تنجو البشرية، وبالخصوص المؤمنين، من المشاكل الكثيرة التي ابتليت بها.

 

خصائص إلهية

كلنا نعلم بأنّ مولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه في المرتبة الخامسة بين أصحاب الكساء صلوات الله عليهم، من ناحية المقام والدرجة، وأنّ المعصومين الأربعة من قبله هم الأفضل منه صلوات الله عليهم أجمعين.

وقد أشار الإمام الحسين صلوات الله عليه بنفسه إلى ذلك، وقال: (جدّي خير منّي، وأبي خير منّي، وأمّي خير منّي، وأخي خير منّي)، ولكن بالنسبة إلى التصرّف الإلهي في التكوين والتشريع، وبالنسبة إلى الآثار الإيجابية والسلبية تجاه القضية الحسينية المقدّسة، فهذا بالمرتبة الأولى.

وعليه، فما جمع من الخصائص الحسينية إلى اليوم، وكتبت، هي بنسبة واحد بالعشرة، قبال ما تذكره الروايات والأدعية الشريفة حول الخصائص الحسينية. فتشير بعض نصوص الروايات الشريفة إلى الخصائص الحسينية، في كلماتها ومواردها المتعدّدة. وأسأل الله تعالى أن يوفّق الجميع، إلى جمع الخصائص الحسينية من الروايات والأدعية الواردة عن المعصومين صلوات الله عليهم، أكثر وأكثر، وكتابتها وتبويبها، بالأخص الشباب من بنين وبنات، ولا شكّ ستكون موسوعة كبيرة، وبمجلّدات عديدة؛ فالله تعالى جعل للقضية الحسينية المقدّسة خصائص تكوينية وتشريعية، لم يجعلها لباقي المعصومين صلوات الله عليهم حتى للذين هم أفضل من الإمام الحسين صلوات الله عليه. علماً بأنّه يجب أن لا يتبادر إلى الأذهان أو نقول بأنّ الإمام الحسين صلوات الله عليه أفضل من الأربعة الأطهار أصحاب الكساء صلوات الله عليهم، كلا، فليس كذلك، فالإمام الحسين صلوات الله عليه بنفسه قد بيّن بأنّ المعصومين الأربعة قبله أفضل منه صلوات الله عليهم أجمعين. ولكن، شاء الله تعالى أن يجعل خصائص للقضية الحسينية المقدّسة، وهو جلّ وعلا منزّه عن الخطأ، وجعل خصائص تشريعية وتكوينية خاصّة وفريدة للإمام الحسين صلوات الله عليه. وبما أنّنا لا نُستثنى من القصور، يجدر بنا أن نسعى إلى عدم التقصير قبال الإمام الحسين صلوات الله عليه..

 

اللامبالاة خذلان

في بيان مقام ومعنى التقصير والأهمية تجاه القضية الحسينية المقدّسة، أذكر رواية عن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله، استعمل فيها لفظة (خذلان) لتبيين معيار التقصير، فيقول صلى الله عليه وآله: (اخذل من خذله). فيمكن أن نجعل أو أن يكون المرادف للخذلان هي اللامبالاة.

وعليه، حتى اللامبالاة تجاه القضية الحسينية المقدّسة، ستكون في دائرة التقصير، سواء كانت اللامبالاة في البعد المالي أو الشخصي. فمثلاً يمكن للشخص أن يصرف أموالاً أكثر في سبيل القضية الحسينية المقدّسة، لكنه يمتنع. أو يمكن أن يكون في عدم تشجيع الآخرين على خدمة القضية الحسينية المقدّسة، أو يمكنه أن يكتب بقلمه أكثر عن القضية الحسينية المقدّسة، لكنه لا يفعل. وهذه كلّها تكون في دائرة الخذلان. علماً بأنّه يجب أن نعرف بأنّ الخذلان هو كالنصرة، له مراتب. فمن الممكن أن يصدر من الشخص الخذلان بالنسبة إلى القضية الحسينية المقدّسة، مئة بالمئة، ويصدر من آخر بنسبة أقل..

 

مواساة الأنبياء

كما قلت مسبقاً، إنّ الروايات الشريفة ذكرت تصرّفات إلهية في تكوين العالم بالنسبة إلى الإمام الحسين صلوات الله عليه، وأشير إلى بعضها، وبإمكانكم أن تراجعوها، وتطالعوها أكثر من مرّة، ومنها:

تقول الرواية الشريفة: « إِنَّ آدَمَ لَمَّا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَرَ حَوَّاءَ فَصَارَ يَطُوفُ الْأَرْضَ فِي طَلَبِهَا فَمَرَّ بِكَرْبَلَاءَ فَاغْتَمَّ وَضَاقَ صَدْرُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَعَثَرَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قُتِلَ‏ فِيهِ‏ الْحُسَيْنُ‏ حَتَّى‏ سَالَ‏ الدَّمُ‏ مِنْ رِجْلِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ إِلَهِي هَلْ حَدَثَ مِنِّي ذَنْبٌ آخَرُ فَعَاقَبْتَنِي بِهِ فَإِنِّي طُفْتُ جَمِيعَ الْأَرْضِ وَمَا أَصَابَنِي سُوءٌ مِثْلُ مَا أَصَابَنِي فِي هَذِهِ الْأَرْضِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا آدَمُ مَا حَدَثَ مِنْكَ ذَنْبٌ وَلَكِنْ يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ وَلَدُكَ الْحُسَيْنُ ظُلْماً فَسَالَ دَمُكَ مُوَافَقَةً لِدَمِهِ».(بحار الانوار، ج 44، ص 242).

