|
|
|
|
التقرير الكامل للجلسات العلمية الرمضانية الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة لسماحة المرجع الشيرازي دام ظله
الجلسة الخامسة بتاريخ الرابع من شهر رمضان العظيم 1440 هجرية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.
* العلم بالمفطرات ونيّة الإمساك عنها: في بداية الجلسة طرح أحد الفضلاء مسألة حول نيّة الصوم: يقول المرحوم السيّد في العروة (فصل في النيّة: المسألة 4): «لو نوى الإمساك عن جميع المفطرات ولكن تخيّل أنّ المفطر الفلاني ليس بمفطر، فإن ارتكبه في ذلك اليوم بطل صومه، وكذا إن لم يرتكبه ولكنه لاحظ في نيّته الإمساك عمّا عداه، وأمّا إن لم يلاحظ ذلك صحّ صومه في الأقوى». والآن هل أنّ في الصوم يلزم العلم بالمفطرات وقصد الإمساك عنها؟ قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظلّه: لابدّ أن نرى ما هو مقتضى الأدلّة، هل هو صوم التكليفي الواجب على الجميع الذين لا هم مرضى ولا هم بمسافرين، وقطعاً فإنّ هناك الكثيرون لا يرون مفطرات الصوم بالتّفصيل، فهل يبطل صومهم؟ وهذه المسألة طُرحت في محرّمات الإحرام، وهي محلّ خلاف. يبدو: فقط في حالة تكون على نحو التّقييد بدقّة، أي لو نوى الإمساك عمّا عداه تقييداً، وهذا الفرض نادر جدّاً جدّاً، فحينئذٍ الصيام باطل، وفي غير هذه الحالة يكون الخطأ في التّطبيق، والصيام صحيح. لقد استدلّ الفقهاء في موارد عديدة بالعمومات التّرخيصية في رفع الحكم الوضعي، وفي خصوص هذه المسألة التي قرأتها، أشكل مجموعة من المحشّين على السيّد، وقالوا بأنّ صيامه صحيح.
* الفرق بين مفطر ومفطّر: وطرح أحد الحاضرين سؤالاً أدبياً: هل أنّ «مفطر» هي الصحيحة؟ أم كلمة «مُفطِّر»؟ قال سماحته: كلتا الكلمتين صحيحتان، لأنّ باب الأفعال وباب التّفعيل كليهما لأجل التّعدّي، وفي الظّاهر أنّ كلاً من كلمتي «أفطر» و«فطّر» قد وردتا في الرّوايات.
* من مصاديق العلم الإجمالي: سأل أحد الفضلاء: إذا قرأ شخص نافلة الصّبح وفريضة الصبح، وبعد ذلك علم علماً إجمالياً بإبطال إحدى الصلاتين، فهل يلزم إعادة فريضة الصبح أم لا؟ قال سماحته: العلم الإجمالي منجّز في مكان يكون لطرفيه حكماً إلزامياً، ولكن إذا كان طرفاً منهما لازماً والطرف الآخر غير إلزامي فليس هنا منجّزاً، وقد طرح هذا البحث في باب العلم الإجمالي في الأصول، أي أنّ العلم الإجمالي منجّز إذا كان تفصيلياً وحكمه إلزامي. في هذه المسألة إذا كان العلم التّفصيلي ببطلان نافلة الصبح، فإنّ الصلاة لا تلزمها الإعادة والقضاء، ولأنه لا علم له أنّ هناك واجباً عليه. سُئل: في هذه المسألة هل هناك فرق بين أن يكون العلم الإجمالي علّة تامّة أم مقتضى؟ قال سماحته: كلا، فهذا بحث آخر وليس له ربط في مسألة مورد السؤال. فقال أحد الحاضرين: إذا كان العلم الإجمالي ببطلان إحدى الصّلاتين الواجبة والنّافلة لجهة الإخلال في الرّكن، يجب أن يكون العلم منجّزاً، لأنّه كان لديه الاشتغال اليقيني بوجوب الصلاة، ولكن ليس له العلم بالبراءة، والاشتغال اليقيني مستلزم بالبراءة اليقينية. قال سماحته: قاعدة الفراغ التي تقول: «إذا خرجت من شيء... فشكّك ليس بشيء» لم تترك مكاناً لقاعدة الاشتغال.
