كلمة سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في الليلة الاولى لشهر رمضان العظيم 1441 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه أوّل ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك، وقد ورد عن المعصومين صلوات الله عليهم أدعية لهذه الليلة، ومن ذلك هذه الجملة من الأدعية: اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ نَوى فَعَمِلَ ... وَأَعِنَّا عَلى ما أَفْتَرَضْتَ عَلَيْنا مِنَ العَمَلِ حَتَّى يَنْقَضِيَ عَنَّا شَهْرُكَ هذا وَقَدْ أَدَّيْنا مَفْرُوضَكَ فِيْهِ عَلَيْنا.

لله عزّ وجلّ فرائض على العباد. فرائض إيجابية تسمّى بالواجبات، وفرائض سلبية تسمّى بالمحرّمات، أي يجب تركها. والإيجابيات يعني يجب العمل بها والإتيان بها.

النيّة للعمل

في هذه الجملة من الدعاء يسأل الإمام صلوات الله عليه الله عزّ وجلّ ويطلب منه أن يجعله ممن نوى فعمل. فالإنسان ينوي شيئاً ولكن ذلك الشيء ربما يخالف بعض شهواته فلا يعمل به.

اللهم إنّا نوينا في شهر رمضان ما فرض علينا، فوفّقنا واجعلنا ممن إذا نوى عمل بما نوى حتى ولو كان فيه بعض الصعوبة، وحتى لو كان مخالفاً لبعض الشهوات. وبعبارة أخرى: نعم للقناعات، ولا للشهوات.

لقد جعل الله عزّ وجلّ في الإنسان مزيجاً من العقل والشهوات، وكثيراً ما في عقل الإنسان من عقيدة وفكر، يخالف شهوات الإنسان. فالنفس الأمّارة بالسوء هي في داخل الإنسان وتأمره بشدّة (أمّارة)، ودائماً تأمر وبكثرة تأمر. وكثير ما يدركه العقل، أي قناعة الإنسان، يخالف ما يشتيهه الإنسان، وما تشتهيه نفسه، فينوي لأنّه مقتضى قناعته ودركه وعقله، ولكنه لا يعمل بعد ذلك.

فرائض الشهر

الفريضة في شهر رمضان ليست واحدة ولا ثنتين ولا عشر ولا عشرين ولا خمسين، وتختلف الفرائض بالنسبة إلى مختلف الناس. فالصيام فريضة على من هو مكلَّف بالصيام، والصلوات فريضة، ولكن هناك فرائض أُخر، كثيرة وكثيرة. ومنها للإنسان مع المجتمع الذي يعيش فيه، ومع عائلته، ومع والديه، ومع أولاده، ومع الطاقات التي جعلها الله تحت قدرته، كأن يكون عنده أرض وزراعة وبيوت وأموال. فكل ما فرضه الله تعالى على هذا الإنسان، نقول عنها: إلهي أعنّا.

عادة تكون الإعانة في المورد الذي عزم الإنسان على شيء، ولكن لا يستطيع أن ينفرد بالقيام به ويحتاج إلى معين. وأما إذا لم يك عند شخص عزم وليس عنده نيّة ولا إرادة، فأين سيكون مورد الإعانة؟

قول الإمام صلوات الله عليه: وأعنّا على ما افترضت علينا من العمل، يعني: إلهي ما افترضته علينا من العمل، أي أعمال الإنسان، مثل عمل عينه، وعمل لسانه، وعمل أُذنه، وعمل لمسه. فهذه الأعمال فيها مفروضات وواجبات، وفيها مفروضات يجب تركها، وهي المحرّمات.

وقوله صلوات الله عليه: حتى ينقضي عن شهرك هذا، أي حتى ينتهي شهر رمضان، فأعنّا من الآن، من أوّل ليلة من شهر رمضان إلى آخر ليلة منه، وقد أدّينا مفروضك فيه علينا. أي إلهي أعنّا بشكل ينتهي شهر رمضان ونحن قد أدّينا ما افترضت فيه علينا.

لنعظ أنفسنا بأنفسنا

في حديث شريف عن الإمام الجواد صلوات الله عليه أنّه قال: (وواعظ من نفسه). فقد يكون شخص آخر يعظ الإنسان، وقد يكون الإنسان هو الذي يعظ نفسه، ويعني انّ القناعات التي عنده والأمور التي مقتنع بها بعقله، يعرف صحّتها ولزومها. فهذا الإنسان هو يعظ نفسه بهذه الأمور ويلقّن نفسه ويؤكّد على نفسه. فإذا لا تكون هذه الأمور، فإمّا لا يوفّق الإنسان أصلاً، أو يكون توفيقه قليلاً.