وقد وردت هذه الرواية بشكل مفصّل في موسوعة بحار الأنوار وباقي الكتب، واُشير إلى نقاط مهمة فيها، حيث بتدقيقنا فيها نجد نقاطاً مهمّة، منها: إنّ كلمة (سال) يعني حدث جرح كبير في قدم آدم عليه السلام، وخرج الدم منها وجرى وسال. وهكذا حادثة، وجواب الله تعالى على سؤال آدم بحاجة إلى الدقّة والتفكّر، لأنّ الله تبارك وتعالى في بيان علّة ما أصاب آدم، لم يذكر اسم النبي الكريم صلى الله عليه وآله، ولا الإمام أمير المؤمنين ولا السيّدة الزهراء ولا الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليهم، ولم يجعل هكذا أمر لهم، مع أنّهم صلوات الله عليهم أفضل من الإمام الحسين صلوات الله عليه واستشهدوا ظلماً أيضاً. وهذا يعني الاستثناء والخصيصة التي جعلها الله تعالى للإمام الحسين صلوات الله عليه، رغم أفضلية المعصومين الأربعة صلوات الله عليهم منه..

 

ابتلاء نوح عليه السلام

تقول رواية أخرى في مجال التصرّفات والتغييرات التكوينية الإلهية بالنسبة إلى الإمام الحسين صلوات الله عليه، ما يرتبط بالنبي نوح على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام، وهي: «أَنَّ نُوحاً لَمَّا رَكِبَ فِي السَّفِينَةِ طَافَتْ بِهِ جَمِيعَ الدُّنْيَا فَلَمَّا مَرَّتْ بِكَرْبَلَاءَ أَخَذَتْهُ الْأَرْضُ وَخَافَ نُوحٌ الْغَرَقَ فَدَعَا رَبَّهُ وَقَالَ: إِلَهِي طُفْتُ جَمِيعَ الدُّنْيَا وَمَا أَصَابَنِي فَزَعٌ مِثْلُ مَا أَصَابَنِي فِي هَذِهِ الْأَرْضِ. فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ وَقَالَ: يَا نُوحُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُقْتَلُ الْحُسَيْنُ».

ونستنتج من الروايات الشريفة التي تذكر تفاصيل قصّة النبي نوح عليه السلام، نقاطاً مهمّة، ومنها: لقد مرّت سفينة نوح عليه السلام بأراضي كثيرة، ومنها كربلاء، ومكّة، والنجف، والكاظمية، وسامراء وحتى مشهد، ولكن لم يصبها أي شيء، ولكن الرواية تصرّح بالتصرّف والتغيير التكويني الإلهي في أرض كربلاء، وهو أنّ سفينة النبي نوح عليه السلام ابتليت بدوّامة أرضية في أرض كربلاء، أي حصل الاستثناء والتصرّف التكويني الإلهي، بخلاف الإمكان السائد والتكويني على عالم الخلقة.

والأمر الآخر أنّه كما هو معروف أنّ الدوّامة التي يقال لها في العراق (خورة) تؤثّر كثيراً على الأجسام الصغيرة كالإنسان والزورق، وتجرّهما إلى الأسفل، وكذلك كل ما له جثّة صغيرة، ولكن الدوّامة التي حصلت في أرض كربلاء كانت قويّة جدّاً وعظيمة وكبيرة بحيث أثّرت على السفينة، وخاف النبي نوح عليه السلام من الغرق.

وتذكر الروايات الشريفة بأنّ الشكل الظاهري لسفينة النبي نوح عليه السلام، كانت بطول ألف ومئتين متراً، وبعرض ثمانمئة ذراع، وصنع هيكلها من أشياء عظيمة وكبيرة كجذوع النخل. وكان عمق وارتفاع السفينة كبيراً وواسعاً أيضاً، بسعة أربعين ذراعاً. ولأجل فهم هذا المطلب: لاحظوا المنائر لأضرحة المعصومين صلوات الله عليهم، فهي رغم عظمتها، أقلّ من أربعين ذراعاً، ومع ما ذكرناه من الوصف، يمكن تصوّر عظمة سفينة النبي نوح عليه السلام. وهذه السفينة كانت ممتلئة ببشر وحيوانات مختلفة ومتنوّعة، بأجسام كبيرة وصغيرة. فأية دوّامة كان لها القدرة على أن تجرّ هكذا سفينة عظيمة وثقيلة إلى الأسفل، وأوجدت حالة الخوف من الغرق، وأثّرت على ركّاب السفينة وعلى النبي نوح عليه السلام؟! فلم يسبق أن شهد التاريخ هكذا دوّامة.

وأمر آخر: أنّ الدوّامة المائية تحصل عادة في أماكن تحيط بها المرتفعات، ويكون مركزها منحدراً وعميقاً. وعندما يتجمّع الماء في هكذا مكان، يحصل له الدوران ويسوق الأجسام إلى الأسفل. والمقصود من كلامي أنّ أرض مكّة مع وضعها، وإحاطة الجبال بها كجبل أبي قبيس، هي أرضية مناسبة لحصول الدوّامة المائية فيها، ولا شكّ يحصل فيها دوّامة مائية، ولكنها ليست قادرة بالتأثير على سفينة عظيمة وكبيرة، وتؤثّر عليها وتصيبها بالتزلزل وبحادثة، ولكن عندما وصلت السفينة أرض كربلاء، ورغم انعدام إمكانية حصول دوّامة فيها حتى لو صغيرة، وقعت السفينة في دوّامة كبيرة، في حين أنّ الأراضي أطراف كربلاء من الجهات الأربع وإلى مئات الكيلو مترات، تشمل الطرق التي تنتهي إلى النجف الأشرف والبصرة والحجاز، وحتى المدن الشمالية العراقية إلى أرض سامراء المشرّفة، وحتى الأراضي أطراف سامراء، هي كلّها بسطة وسهلة ولا جبال عالية فيها، ولكن هكذا حادثة لسفينة النبي نوح عليه السلام في كربلاء، تحكي عن الاستثناء التكويني لكربلاء، ويظهر أنّ الله تعالى قد جعل ذلك لمرّة واحدة، وأوجد دوّامة عظيمة كبيرة في أرض سهلة منبسطة. فالله تعالى أوجد هكذا دوّامة، حتى يخاف النبي نوح عليه السلام ومن معه في السفينة، ودليل هذا الأمر ما بيّنته الرواية الشريفة، بأنّ الإمام الحسين صلوات الله عليه يقتل مظلوماً في هذه الأرض..

