نجل سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يبحث بجلسته الفكرية الخامسة والعشرين:

الثمن، في أركان الانضباط الثلاثة

بحث نجل المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، حجّة الإسلام والمسلمين السيّد حسين الشيرازي، في الجلسة الفكرية العلمية المرقمة بالخامسة والعشرين، ضمن سلسلة جلساته العلمية الفكرية الجديدة المعنونة بـ(معهد الانضباط وقهر المستحيل)، موضوع: الثمن، في أركان الانضباط الثلاثة.

عقدت هذه الجلسة عصر اليوم الخميس التاسع والعشرين من شهر شهر ربيع الثاني 1441 للهجرة، الموافق للسادس والعشرين من شهر كانون الأول/ديسمبر 2019م.

حضر الجلسة رجال الدين والفضلاء والطلبة، وأعضاء مكتب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في قم المقدّسة، وخطباء وضيوف من العراق والكويت وكندا وطلبة العلوم الدينية.

فيما يلي رؤوس نقاط من الجلسة المذكورة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعترته الطيبين الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين.

ـ قال تعالى: « يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا» (الأحزاب/28ـ29). قاعدة: «تعليق الحكم علي الوصف شعير بالعليّة».

ـ قال تعالى: «وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ» (التوبة/46).

ـ قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ» (التوبة/111).

ـ امير المؤمنين عليه السلام: «إنّ اللّه َ فَرَضَ علَيكُم زكاةَ جاهِكُم كما فَرَضَ علَيكُم زكاةَ ما مَلَكَت أيديكُم». المقنعة للمفيد.

ـ روي عن الصادق عليه السلام انه قال صلى الله عليه وآله: «لِكُلِّ شَيءٍ زكاةٌ وزكاةُ الأبدانِ الصِّيامُ». ومثله في الكافي وكتب الحديث.

ـ نهج البلاغة: «قُرِنَتِ اَلْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ وَاَلْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ» (الهيبة) قد تكون وصف الفعل بمعنى التهيب والخوف من الامور فانه التفسير الشائع، وقد تكون «صفة مشبّهة» اي: المهابة والجلالة التي يتصف بها الانسان فيكون المعنى متّحد السياق مع قوله عليه السلام بعده: «الحياء» الظاهر في «الصفة المشبّهة»، فيكون المعنى: أن ثمن الهيبة والعظمة هي الخيبة وعدم بلوغ الأهداف والمقاصد والعجز عن المتابعة والملاحقة وتصفية الحسابات.

ـ من ارقى مباحث الانضباط الجارية في الاركان الثلاثة ومن اشرف عناوين المعرفة هو البحث عن: الثّمن والغرامة والضريبة والإتاوة والجزية والخراج والفاتورة لمختلف ابعاد الحياة، فهي أفضل خدمة تسديها لذاتك.

ـ يجب على الانسان دفع كافة اثمان الحياة بشكل كامل وفوري وتجنّب التنصل عنها ولا عن شيء منها فانها تتعاظم وتتفاقم بمرور الزمان بشكل صادم وبلا حدود، فيتكبّدها اضعافاً مضاعفة ويتكبّدها ذريته وأخلافه باهظة جدّاً.

ـ الثمن في أركان الانضباط الثلاثة يكون كما يلي: 1. إعرفه وادركه وأبصر به (الانضباط الفكري) 2. ادفعه بكل أريحيّة ورحابة صدر وانشراح ولذّة وسخاء ورضا دون تبرّم ولا تضجّر ولا استثقال (الانضباط النفسي) 3. ضبط الآلية والكيفية، والتحدّي الاكبر في هذا المجال هو كيفية التنفيذ (الانضباط السلوكي)، وفي هذا المجال نؤكد أن الثمن تارة يكون دفعه قبل حلول وقته وزمانه، فانه لا شك أفضل وانفع وأدوم.

ـ يمكن تحديد ابرز موارد دفع الثمن ضمن عشرة عناوين، وهي كما يلي:

تنبيه: الثمن قد يكون: 1) مالياً 2) طاقة بدنيّة 3) الاعصاب 4) الوقت والزمان 5) ألم ومرارات 6) سُمعة سيئة 7) حرمان.

الأول: جميع الانجازات والنجاحات تترك وتخلّف تراكمات سلبيّة كثيرة سواء في نفوس الآخرين من الحسد والعداوات والصدمات بسبب الجهل، وسواء الآثار السلبية المترتبة في الحياة، التي تتحول إلى جثث ميّتة في الحياة مضافاً إلى أنّ طعم النصر كارثي للغاية يخلق في النفس الغرور والتكبر والغفلة بشكل هائل، مثلاً: لعبة «الانسجة السوداء» القائمة على التماهي والانسجام في اشكال المربعات المختلفة وكيفية وجهها وتخزينها واتساقها.

الثاني: الشهوات والملذات: قال امير المؤمنين عليه السلام: «أَنْ تُذِيقَ اَلْجِسْمَ أَلَمَ اَلطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ وَأَنْ تَعْمِدَ إِلَى اَللَّحْمِ اَلَّذِي نَبَتَ عَلَى اَلسُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ اَلْجِلْدَ بِالْعَظْمِ وَ يَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ».