من الآن وفي أوّل ليلة من شهر رمضان، ليعزم الإنسان على ذلك ويستعين بالله عزّ وجلّ ويتوسّل بالمعصومين صلوات الله عليهم، الذين جعلهم الله الوسيلة إليه، حتى يوفّق، وإن لم يوفّق مئة بالمئة، يوفّق بشيء يقرب من المئة، ولكن هذا الأمر بحاجة إلى عزم، وبحاجة إلى تصميم، وبحاجة إلى إرادة، في هذه الليلة.

المفروضات على الرجل والمرأة

المفروضات على كل الإنسان في شهر رمضان كثيرة. فالرجل عليه مفروضات في طول السنة وبالخصوص في شهر رمضان. وفي شهر رمضان الطاعة لله عزّ وجلّ وأداء المفروضات، وترك المحرّمات، يكون فيها الأجر مضاعف، في هذا الشهر. ففي طول السنة يلزم عل الإنسان أن تكون له إرادة بأن يعمل بالقناعات، ولا ينصهر في الشهوات. وأما في شهر رمضان فهو مورد ومركز أهم من بقيّة الشهور.

كذلك المفروضات على المرأة بالنسبة إلى زوجها وبالنسبة إلى أولادها وبالنسبة إلى والديها وبالنسبة إلى مجتمعها. فكل من الرجل والمرأة، عليه مفروضات، خاصّة، ومفروضات إيجابية، يعمل بها، ومفروضات سلبية يتركها وهي المحرّمات.

المفروضات على الجميع

الوالدان عليهما مفروضات خاصّة بهما، وهكذا الأولاد، وعلى الحكّام مفروضات بالنسبة للشعوب، والشعوب عليهم فرائض بالنسبة للحكّام، والجيران بعضهم مع بعض، والأقرباء بعضهم مع بعض، والبائع بالنسبة للمشتري، والمشتري بالنسبة إلى البائع، والجار بالنسبة إلى الجار. فما فرضه الله تعالى على الإنسان في شهر رمضان، عليه أن يعرفها، بأنّها ماهي، وفي الوقت نفسه يستعين بالله حتى يعينه الله عزّ وجلّ وحتى يؤدّي ما فرضه الله عليه، وينتهي شهر رمضان وقد أدّينا مفروضك فيه علينا، أي في شهر رمضان. وإذا لم يصمّم الإنسان في هذه الليلة، وإذا لم تكن له إرادة قويّة، سيكون توفيقه أقلّ.

الإعانة للمورد اللائق والمناسب

إنّ إعانة الله سبحانه وتعالى تكون بالنسبة للمورد اللائق والمناسب عادة. فالإنسان الشلل مثلاً، الواقع على الأرض ولا يستطيع أن يتحرّك، هل يقول لأحد: أعنّي حتى أقوم؟ فهذه الإعانة لا تمكنها أن تفعل شيئاً، إلاّ إذا يقوم شخص آخر برفع هذا الإنسان الشلل رفعاً كاملاً. وأما الإنسان الذي يوجد ضعف في قواه، كأن يكون ألماً في رجله أو في ظهره، فهذا يحتاج إلى معين. وكذلك يجب أن تكون إرادة حتى تتحقّق من الله عزّ وجلّ الإعانة ويكون لها مصداق.

معرفة الفرائض

ربّ سائل يسأل: ما هي الفرائض على الإنسان؟ الفرائض هو الصوم على الإنسان، فيمن يجب عليه الصوم. وهناك مفطرات توجب بطلان الصوم، كالأكل والشرب متعمّداً وبدون نيسان، فهذا مما يفطر الصوم ويجب قضاؤه. وهناك محرّمات تحجب قبول الصيام، وهناك مكروهات تكون سبباً لضعف أجر الصوم. فيوجد في الأحاديث الشريفة، وكذلك يذكر الفقهاء في الرسالة العملية أنّه: يستحبّ للصائم أن يتعطّر، ويكره له شمّ الريحان. فالصائم الذي يخرج من البيت للشراء والبيع أو السفر وغيرها من الأمور، يستحبّ له أن يكون متعطّراً، ويكره له شمّ الريحان وهو الورد. وقال بعض الفقهاء: الفرق أنّه عندما يشمّ الصائم الريحان يتلذّذ هو فقط، واللذّة في حال الصوم وفي نهار شهر رمضان ليست مطلوبة، أي اللذّة الشخصية. وأما عندما يتعطّر فسيجعل هذا العطر المجتمع أحسن تآلفاً وتعاضداً. ولذا كان التعطّر للصائم مستحبّاً، وشمّ الريحان وهو الورد مكروهاً، وهذه درجات.