 

خليل الرحمن عليه السلام

الرواية الثالثة التي وردت بالخصوص المذكور، حول النبي ابراهيم عليه وعلى نبيّنا وآله الصلاة والسلام، وهي: «أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (علیه السلام) مَرَّ فِي أَرْضِ كَرْبَلَاءَ وَهُوَ رَاكِبٌ فَرَساً فَعَثَرَتْ بِهِ وَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ وَشُجَّ رَأْسُهُ وَسَالَ دَمُهُ فَأَخَذَ فِي الِاسْتِغْفَارِ وَقَالَ إِلَهِي أَيُّ شَيْ‏ءٍ حَدَثَ مِنِّي؟ فَنَزَلَ إِلَيْهِ جَبْرَئِيلُ وَقَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ مَا حَدَثَ مِنْكَ ذَنْبٌ وَلَكِنْ هُنَا يُقْتَلُ سِبْطُ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَابْنُ خَاتَمِ الْأَوْصِيَاءِ فَسَالَ دَمُكَ مُوَافَقَةً لِدَمِهِ».

يستفاد من الرواية أنّ سقوط النبي ابراهيم عليه السلام كان بشكل غير مسبوق؛ لأنّه لم يتوقّع أن يحدث هكذا له، وظل حائراً وسأل الله تعالى عن ذلك.

 ومن جانب آخر، أنّ أرض كربلاء ترابية وسهلة ومنبسطة، وبخلاف أرض سامراء الممتلئة بالحجارة والحصي، فكيف يؤدّي السقوط من ارتفاع بقرابة متر ونصف المتر على أرض خالية من الحجارة والحصي ويؤدّي إلى الجرح؟ بل تقول الرواية بأنّ عظم رأس النبي ابراهيم عليه السلام قد شجّ، فهل يمكن أن يؤدّي السقوط على أرض ترابية خالية من الحجارة والحصي إلى شجّ عظم الرأس؟

وإن كان هذا الأمر من البديهي لما تعجّب النبي ابراهيم عليه السلام، ولحسبه أمراً بديهياً، لكنَّه عليه السلام سأل عن السبب ونزل جبرئيل وطيّب خاطره وأخبره باستشهاد الإمام الحسين صلوات الله عليه، وبالاستثناء الذي جعله الله تعالى للقضية الحسينية المقدّسة.

 

ذبيح الله عليه السلام

رواية أخرى تقول بالتصرّف التكويني الإلهي بالنسبة إلى الإمام الحسين صلوات الله عليه، وهي حول ذبيح الله النبي اسماعيل عليه السلام، فتقول الرواية: «رُوِيَ‏ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَتْ أَغْنَامُهُ تَرْعَى بِشَطِّ الْفُرَاتِ فَأَخْبَرَهُ الرَّاعِي أَنَّهَا لَا تَشْرَبُ الْمَاءَ مِنْ هَذِهِ الْمَشْرَعَةِ مُنْذُ كَذَا يَوْماً فَسَأَلَ رَبَّهُ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ وَقَالَ يَاإِسْمَاعِيلُ سَلْ غَنَمَكَ فَإِنَّهَا تُجِيبُكَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهَا لِمَ لَا تَشْرَبِينَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ؟. فَقَالَتْ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ وَلَدَكَ الْحُسَيْنَ (علیه السلام) سِبْطَ مُحَمَّدٍ يُقْتَلُ هُنَا عَطْشَاناً فَنَحْنُ لَا نَشْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْمَشْرَعَةِ حَزَناً عَلَيْهِ».

 فكأنّ الله تعالى شاء بأن تتأذّى الأغنام بعدم شربها الماء من تلك المشرعة؛ لأنّه يقتل فيها الإمام الحسين صلوات الله عليه ظلماً.

 

كليم الله عليه السلام

لم يستثن من ذلك حتى الأنبياء أولي العزم، ومنهم النبي موسى الكليم على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام، فتقول الرواية: «إنَّ مُوسَى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ سَائِراً وَمَعَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَلَمَّا جَاءَ إِلَى أَرْضِ كَرْبَلَاءَ انْخَرَقَ نَعْلُهُ وَانْقَطَعَ شِرَاكُهُ وَدَخَلَ الْخَسَكُ فِي رِجْلَيْهِ وَسَالَ دَمُهُ. فَقَالَ إِلَهِي أَيُّ شَيْ‏ءٍ حَدَثَ مِنِّي؟ فَأَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّ هُنَا يُقْتَلُ الْحُسَيْنُ وَهُنَا يُسْفَكُ دَمُهُ، فَسَالَ دَمُكَ مُوَافَقَةً لِدَمِهِ».

 وهذا الأمر يُنبئ عن استثناء وأمر خارق للعادة، لأنّ دخول الحسك في الرجل أو اليد، يسبب خروج كم قطرة من الدم، لا أن يسيل الدم ويجري. ولكن الله سبحانه وتعالى هكذا أراد أن يواسي النبي موسى الكليم عليه السلام الإمام الحسين صلوت الله عليه، وأن يسيل دمه كالحسين صلوات الله عليه في أرض كربلاء.

 

النبي سليمان عليه السلام

تقول الرواية بأنّه: «وروي أنّ سلیمان کان یجلس علی بساطه ویسیر فی الهواء، فَمرّ ذات یوم وهو سائر فی أرض کربلاء، فأدارت الریح بساطه ثلاثة دورات حتى خاف السقوط. فسکنت الریح ونزل البساط في أرض کربلاء. فقال سلیمان للریح: لم سکنتي؟ فقالت: إنّ هنا یقتل الحسین علیه السلام. فقال: ومن یکون الحسین علیه السلام؟ فقالت: هو سبط محمّد المختار».