ـ قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا» (المؤمنون/51).

ـ قال تعالى: «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا» (المائدة/93).

ـ الثالث: المواهب الالهيّة: 1) قال تعالى: «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ... فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ» (يونس/31).

2) قال تعالى: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (النحل/78).

3) قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ» (المؤمنون/78).

4) قال تعالى: «وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».

5) قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ».

الرابع: الحقوق والأهداف والمقاصد: نهج البلاغة: «لَنَا حَقٌّ، فَإِنْ أُعْطِينَاهُ، وَإِلاَّ رَكِبْنَا أَعْجَازَ الإبِلِ، وَإِنْ طَالَ السُّرَى». أقول: الرديف هو ركوبٌ على أعجاز البصران بالذلّ والمهانة كركوب العبيد فان كل هدف شريف ورفيع وسامي وراقي في الحياة بل وكل هدف سافل وحقير وضحل ومنحطّ فانه لا محالة يحتوي على حجم من الثمن والضريبة متناسبة مع حجم الهدف، واليه اشار قوله تعالى: «لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً».

الخامس: الدين والمذهب والمبادئ والقيم: قال تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا» (الأحزاب/72).

وقال تعالة: «فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ» (الأعراف/6). في الآية صدر البحث «ان الله اشترى» يظهر بشكل صريح أنّ الثمن في خصوص أمر الدين قد يبلغ مستوى التضحية بالحياة الشخصية أو التعرّض لمخاطر وتهديدات جسيمة.

السادس: المعاصي والذنوب: نهج البلاغة: «ما أقبح بالمؤمن أن يدخل الجنة وهو مهتوك الستر». نهج البلاغة: «لا تُعيونا في طلب الشفاعة لكم يوم القيامة بسبب ما قدّمتم ولا تفضحوا أنفسكم عند عدوّكم يوم القيامة ولا تكذبوا أنفسكم عندهم في منزلتكم عند الله بالحقير من الدنيا».

اقول: «الحقير من الدنيا» اعمّ من ارتكاب المعاصي، ومن اكتساب الحسنات والفضائل الحقيرة التافهة الرديئة.

السابع: الحياة والبيئة التي تحيط بنا: نهج البلاغة: «اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلاَدِهِ، فَإنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ».

قال تعالى: «وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا» (الأعراف/56).

وقال تعالى: «وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (الأعراف/85). وقال تعالى: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ» (الصافات/24) وقال تعالى: «فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (الحجر/92ـ93).

الثامن: الآباء والأسلاف، فلا يمكن التنصّل بوجه من الوجوه مما اقترفه الآباء ومن تركتهم السلبية المختلفة، ونقاط ضعفهم وهفواتهم وكل ما سيأتي في العنوان العاشر، بل قد تكون التركة الأليمة نتيجة قيامهم برسالتهم ودورهم المشرّف، فمثلا: «الذي يقوم بتمثيل دور قتلة الامام الحسين عليه السلام في تشابيه عزاء سيد الشهداء عليه السلام المقدسة، فانه لا محالة يدفع ثمن هذا الدور، الأولاد المتعاقبة.

التاسع: الإخفاقات والرسوب والعجز ونقاط الضعف والهزائم وموارد الفشل المختلفة الحاصلة لدى الانسان: روى الشيخ المفيد في الارشاد وغيره أيضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام: «كما اضحكك الدهر, كذلك الدهر يبكيك‌»، وقال في نهج البلاغة: «وَاِعْلَمْ بِأَنَّ اَلدَّهْرَ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ». نهج البلاغة: «فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيَا وَ تَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلِّ عَيْشٍ غَفُولٍ، إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ».

العاشر: الآخرين: دفع الثمن عن الآخرين يشمل كافة المجالات، وأبرزها عشرة: 1) قصورهم وتقصيراتهم 2) نزعاتهم ونزواتهم 3) غرائزهم وطبائعهم 4) تصرفاتهم البائسة (كسل، ضجر، طمع، خدر ...) 5) جبتهم وخوفهم 6) جهلهم وسفاهتهم وحمقهم وخفة العقل لديهم 7) كفرهم وكفرانهم للنِعم الالهية 8) راحتهم وشهواتهم 9) اخفاقاتهم وهزائمهم 10) انجازاتهم ونجاحاتهم ومكاسبهم، دفع الثمن عن الآخرين ففي زيارة النبي صلى الله عليه وآله: «أَشْهَدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَعَ كُلِّ شَاهِدٍ وَأَتَحَمَّلُهَا عَنْ كُلِّ جَاحِدٍ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ رِسَالاتِ رَبِّكَ وَنَصَحْتَ لِأُمَّتِكَ وَجَاهَدْتَ فِي سَبِيلِ رَبِّكَ وَصَدَعْتَ بِأَمْرِهِ وَاحْتَمَلْتَ الْأَذَى فِي جَنْبِهِ».