* ترك تكبيرة الإحرام جهلاً: سأل أحد الفضلاء: إذا كان الشخص جاهلاً بوجوب تكبيرة الإحرام، وأدّى الصلاة عدّة سنوات من دون تكبيرة الإحرام، فما حكم صلاته؟ قال سماحته: هذه المسألة مسألة مشكلة، ويجب أن نرى هل أنّ دليل «لا تُعاد» يشمله أم لا؟ يقول بعض السّادة: «لا تُعاد الصلاة» هي في حالة تحرز فيها الصلاة، وإذا كانت من دون تكبيرة الإحرام، وبدأ مباشرة بقراءة الحمد والسورة، فهي ليست صلاة أساساً، لأنّ مفتاح الصلاة التّكبير، فإذاً حينما لم يكبّر فهو لم يدخل إلى الصلاة أبداً، وهي ليست بصلاة، حتى يشمله «لا تُعاد الصلاة». أنا شخصياً طرحتُ هذه المسألة مع الأعاظم كراراً، فقال بعضهم: «الصّلاة مفتاحها التّكبير» معناها أنّ من دون التّكبير لم يدخل إلى الصّلاة أبداً. لكن يبدو: كلّ من قال أنّ هذه ليست بصلاة، ولكن ملاك «لا تُعاد» يشمل هذا المورد. ولعلّنا نستطيع القول: إنّ ظاهر «لا تُعاد» يعني كلّ خلل أعم من فقد الشّرط أو الجزء، ووجود القاطع أو المانع الذي سيطرأ على الصلاة، ولم تكن من إحدى تلك الموارد المستثناة الخمسة (القبلة، الطهور، الوقت، الركوع، السجود)، وقد أضاف الفقهاء مورداً سادساً وهي النيّة، فمن هذه الجهة إذا لم تكن هناك نيّة فليست هناك صلاة، أيضاً ألحقت إلى مستثنيات «لا تُعاد»: إذا مُحيت صورة الصّلاة. الخلاصة: إذا لم يكن ذلك الخلل من إحدى هذه الموارد السّبعة، وجرى جهلاً في الصلاة، فإنّ صلاته صحيحة. وبعبارة أخرى: إنّ دليل «لا تُعاد» من أدلّة القاعدة التّسهيلية لأجل الشخص الجاهل، وطبعاً الجهل القصوري، لأنّ الجاهل المقصّر هو في حكم العامد العالم. بناءً على هذا الاستظهار، نستطيع القول بأنّ الذي لم يقل بتكبيرة الإحرام جهلاً بوجوبها، أنّ صلاته صحيحة، وإذا لم يستظهر، فصحّة الصلاة فيها إشكال.
* ترك نيّة الصلاة: قال أحد الفضلاء: هل هذا الاستظهار الذي قلتم بها من دليل «لا تُعاد» نستطيع القول به في مورد النيّة أيضاً؟ وإذا أقيمت الصلاة من دون النيّة هل يكون الشخص مشمولاً بحديث «لا تُعاد»؟ قال سماحته: وكيف إذا قلنا بأنّ الإجماع أو الارتكاز على بطلان الصلاة في هذا المورد.
* ترك التسليم في الصلاة: سأل أحد الحاضرين: إذا قرأ عدّة سنوات الصلاة من دون التّسليم جهلاً، فما حكم صلواته؟ قال سماحته: وردت هذه المسألة في (العروة) وبعضهم قالوا بأنّها كترك تكبيرة الإحرام، لأنّ ماهية الصلاة: «مفتاحها التّكبير وختامها التّسليم»، لذلك حينما لم يسلّم فلم تكن هناك صلاة أبداً، علماً بأنّ التّسليم أهون نسبة إلى التّكبير، فإذا قلنا في التّكبير بأنّ صلاته صحيحة، فإنّ في التسليم وفي نفس الاستظهار يكون مشمولاً بحديث «لا تُعاد».