ولقد ذكرت الروايات في الكتب، ومنها في بحار الأنوار، أنّ بساط النبي سليمان عليه السلام كانت وسيلة استثنائية في خلق الله تعالى، وكانت مأمورة بأن تسير بالنبي سليمان عليه السلام في الأرض. ولم أجد في الروايات مورداً آخراً شبيهاً لذلك. وكانت البساط تشبه مدينة صغيرة وواسعة، وكان يركبها الجنّ والإنس والملائكة. وكانت هذه البساط تنتقل في الجو بإذن الله عزّ وجلّ، ولكن أصابها مثل ما أصاب سفينة النبي نوح عليه السلام، أي أصابتها دوّامة، ودوران، بحيث خاف النبي سليمان عليه السلام من السقوط. وكان سبب دورانها، مرورها بأرض كربلاء.

 

روح الله عليه السلام

الرواية الأخرى حول النبي عيسى روح الله على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام: «انّ عیسی کان سائحاً في البراري ومعه الحواريین فمرّوا بکربلاء فرأوا أسداً کاسراً قد أخذ الطریق. فتقدّم عیسی إلی الأسد، فقال له: لم جلست في هذا الطریق؟ وقال: لاتدعنا نمرّ فیه؟ فقال الأسد بلسان فصیح: إنّي لم أدع لکم الطریق حتى تلعنوا یزید قاتل الحسین (علیه السلام) فقال عیسی علیه السلام ومن یکون الحسین؟ قال: هو سبط محمّد النبي صلى الله علیه وآله الأمّي وابن علي الولي».

 

المسامير الخمسة

وتوجد رواية أخرى بخصوص النبي نوح عليه السلام وسفينته قبل بدء الطوفان، وهي أنّ جبرئيل عليه السلام أعطى لنوح عليه السلام خمسة مسامير بعدد الخمسة الأطهار صلوات الله عليهم، حتى يدّقها في جوانب السفينة للأمان. فدقّ النبي نوح عليه السلام أربعة مسامير كانت بأسماء النبي الكريم صلى الله عليه وآله والإمام أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة الزهراء والإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليهم، على جوانب السفينة. وعندما أراد أن يدقّ المسمار الخامس الذي كان باسم الإمام الحسين صلوات الله عليه أحس بندواة فيه. فسأل جبرئيل عن سبب النداوة، فقال له: (به نداوة من دم الحسين صلوات الله عليه).

وهكذا أمر لم يحصل للإمام أمير المؤمنين ولا للسيّدة الزهراء ولا للإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليهم وهم قد استشهدوا أيضاً، ولكن شاء الله تعالى أن يجعل هذه الخصيصة للإمام الحسين صلوات الله عليه فقط.

وهذه الروايات هي بتفاصيل كثيرة وطويلة، ونقلت لكم قسماً منها، ويمكنكم أن تطالعوها كاملة بالرجوع إلى الكتب الروائية.

 

عاشوراء في زيارة الناحية

نقرأ في زيارة الناحية المقدّسة عن مولانا الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف: (ولطمت عليك الحور العين، وبكت السماء وسكّانها، والجنان وخزّانها، والهضاب وأقطارها، والبحار وحيتانها، والجنان وولدانها، والبيت والمقام والمشعر الحرام والحلّ والإحرام).

وهذه الأوصاف والعبارت وردت من ناحية مولانا الإمام وليّ العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، في حين أنّ الجنّة ليست مكاناً للعزاء والحزن.

والمطلب الآخر هو عن عدد الملائكة، فقد ذكرت الرواية الشريفة أنّ شخصاً سأل الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن عدد الملائكة؟ فقال له: (عدد التراب). فإذا تناولنا بكفّ واحد مقداراً من التراب، فكم ستكون عدد ذرّاته؟ هل هي بألألوف أم أكثر من عشرة آلاف؟ وفي سياق الزيارة التي وردت فيها البلاغة العربية، نقرأ أنّه حتى الجبال والأشجار والبحار والأسماك ومكّة وغيرها قد بكت على الإمام الحسين صلوات الله عليه.

 

من عجائب القضية الحسينية

كذلك يذكر كتاب الكامل في الزيارات الشريف رواية، تقول: «أَنَّ مَلَکاً مِنْ مَلَائِکَةِ الْفِرْدَوْسِ نَزَلَ عَلَى الْبَحْرِ وَنَشَرَ أَجْنِحَتَهُ عَلَیْهَا ثُمَّ صَاحَ صَیْحَةً وَقَالَ یَاأَهْلَ الْبِحَارِ الْبَسُوا أَثْوَابَ الْحُزْنِ فَإِنَّ فَرْخَ الرَّسُولِ مَذْبُوحٌ ثُمَّ حَمَلَ مِنْ تُرْبَتِهِ فِي أَجْنِحَتِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَلَمْ یَلْقَ مَلَکاً فِیهَا إِلَّا شَمَّهَا وَصَارَ عِنْدَهُ لَهَا أَثَرٌ».

وحسب ما تذكره الرواية بأنّ الجنّة مكاناً واسعاً وكبيراً للغاية، ويتكوّن من مناطق مختلفة ومتعدّدة، وإحداها يسمّى بالفردوس، وذكره القرآن الكريم بقوله تعالى: (جنّات الفردوس). علماً بأنّه يوجد نقطة بلاغية في القسم المذكور من الرواية، وهي لفظة (بحر) وهو مذكر، ولكن الرواية الشريفة أرجعته إلى ضمير المؤنث بكلمة (عليها). وهذا التركيب هو كالآية رقم (11) في سورة النساء، التي تقول: «وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ». فقد أرجعت الآية الكريمة الضمير المذكّر (ابويه) إلى الميّت غير المذكور في الآية التي قبلها، وسبب هذا الإرجاع أنّه عند الكلام عن إرث الميّت، يلزم وجود الميّت حتى يكون الإرث، وهذا من بلاغة اللغة العربية. وكما أشرنا إلى المورد في الرواية الشريفة. فطبقاً لقواعد علم البلاغة، إنّ اللفظ المذكر الذي يعطي معنى المؤنّث، باعتبار ذلك المعنى، يمكن نسبه إلى الضمير المؤنث. ويصدق عكس القضية أيضاً. وهذا الأمر ذكر بشكل مفصّل في الكتب البلاغية ومنها في كتاب المغني.