ما يمنع قبول الصيام

إذن على الإنسان أن يتعلّم هذه الأمور، مثل المفطرات التي تبطل الصيام، والمحرّمات التي لا تبطل الصيام، ولكن تمنع قبول الصيام. فيوم القيامة، يرى الإنسان الذي أتى بالمحرّمات غير المفطرات، مثل محرّمات النظر، ومحرّمات اللسان، ومحرّمات السمع، يرى صومه وصيامه غير مسجّلاً في حسناته، أي غير مقبول. فعلى الإنسان أن يعلم هذه المحرّمات عليه.

في الحديث الشريف: أّنّ امرأة بمحضر رسول الله صلى الله عليه وآله، سبّت جارية لها. وتطلق كلمة الجارية في اللغة العربية على البنت غير الكبيرة، أي التي عمرها ليس كثيراً، وتطلق على الأَمَة أيضاً. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلم أنّ هذه المرأة صائمة وهي سبّت جاريتها بمحضره، فعرض صلى الله عليه وآله عليها الطعام. فقالت: يارسول الله أنا صائمة! فقال لها: كيف أنت صائمة وقد سببتي جاريتك؟

ماذا يصنع سبّ الجارية؟ إنّه يبطل قبول الصوم، ولا يبطل أصل الصوم. فـ(إنّما يتقبّل الله من المتّقين). فالصائم الذي يسبّ حراماً، أي السبّ الحرام، هذا الإنسان ينتهي قبول صومه، ولا يُقبل.

كنز من الفضائل

هذه الليلة هي أوّل ليلة من شهر رمضان، ليعزم الإنسان على العمل بالمفروضات. فالأدعية المأثورة عن أهل البيت صلوات الله عليهم، ومنها الأدعية في شهر رمضان، وأدعية الليلة الأولى منه، هي كنز وكنز من الفضائل. والمهم على الإنسان أن يقرأ هذه الأدعية بالمقدار الذي يمكنه وفي الوقت نفسه يتأمّل في الجملة، ولا يقرأ الدعاء مسترسلاً، وبدون توجّه إلى المعاني، لأنّ الدعاء معناه أنّ الإنسان يتكلّم مع الله عزّ وجلّ.

إنّ الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم في الأدعية الواصلة عنهم، قد يكونون هم دعوا الله عزّ وجلّ، وقد يكون أنّهم صلوات الله عليهم علّموا الدعاء لبعض أصحابهم. وبالنسبة إلينا لا فرق بين الأدعية التي هم صلوات الله عليهم دعوا الله عزّ وجلّ بها، كدعاء أبي حمزة الثمالي الذي يرويه الأخير عن الإمام السجّاد صلوات الله عليه. فالإمام عليه الصلاة والسلام هو كن يقرأ هذا الدعاء، وهو كان يدعو الله عزّ وجلّ بهذه الجملة الموجودة في الدعاء. وقد تكون هناك أدعية أمر المعصومون صلوات الله عليهم بها للمؤمنين والمؤمنات.

التأمّل بقراءة الأدعية

إذن، من المهم، عندما نقرأ نحن هذا القسم من الدعاء الذي صدّرنا به الحديث في هذه الليلة، أن نتأمّل في معانيه، وأنّه ماذا نطلب من الله عزّ وجلّ، وماذا نريد منه تعالى، بالمقدار الذي يمكن لكل شخص.

إذا عزم الإنسان في هذه الليلة، يوفّق بعض الشيء، كثيراً أو قليلاً. وأمّا إذا لم يعزم فسيكون التوفيق عنده، إما مسلوباً، أو قليل جدّاً.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا وجميع المؤمنين والمؤمنات، في كل مكان، لأن نعزم ونصمّم بإرادة قويّة، في هذه الليلة، على أن نعمل بالفرائض، ونتعلّم الفرائض، حتى نستطيع أن نعمل بها.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.