|
|
|||
|
الكلمة الثالثة لسماحة المرجع الشيرازي دام ظله: دين الحريّة والاختيار
بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عزّ وجلّ في القرآن الحكيم: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) سورة البقرة: الآية 256 أساس الحريّة في الإسلام هذه الكلمات الأربع في آية الكرسي من القرآن الحكيم، هي أساس الحريّة في الإسلام. ففي الإسلام لا يوجد شيء اسمه الإكراه على الدين، ولا أن يكون الإكراه والإجبار بأن يأتي المشرك ويصير مسلماً، ويأتي الكتابي ويصير مسلماً، ويأتي الملحد ويصير مسلماً. كلا، فلا إجبار على ذلك ولا إكراه. ويقول الله عزّ وجلّ بعد ذلك: (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ). فعندما يتّضح الجيّد من الرديء لا يحتاج إلى أن يجبر شخص على الأخذ بالجيّد. الامتحان بالاختيار لا الجبر لقد خلق الله عزّ وجلّ الدنيا، وخلق الإنسان في الدنيا للاختبار. فإذا كان هناك إجبار لا يكون اختباراً كاملاً، ولا يكون امتحاناً للجميع. وهذه من ميّزات الإسلام التي لا نظير لها في التاريخ، إلاّ من الأنبياء من مثل سليمان على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام. وأمّا في الحكومات، وحتى هذا اليوم، التي تدّعي الحريّة، سواء بالغرب وغيره، لا نظير لهذه الميّزات في الإسلام. النبيّ جعل الناس أحراراً لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وآله في الدنيا بعد البعثة، ثلاث وعشرين سنة، ثلاثة عش منها في مكّة المكرّمة، وعشر منها في المدينة المنوّرة. ولم يكره رسول الله صلى الله عليه وآله في مكّة المكرّمة ولم يجبر أحد على الإسلام. وفي المدينة المنوّرة بعد الهجرة حيثما كانت له صلى الله عليه وآله القدرة المطلقة، حيث انتصر بفضل الله عزّ وجلّ في العشرات من الحروب المفروضة عليه، وصارت له بعد الانتصار في جميع الحروب، القدرة الكاملة في المدينة المنوّرة وأطرافها القدرة الكاملة، ومع ذلك لم يجبر أحداً على الإسلام، سواء ممن أسلم في مكّة المكرّمة وهاجر إلى المدينة المنوّرة، أو جاؤوا إلى المدينة المنوّرة وفيها أسلموا على يد رسول الله صلى الله عليه وآله، أو من أهل المدينة الذين يسمّون بالأنصار، حيث أسلم الألوف خلال العشر سنوان على يد رسول الله صلى الله عليه وآله. ولكن بعضاً منهم ارتدّوا بعد ذلك نتيجة ضغوط بعض أهلهم وعوائلهم ونتيجة المشاكل الاقصادية وغيرها. كان رسول الله صلى الله عليه وآله يستطيع أن يردّهم إلى الإسلام، بل إنّه حتى لم يأمرهم بالردّ إلى الإسلام. ومن يتتبع تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة المنوّرة يجد العديد والعديد من الذين أسلموا ثم ارتدّوا عن الإسلام ورجعوا إلى الشرك ورجعوا إلى النصرانية ورجعوا إلى اليهودية وغيرها، ومنها القصة التالية المنقولة في التاريخ، ونقلها العلاّمة المجلسي قدّس سرّه في بحار الأنوار في تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله: نموذج من عدم الإكراه كان هناك رجل من أهل المدينة وقد أسلم وكان يسمّى بالأنصاري أي من الأنصار، وهو أبو الحصين، واسمه كما قالوا حُرير، ولكنه كان معروفاً بلقبه وكنيته. وحُرير لعلّه تصغير حَرير، وكان له ولدان شابان. وذات يوم جاءت قافلة تجارة من الشام إلى الحجاز والمدينة المنوّرة وفيها نصارى، فغرّ بعضهم الشابّين لأبي الحصين فتركا الإسلام واعتنقا المسيحية وصار من النصارى، ولم يستطع أبوهما أن يردّهما إلى الإسلام. فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بأمر ولديه، وقال للنبيّ صلى الله عليه وآله ابعث يارسول الله إليهما وأمرهما بأن يرجعا إلى الإسلام، فلم يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله. وقد نقل في كتب التفاسير وفي بحار الأنوار أيضاً أنّ شأن نزول هذه الآية الكريمة (لا إكراه في الدين) كانت هذه القصّة. وهكذا لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله بالنسبة إلى غيرهم ممن ارتدّوا عن الإسلام. دين الحريّة والاختيار إنّ الانقلابات التي تحدث في الدنيا اليوم وقبله وقبله، سواء في البلاد الإسلامية مع الأسف وفي البلاد غير الإسلامية، من انقلاب عسكري وغير عسكري، ترى فيها تبادل الدماء، كما في بدء الإسلام حيث الإسلام دين سلم ودين سلام، ولكن المشركون فرضوا على رسول الله صلى الله عليه وآله العشرات من الحروب، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في كلّها في موقف الدفاع. ولكن مع ذلك لا يوجد هناك نقطة واحدة في الإسلام على الإكراه عليه أو الجبر عليه، وهذه مسألة مهمّة جدّاً خصوصاً في هذا اليوم الذي فيه دول في الغرب وغيره تدّعي الحريّة. فأين توجد هذه الحرية قبل ألف سنة وأكثر من أربعمئة سنة، حيث كانت الدنيا في غير الإسلام مرتطمة وموغلة بالدماء والقتل والسلب والنهب والمظالم المختلفة؟ من الفرض على المسلمين جميعاً، وخصوصاً الشباب الغيارى، سواء في البلاد الإسلامية أو في بلاد غير الإسلام، أن يبلّغوا لهذه النقطة المهمّة في الإسلام. فهذه الكلمات الأربع (لا إكراه في الدين) هي دنيا من الحريّة. عرض الإسلام بالبلاغ والإقناع نعم ينبغي، بل يجب أن يكون كما يكرّر القرآن الكريم البلاغ مبيناً وواضحاً ومقنعاً، باستدلال ومناقشات وبحث، (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) سورة الكهف: الآية29. فالمهم هو عرض الإسلام الصحيح على غير المسلمين، حتى في أوساط بعض المسلمين الذين وقعوا في شِرك بعض الشبهات. فالمهم أن تحصل القناعة بالإسلام، والقناعة بأحكام الإسلام، والقناعة بأحكام القرآن الكريم، والقناعة بأصول العقائد، والقناعة بأخلاق الإسلام، وذلك بالبلاغ المبين، فإذا حصلت القناعة عندها فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّق المسلمين لتبليغ هذه النقطة المهمّة في الإسلام، وهي الحريّة المستفادة من العديد من الآيات القرآنية ومن العشرات من الأحاديث الشريفة، ومنها الآية الكريمة: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين |
|||
|
|