على أي حال، فإنّ ذلك الملك نشر أجنحته على ماء البحر وأخبر أسماك البحر وحيتانها باستشهاد الإمام الحسين صلوات الله عليه، وأمر بلبس السواد، ويا له من أمر عجيبّ! فكيف يمكن للأسماك والحيتان أن تلبس الأسود وثياب العزاء؟! وهذه من ظرافة اللغة العربية، وهذه جملة تحمل الكناية. فاللغة العربية تستعمل الكناية أكثر من باقي اللغات، وهذا دليل عن البلاغة العالية للعربية. وهذا الأمر هو من عجائب القضية الحسينية المقدّسة.

 

زيارات الأنبياء للحرم الحسيني

أشير إلى روايات أخر من كتاب الكامل في الزيارات، ومنها: قال مولانا الإمام زين العابدين صلوات الله عليه: (وما من نبيّ إلاّ وقد زار كربلاء ووقف عليها). وقد بعث الله تعالى مئة وأربعة وعشرين ألف نبيّ، ووفقاً للرواية الشريفة فإنّ كل هؤلاء الأنبياء زاروا مزار الإمام الحسين صلوات الله عليه. فهل هكذا رواية توجد بالنسبة إلى سائر المعصومين صلوات الله عليهم؟!

الرواية الثانية في الكتاب نفسه، عن الإمام الصادق صلوات الله عليه، وهي: «عن صفوان الجمّال قال: قال لي أبوعبد الله (علیه السلام) لما أتى الحيرة: هل لك في قبر الحسين(علیه السلام)؟ قلت: وتزوره جعلت فداك؟ قال: وكيف لا أزوره والله يزوره في كل ليلة جمعة يهبط مع الملائكة إليه والأنبياء والأوصياء ومحمّد أفضل الأنبياء ونحن أفضل الأوصياء».

 

توضيح كناية

من الممكن أن يستشكل بعضهم على عبارة (والله يزوره في كل ليلة جمعة) ويقول هل أنّ الله تعالى جسماً لكي يزور الإمام الحسين صلوات الله عليه كل ليلة جمعة؟! فنقول في الجواب: هكذا عبارة لا تستلزم الجسم لله جلّ وعلا. وهذا التعبير كتعبير الآية الشريفة التي تقول: (إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ). فلا شكّ أنّ الله تعالى ليس بجسم لكي يذهب إلى زيارة كربلاء، ولكن ما تذكره الرواية عن زيارة الله تعالى هي كناية عن الرعاية الإلهية الخاصّة، أي أنّ الله تعالى يمنّ برعاية خاصّة في كل ليلة جمعة على زائري الإمام الحسين صلوات الله عليه.

 

كل يوم زيارة عاشوراء

لله الحمد، كلكم على معرفة بزيارة عاشوراء وقرأتموها. وقد أوصى الإمام الباقر صلوات الله عليه الشيعة بالالتزام بقراءة زيارة عاشوراء كل يوم. فهل وردت هكذا وصية بالنسبة إلى زيارة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وزيارة الإمام أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة الزهراء والإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليهم، وبالنسبة إلى زيارة باقي المعصومين صلوات الله عليهم، بأن نقرأها كل يوم ونلتزم بذلك؟ فأنا شخصياً لم أجد ذلك في كتاب ما. ولعلَّ ماهيّة وكيفية هكذا وصية هو أن نذكر الإمام الحسين صلوات الله عليه كل يوم وعلى طول السنة؛ ولهذا تمّ التأكيد على قراءة زيارة عاشوراء المقدّسة التي هي خلاصة وعصارة الإسلام، كل يوم. ونقول بأنّ هذه الزيارة هي عصارة الإسلام، لأنّها تتضمّن التولّي والتبرّي، وكل جملة من جملها تذكر الأمرين المشار إليهما.

بلى، كلُّ ما ذكرناه، هي من الخصائص والاستثناءات التي جعلها الله تبارك وتعالى في عالم التكوين لمولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه، وقد ذُكر الكثير من هذه الموارد في كتب عديدة كبحار الأنوار والكامل في الزيارات، وكذلك في مختلف الأدعية، ويجدر مطالعتها وتأليف موسوعة منها.

 

التغيير التشريعي

أما حول التصرّف الإلهي بالنسبة إلى الإمام الحسين صلوات الله عليه في عالم التشريع، أذكر بعض النماذج. وكما قلت مسبقاً، أنّ هذه الموارد هي أكبر من أن نبيّنها في هذا المقام، وعليكم أن تراجعوها بأنفسكم في الكتب والأدعية، لكي تتعرّفوا أكثر، وتعرّفوا الآخرين بها.

ومن تلك الموارد استحباب الاستشفاء بالتربة الحسينية المطهّرة، فرغم أنّه يحرم أكل التراب، ولكن لا إشكال من أكل التربة الحسينية المطّهرة طلباً للشفاء، بل يستحبّ. وكم من الموارد التي شفيت بالتربة الحسينية المطهّرة. وقد وردت رواية ملفتة في هذا الخصوص، وهي بأنّه سأل أحد الأشخاص من أحد المعصومين صلوات الله عليهم عن حكم أكل تربة مزارات الأئمة صلوات الله عليهم، سوى التربة الحسينية المطهّرة. فقال له المعصوم صلوات الله عليه: (من أكله فكأنّما أكل من لحومنا)! ويعني أنّه لا يجوز ويحرم حتى أكل ذرّة من تربة مزارات النبي الكريم صلى الله عليه وآله والإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن المجتبى وباقي الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم، حتى لو كان طلباً للاستشفاء، مع أنّه لا يحصل الاستشفاء بهذا العمل. ولكن التشريع الإلهي الخاص استثنى التربة الحسينية المطهّرة من ذلك، وجعل الشفاء في أكلها.