* الفروع الأخرى للمسألة: بعد ذلك أشار سماحته بهذه المناسبة إلى فرع آخر من مسألة الخلل في الصلاة، وقال: أنّ شخصاً حين الصلاة وبعد تكبيرة الإحرام كان يقول: «يا حسين». فلجهة الجهل بمسألة صلاته فهو مشمول بحديث «لا تُعاد» وصلاته صحيحة. ولكن لا يجب عليه أن يقول ذلك عامداً، لأنّه في الصلاة يجب أن يكون الخطاب لله سبحانه وتعالى فقط، والاستثناء الوحيد فيها هي كلمة: «السّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته». نعم، يستطيع قبل التّكبير أن يقول: يا حسين، أو يقول: «صلّى الله عليك يا أبا عبد الله». وفي الصلاة يستطيع أن يقول بصيغة الدّعاء: «اللهم صلّ على الحسين عليه السلام». والخلاصة: في الصلاة يجب أن يكون الخطاب لله سبحانه وتعالى.
* بيع مورد الوصية: سأل أحد الحضور: شخص أوصى بمال، ثمّ باع ذلك الشيء، فهل يُعدّ رجوعاً عن الوصيّة؟ قال سماحته: الشخص ما دام حيّاً يستطيع نقض الوصية وأن يتراجع عنها، لأنّ الوصية ليست ملزمة للموصي نفسه. سأل أحد الفضلاء: إذا كان البيع فاسداً، أو أنّه أقاله، فهل تبطل الوصية؟ أم أنّ الوصية ترجع مجدّداً إلى حالتها الأولى؟ قال سماحته: الأصل في مثل هذه المسائل تابع للنيّة والقصد، لأنّ «العقود تابعة للقُصود». وقال بعض الحاضرين: إذا أقال البيع ألا ترجع الوصية؟ فأجاب سماحته مؤيّداً: لأنّه مع البيع، نقضت الوصية، وبعد الفسخ يحتاج إلى دليل بأنّ الوصية قد نقضت لترجع مجدّداً، وإذا لم يكن هناك دليل، فالقاعدة تقول أنها ترجع إلى ملك الموصي، وإذا مات توزّع على الورثة.
* خمس أموال الأبناء: سأل أحد من الحضور: هل يتعلّق الخمس بأموال الأطفال قبل البلوغ؟ قال سماحته: طرح هذه المسألة صاحب (العروة) كعنوان المسألة الأخيرة في الفصل الأول من كتاب الخمس، وهي المسألة رقم 84: «الظاهر عدم اشتراط التّكليف والحريّة في الكنز والغوص والمعدن والحلال المختلط بالحرام والأرض التي يشتريها الذمّي من المسلم، فيتعلّق بها الخمس، ويجب على الولي والسيّد إخراجه، وفي تعلّقه بأرباح مكاسب الطفل إشكال والأحوط إخراجه بعد بلوغه». قال مجموع من الأعاظم والمحشّين: الخمس يتعلّق بأموال الطفل على نحو الفتوى أو الاحتياط الوجوبي. والوجه في ذلك هي أنّ في الخمس، لم يقل الدّليل: «عليك الخمس»، حتى يُقال: أنه تكليف، وهي لا تشمل الصبي، كما هي كذلك في الصلاة والصيام، حيث يقول: اقرأ الصلاة (أقم الصلاة)، وصم (صم للرؤية). بل إنّ في باب الخمس قال الدليل: «فيه الخمس»، أي: الحكم وضعي وليس تكليفياً، ولذلك يتعلّق بأموال الطفل أيضاً. بناءً على هذا إذا جيء إلى الطفل بهدية، فهي ملكه، وإذا مضت عليها السنة ولم تُصرف لمؤونته، يتعلّق بها الخمس، وعلى وليّه أن يخرجه، كما إذا اختلط بأموال الصبي أموال أخرى، فيلزم على الولي إخراجها وإرجاعها لصاحبها، وفي الخمس أيضاً تعلّقت بأرباب الخمس، ويجب إعطائها لهم.