 

علوّ الرتبة الحسينية

رواية أخرى بالخصوص المذكور، أشار إليها السيّد بحر العلوم رضوان الله عليه في بيت شعر، حيث أنشد بقوله: «وَمِنْ حَدِيثِ كَرْبَلاَ وَاَلْكَعْبَةِ... لِكَرْبَلاَ بَانَ عُلُوُّ اَلرُّتْبَةِ»، ويعني أن مكانة أرض كربلاء أعلى من مكانة الكعبة وحتى النجف الأشرف وحتى البقيع.

المورد الآخر هي الرواية المعروفة عن يوم عرفة؛ فقد نسب الله تعالى في الرواية الحجّاج إلى نفسه، ولقّبهم بزائري الله، ولكن مع ذلك، قال بأنّه جلّ وعلا يرعى في يوم عرفة زائري الإمام الحسين صلوات الله عليه قبل رعايته لزائريه، كما تقول الرواية: «إنّ الله ینظر إلى زوّار الحسین (علیه السلام) في کربلاء قبل أن ینظر إلی زوّاره في عرفات».

وهنا أختم الكلام حول التصرّفات التشريعية الإلهية بالنسبة إلى القضية الحسينية المقدّسة وأكتفي. فيوجد الكثير من الروايات بالخصوص المذكور في ذخائر الروايات الإسلامية، ويجدر أن نحقّق فيها وندقّق، ونجمعها.

 

ما أكثر العبر

إنّ لأعمالنا وتصرّفاتنا نحن وغيرنا بالنسبة إلى القضية الحسينية المقدّسة، سواء كانت إيجابية أو سلبية، لها آثار حسنة أو عواقب سيئّة والعياذ بالله. فمن يخطو في سبيل نصرة وإعانة الشعائر الحسينية المقدّسة، ولو خطوة صغيرة، فباليقين سيرى ثمراتها، وعكسها يصدق أيضاً. واُشير إلى قصّتين في هذا المجال فقط، وهما حول فقيهين لا أذكر أسمائهما لبعض الملاحظات، وعسى أن تكون عبرة للجميع.

الأولى: ترتبط بزمن أحد فقهاء الشيعة المعروفين، وأنا سمعتها من لسانه. وقد توفّي قبل قرابة خمسين سنة ورحل إلى عالم البقاء.

الثانية: تعود إلى قرابة مئة وخمسين أو مئتي سنة، في زمن المرحوم الآخوند الخراساني والسيّد محمّد كاظم اليزدي والآقا الميرزا محمّد تقي الشيرازي رضوان الله تعالى عليهم.

العبرة في القصّة الأولى: أنّ أحد الفقهاء من المعروفين ـ وكما قلت سمعت القصّة من لسانه ـ كانت له غرفة في المدرسة العلمية التي يدرس فيها أيّام شبابه وكان يسكنها ويعيش فيها. وكان من المعهود به في الحوزات العلمية بالسابق، أنّها تعطّل الدروس في الأيّام العشرة الأولى من شهر محرّم الحرام حتى يذهب الطلبة إلى ممارسة التبليغ ولإقامة وإحياء الشعائر الحسينية. وكان هذا العمل سنّة حسنة، ولكن تفتقده المدارس غير الحوزوية، للأسف. فاليوم خصّصوا العطل الرسمية في الدول لأيّام خاصّة أخرى.

 

خانه الظنّ!

بلى، كان برنامج الطلبة في ذلك الزمان، أنّهم يعطّلون الدروس والبحوث العلمية في الأيّام العشرة الأولى من شهر محرّم الحرام عزاءً على مولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه ولأجل إقامة الشعائر الحسينية. وهذا الأمر كان معهوداً منذ القدم في الحوزات العلمية ولا يزال إلى يومنا. فكان الطلبة في هكذا أيام يقضون أوقاتهم في الحضور بالمجالس أو إقامة المجالس أو بارتقاء المنبر الحسيني الشريف، وبقراءة المصائب وأمثالها. فيقول ذلك الفقيه: في إحدى السنين خطر على بالي أنّه عوضاً عن الذهاب إلى المجالس الحسينية المتعدّدة في البيوت والحسينيات، أكتفي بالحضور في المجلس الذي يقام بالمدرسة التي أدرس فيها، وأقضي باقي الأوقات بمطالعة الدروس والمطالب العلمية، وهكذا وجّهت عملي وخلقت له العذر بأنّ عدم حضوري أنا شخصياً في المجالس الحسينية لا يسبب خدشة فيها، وهكذا فكّرت حسب مستواي القليل أنّه من الأولى لطالب مثلي أن يهتمّ بالدرس والمطالعة. وصمّمت على هذا الأمر وصرت أطالع وأدرس إلى يوم عاشوراء وانشغلت بالمطالعات العلمية والدرسية، وكنت أكتفي بالحضور في المجلس الذي يقام بمدرستي العلمية التي أدرس فيها. وهكذا جرت الأيّام بي إلى أن حلّ يوم الحادي عشر من شهر محرّم الحرام فابتليت بوجع في عيني واستمرّ بي الوجع إلى يوم العشرين من محرّم، وكنت لا أقدر حتى على النظر إلى صفحة الكتاب.

إنّ هذا العالم رغم أنّه لم يرتكب أي حرام، وكان فيما قام به ليس بقاصر ولا بمقصّر، ولكنه أبى من الحضور في مجالس العزاء الحسيني، وسبّب إلى قلّة حضور شخص واحد في المجالس. وقد صار هذا الشخص من الفقهاء المعروفين ومن أكابر الشيعة ومن زمرة المراجع الذين سعوا كثيراً ودائماً إلى تعظيم الشعائر الحسينية المقدّسة. وكما قلت لا يمكنني أن أذكر خصوصياته، ولكن هذه القصّة عنه يجب أن تكون عبرة لنا جميعاً.

 

رأي سلبي تجاه شعيرة

القصّة الثاني ترتبط بأحد فقهاء الشيعة الذي عاش في زمن المرحوم الآخوند الخراساني قدّس سرّه. فهذا الفقيه كان له كتاباً علمياً قيّماً، وأعتذر عن ذكر اسمه. وأنا اشتريت هذا الكتاب في أول إقامتي بمدينة قم المقدّسة من سوق كذرخان، وكان بطبعة قديمة وحجرية. وعلى الظاهر أنّ صاحب هذا الكتاب لم يصبح من مراجع التقليد، وإن كان قد صار من المراجع، فإنّ مرجعيته لم يك لها الظهور قبال مرجعية المرحوم الآخوند الخراساني والمرحوم السيّد محمّد كاظم اليزدي والمرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازي رضوان الله تعالى عليهم، ولكن كان كتابه جيّداً من الناحية العلمية. ولذا نقلت من كتابه بعض المطالب في بعض مؤلّفاتي، ولكن كنت أسأل نفسي أنّ هذا العالم من العلماء المشهورين وذكر اسمه في الكتب التي تناولت حياة العلماء، ولكن لماذا صار كتابه في خانة النسيان بين أهل العلم وهجروه؟ وذات مرّة ذكرت مطلباً من هذا الكتاب عند أحد مراجع التقليد الأعلام في مدينة قم المقدّسة، فطلب منّي مصدر المطلب. فذكرت له اسم الكتاب، ولكنه تعجّب وسألني: هل هذا العالم عنده كتاب؟ فهذا المرجع الذي سألني عن العالم كان في مدينة قم المقدّسة ولكنه لم يسمع باسم الكتاب أصلاً.

 والأمر الآخر أنّ باقي الفقهاء المعروفين كالمرحوم الميرزا النائيني والأقا قاضي العراقي، وغيرهما، ممن عاشوا بعد ذلك العالم صاحب الكتاب، لم يذكروا اسم هذا الكتاب، ولم ينقلوا منه أي مطلب. فقد كان من المعهود في الحوزات العلمية وعند المراجع والعلماء، أنّهم ينقلون في آثارهم العلمية ما موجود ومكتوب من مطالب كتب العلماء من قبلهم.

 

نتيجة خطأ

على أية حال: كان هذا السؤال يتبادر إلى ذهني: ما هو سبب هجران ذلك الكتاب؟ إلى أن قرأت في إحدى صفحات الكتاب المذكور، مطلباً عن صاحبه كان قد عدّ فيه إحدى الشعائر الحسينية بأنّها من المكروهات. فكان هذا الأمر جديداً بالنسبة لي؛ لأنّه لم يقل به باقي العلماء، ولكن صاحب الكتاب قال بذلك وبيّنه بإضافة عليه. وبرأيي أنّ سبب مهجورية كتابه هو ذلك المطلب الذي ذكره. فهو يقول بما أنّ هذا الفعل هو من الشعائر الحسينية لكنه لا يزيل الكراهية عنه. وأتى بمثال غير لائق وهجين على تلك الشعيرة. ولا أذكر ما قاله. وأتصوّر أنّ هذا الخطأ الذي صدر من ذلك العالم كان قصوراً وليس تقصيراً، ولكن مع ذلك، ومع ما عرفته من رأيه عن تلك الشعيرة، قمت بحذف كل ما نقلته من كتابه في كتبي، خشية من أن تتأثر مؤلّفاتي بالخطأ الذي قال به وكتبه، أو أن تسري إلى كتاباتي أيضاً.

وقد تظنّون أنّه كيف يمكن لخطأ واحد وحسب قولي بأنّه كان بقصور، أن يسبب هجر كتاب فيه المئات من المطالب والمسائل العلمية. وهذا يعني أنّه علينا أن نعلم بأن أصغر عمل سلبي تجاه القضية الحسينية المقدّسة له التأثير، وقد يؤثّر كبيراً على صاحبه. وهذه من اقتضائيات وخصوصيات القضية الحسينية المقدّسة. ولو يشمّر أحدنا عن ساعديه ويهتمّ بجمع نتائج وآثار الأعمال السلبية تجاه القضية الحسينية المقدّسة والخذلان بحقّها وبحقّ شعائرها المقدّسة، أو يجمع البركات والأعمال الإيجابية تجاهها، سواء كانت أعماله أو أعمال أقاربه وغيرهم، لحصلنا على موسوعة كبيرة.

 

الاستفادة من التجارب

سيحلّ علينا شهر محرّم ومن بعده سيأتي شهر صفر، ولا نعلم من الذين سيوفّق لدرك شهري محرّم وصفر للسنة القادمة، ومن سيرحل عن الدنيا. ولكن التصرّفات التشريعية والتكوينية الإلهية بخصوص قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه، باقي ومستمرّة وثابتة؛ ولذا يجدر بنا أن نصمّم على عدم التقصير تجاه القضية والشعائر الحسينيتين المقدّستين، مع أنّنا لا نخلو من القصور في الأعمال، فيجب أن نعتبر من هكذا قصص ونستفيد من التجارب، بالأخص تجربة ذلك العالم المتّقي العادل الذي ابتلي بوجع في عينه لمدّة عشرة أيّام بسبب عدم ذهابه إلى عدّة مجالس حسينية، واكتفى بمجلس واحد.

 

للشباب الأعزّاء

أوصي الشباب الأعزاء في الدول الإسلامية وغير الإسلامية، أن يكونوا السبب لكي يعرف الأباعد الإمام الحسين صلوات الله عليه من قول النبي الكريم صلى الله عليه وآله: (أنا من حسين) حتى يتعرّفوا عبر الإمام الحسين صلوات الله عليه على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى الإمام أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة الزهراء والإمام الحسن المجتبى وسائر الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم، ويؤمنوا بهم ويصبحوا من المعتقدين بهم.