* نفقة الطفل: بالنسبة إلى الطفل، هناك مسألة ومن الممكن أنّ أحداً لم يلتفت إليها، وهي محلّ ابتلاء الكثيرين، فنفقة الولد الطفل على والده، وهذا في حالة إذا لم يكن للولد مالاً، وأمّا إذا كان لهذا الطفل مالاً، وعلى سبيل المثال: توفيت والدته ووصلت إليه أموالاً من الإرث، فهنا نفقة الولد لا يجب على الوالد، ويستطيع الأب أن ينفق على ولده من مال ولده، فهو يستطيع الأخذ من مال الولد وصرفه عليه. أو إذا وجبت على الولد دية، أو كان هناك ضمان عليه، وعلى سبيل المثال: كسر آنية الناس، فإذا كان للولد مالاً يستطيع الوالد الأخذ من مال الولد نفسه، والأداء. الخلاصة: إنّ في العمودين (الأب والأم وكلّما علت، والأبناء وكلّما سفلت) هم واجبوا النّفقة إذا لم يكن لديهم مالاً، بخلاف الزوجة التي تكون واجبة النّفقة على الزوج مطلقاً حتى ولو كانت الزوجة غنيّة وثريّة، وفي هذه المسألة لا توجد فيها خلاف. ثمّ قال سماحته: هناك مسألة، لم يُلتفت إليها، وهي إذا صدم شخص ولداً غير بالغ، ولهذا السبب هناك دية على هذا الشخص تتعلّق بالولد، فهذه الديّة للولد ولا يحقّ للوالد أن يسامح الضّارب، وإذا سامحه كما نرى في بعض الأحيان وهو غير ملتفت أنه تصرّف في ملك الولد، وهي على خلاف مصلحته، فإذا سامح الأب عليه أن يدفع من ماله إلى ولده، إلاّ إذا كانت هناك مصلحة في المسامحة. سأل أحد الحاضرين: إذا أصيب الولد في هذا الفرض الذي قلتم، وثبتت دية على الضّارب، هل يستطيع أن يطالب قبل البلوغ؟ قال سماحته: نستفيد من آية {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} أن يكون بالغاً ورشيداً أيضاً. وقال أحد الفضلاء: بالنّسبة إلى تعلّق الخمس إلى مال الطفل غير البالغ، خطاب الآية الشّريفة إلى المكلّفين: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ}، والطفل غير مكلّف حتى يشمله هذا الخطاب؟ أجاب سماحته: الرّوايات الشّريفة جعلت الخمس متعلّقاً بالمال: «كلّما أفاد الناس من قليل أو كثير فيه الخمس». وبناءً على هذا، إذا كان للطفل وليّاً فالعهدة عليه بأداء الخمس. الخلاصة: أن تعلّق الخمس، حكم وضعي، نعم وجوب أدائه حكم تكليفي، وهو ليس على الولد بل على وليّه أو الحاكم الشرعي، وإذا تعلّق الخمس على ماله، ولم يخرج، فيجب عليه بعد البلوغ حتى يؤدّي الخمس.
* حديث «رفع القلم» للولد: سأل أحد الحاضرين: إذا قام الولد بصدم شخص، فهل هو مشمول بـ«رفع القلم عن الصبي»؟ قال سماحته: قال بها بعض، ولكن تبدو غير تامّة في الظّاهر، والمشهور قالوا بأنّ ذمّة الولد مشغول، وإذا كان للولد مالاً، فعلى الوليّ أن يُعطي من ذلك المال، وإذا لم يكن لدى الولد مالاً فعلى إمام المسلمين أن يؤدّي المبلغ.
* مداواة الزوجة: المسألة الأخيرة التي طُرحت كانت: هل أنّ معالجات الزوجة هي جزء من نفقة الزوجة التي يجب على الزوج؟ أم لا؟ أجاب سماحته: لقد طرح العلماء هذه المسألة، وقال بعضهم: معالجات الزوجة ليست جزءاً من النّفقة مطلقاً، لأنّ الأدلة حصرت النّفقة الواجبة بثلاثة موارد، وهي: المأكل والملبس والمسكن، ولذلك فإنّه لا يجب على الزوج مصاريف المعالجة. لكن جماعة قالوا: إن كانت المعالجات خفيفة يلزم على الزوج أن يصرف عليها، وهي ترجع إلى ملاك إطلاقات النّفقة وعرفاً تعدّ مثل هذه الموارد جزءاً من النفقة، ويبدو أنّه كلام جيّد. وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
الجلسة السادسة بتاريخ الخامس من شهر رمضان العظيم 1440 هجرية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
.