أوصي الجميع، بالأخص البنين والبنات من الشباب الكرام بأن يسعوا إلى بناء حسينية، في أي مكان كانوا، ولو مرّة بالعمر، لكي تكون الحسينية مركز إشعاع لتبليغ الإسلام والأخلاق والآداب، وكذلك تكون مركزاً لتبليغ القرآن الحكيم، وللتعريف بالله تعالى وبالمعصومين الأطهار صلوات الله عليهم. فيمكنكم طول السنة أن تجمعوا حتى القليل من الادخّار من عدّة أشخاص وتبنوا به حسينية. فحسب مطالعاتي، وحسب استنتاجي أنّ كل الأئمة صلوات الله عليهم رحلوا عن الدنيا وهم مديونين. ولم تك الديون التي كانت عليهم لأجل أمورهم الشخصية أو لأجل رفاههم، بل كانت لأجل قضاء حاجات الناس. فعلينا أن نتعلّم هذه السُنّة منهم، ونقترض في سبيل الإمام الحسين صلوات الله عليه، وبعدها نسدّد الديون بالعمل والسعي.

 

املؤوا الدنيا بالحسينيات

إذن، يجب على كل واحد أن يترك أثراً عنه ببناء حسينية في مكان ما بالدنيا. فعلى سبيل المثال: إن خلت قرية من حسينية، فابنوا فيها حسينية، بل املؤوا كل شبر من الأرض بالحسينيات. وأقول بهذا الخصوص، بأنّه عادة يفتقد النساء والسيّدات الحسينيات الخاصّة بهنّ أو هي قليلة جدّاً، مع أنّهنّ أكثر نسمة من الرجال في العالم، ولكن نرى وبوضوح كبير قلّة الحسينيات الخاصّة بالنساء. فالمرأة كالرجل لها القوّة والنشاط والغيرة الدينية، فيجب أن تكون هناك حسينية للنساء. وأنا ذكرت هذا الأمر ذات مرّة بجمع من الأشخاص. فقام شاب من بينهم وكان من إحدى دول الشرق الأوسط وقال أنّ الحسينيات النسوية في بلده أكثر من الحسينيات للرجال. فيجب تعلّم هكذا سنّة وتعميمها. فالنساء والسيّدات والشابات في أي مكان بالعالم اللاتي يسمعن كلامي، وبالخصوص الناشطات والشابات منهنّ، عليهنّ أن يبذلن المساعي بأن لا تضطر النساء أو يجبرن على الحضور في حسينية الرجال ويضرب بينهنّ والرجال الستار، بل يحضرن بحريّة في الحسينيات الخاصّة بهنّ ويقمن العزاء الحسيني. فيجب إزالة هكذا نقص، حتى لا نحرم من هكذا خدمة بالنسبة إلى القضية الحسينية المقدّسة. وقد يواجه هذا العمل في أوله صعوبة، ولكنه ممكن ويتحقّق، ويجب أن نخصّص له الوقت والزمان.

 

الصبر والتحمّل

اللازم الآخر للوصول إلى ما تم ذكره، التحلّي بالصبر والتحمّل، وهذه وصية القرآن الكريم، حيث قال عزّ من قائل: (ولمن صبر وغفر). فلذا علينا أن نتحمّل ونصبر في ذلك، فإذا سعيتم وخطوتم لأجل ذلك العمل ولم تحصلوا على نتيجة، أو كانت النتيجة سلبية، فاصبروا وتحمّلوا. وكذلك عليكم أن تتحلّوا بالحلم والعفو. فلا تدخلوا النزاعات والاختلافات الشخصية في القضية الحسينية، كأن تدخلوها في الحسينية أو في المواكب أو في مسيرات العزاء الحسيني وأمثالها.

قبل عدّة أيّام جاء شخص من العراق للقائي وقال أنّه في مدينته يشارك بعض الأشخاص من أصحاب السمعة غير الجيّدة في مراسيم الحسينيات. وطلب منّي الواجب تجاه ذلك، وأنّه هل يمكن السماح لهكذا أشخاص أن يدخلوا الحسينيات؟ فقلت له: من المحتّم عليكم أن تسمحوا لهم وتستقبلوهم، فلعله يتأثرّ أحدهم بالمجالس ويهتدي بواسطة الإمام الحسين صلوات الله عليه وتصلح أعماله.

 

الشعيرة العظيمة

يجب أن نهتمّ ونهتمّ ونهتمّ في سبيل إقامة الشعائر الحسينية المقدّسة، فهذا الأمر يؤدّي إلى تجلّيها واتّساعها أكثر وأكثر، وبالأخص شعيرة الأربعين الحسيني المقدّس، حيث يجب علينا من الآن أن نشمّر عن سواعدنا لها. حتى الشباب الأعزاء في الدول غير الإسلامية عليهم أن يخطوا لأجل تسهيل أمر الزيارة الأربعينية. وبهذا الخصوص، يجب على الحكومة في دولة العراق، أن تبدي التسهيلات في كافّة الجهات ومختلفها، كأن يكون في مجال إصدار جوازات السفر وتأشيرات الدخول أو في مجال الحمل والنقل والإسكان بشكل مجاني وغيرها، وأن تبدي التعاون وتقدّم الخدمات. فإن كثرت المتابعة واستمرّت بلا تعب وملل، فلا شكّ ستعطي النتيجة المتوخاة. فعلى سبيل المثال: الشاب الذي نوى الزواج لكنه يفتقد لبيت ولمصاريف الزواج، فهذا الشاب يسعى في كل الاتّجاهات والمجالات حتى يحصل على ما يريده. وهكذا لتكن المساعي الحثيثة بالنسبة إلى الإمام الحسين صلوات الله عليه. فالزيارة الأربعينية الحسينية المقدّسة، شعيرة عظيمة ولا نظير لها في العالم إلى اليوم، فيجب أن نسعى إلى نموّها واتّساعها وتسهيل أمور تأديتها.

أدعو بالتوفيق للجميع في ذلك، وأسألهم الدعاء، وأسأل الله عزّ وجلّ أن يمنّ بالتوفيق عليكم وعلى الجميع وعليّ، بأن نخدم القضية الحسينية المقدّسة أكثر وأكثر. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.