* الرّهن والإجارة: في بداية الجلسة سأل أحد الفضلاء: ما حكم الرّهن والإجازة، والمتعارف بهما اليوم؟ قال سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظلّه: لقد أدرك الفقهاء من الرّوايات بأنّ الرّهن وثيقة للدّين، فإذا احتاج شخص للمال ولديه دار ويريد أن يستقرض مبلغاً من شخص آخر، يرهن داره في مقابل المبلغ، وفي هذه الحالة لا يستطيع أياًّ من الرّاهن والمرتهن التصرّف بالدّار. في الرّهن، لا يستطيع مالك الدّار أن يتصرّف بها، لأنّها ليس ملكاً طلقاً له، بل هي ملك محجور، ولا يستطيع أيضاً المرتهن أن يتصرّف بها، لأنها ليست ملكاً له في الأصل، لأنّه أخذها بعنوان وثيقة الدّين. لكن من ناحية أخرى، باستطاعة كلّ من مالك الدّار أن يأذن للذي استقرض منه أن يتصرّف بالدّار، وكذلك الذي أقرض المال يستطيع أن يأذن لمالك الدّار التصرّف بداره، سواءً أكان مقابل عوض أم لا؟ وهذا هو أصل العقد، عقد الرّهن، وحكم التصرّف في العين المرهون. لكن المتعارف اليوم، وكان ذلك أيضاً في الزمان السّابق: أنت ترهن دارك للذي أقرضك المال، ثمّ تؤجّر نفس الدّار للدّائن، والسّؤال هنا: كيف لك أن تؤجّر داراً لا يحقّ لك التصرّف بها لأنّ الرّهن قد وقع؟ أو إذا أراد المديون أن يقيم في نفس الدّار، فيؤجّر له الدّائن تلك الدّار، والسؤال هنا: كيف يُؤجّر داراً هي ليست ملك الدّائن؟ وبعبارة أخرى: كيف يؤجّر دار المديون إلى المالك نفسه؟ من وجهة نظر القواعد الفقهيّة، إذا كانت هذه المعاملة قرضاً، ورهناً على القرض، فإنّ إجازة أيّ واحد منهما غير صحيح، ولهذه المسألة فقط حلاً شرعياً واحداً، وهي أن يعطي كلّ واحد منهما للآخر إذناً بالتصرّف في الدّار. أي: في الواقع هذه ليست بإجارة، وإنّما إجازة، وإن بانت بلفظ الإجارة، ولكن مقصودهما الإجازة في التصرّف، ومن باب الخطأ في التّطبيق نستطيع القول بأنّها صحيحة. قال بعض الفقهاء: طبق القاعدة المسلّمة «العقود تتبع القصود»: إذا كان للمتعارفين بينهما لفظاً من باب «إنّما يحلل الكلام ويحرّم الكلام»، ولكن ليس الملاك لفظ خاص، ويكفي أيّ لفظ يُذكر، وكانت قرينة على مقصودهما. في باب النّكاح والطّلاق فقط، المشروط فيهما لفظ خاص، وإن قال بعض الأعاظم: أنّه في النّكاح شرطوا أصل اللفظ، ولم يشترطوا خصوصيّاته. في باب البيع والإجارة: لنا بيع واحد وإجارة واحدة، ولكل منهما صيغةً خاصةً بهما، كمثل: بعتك وقبلت في البيع، وآجرتك الدّار وقبلت في الإجارة. لكن هناك مورد ثالث يدلّ على قصد الإجارة، ولكن يستفيد من لفظ البيع، ويقيم قرينة على مقصوده، مثلاً يقول: بعتك هذه الدّار منافعها، وقد أورد معنى الإجارة مع لفظ البيع. في هذه الحالة استشكل بعضهم، وقالوا: ليست صحيحة، ولكن جماعة قالوا: الإجارة صحيحة لأنّ «العقود تابعة للقصود». وفي الظّاهر، فإنّ الرأي الثّاني قول جيّد. فيما نحن فيه، وهي مسألة الرّهن والإجارة، نستطيع أن نقول طبق هذا المبنى: حتى إذا استفاد من لفظ الإجارة، ولكن لجهة أنّ مقصود الطّرفين هو التصرّف بالإجازة، فلا إشكال في ذلك، وأنّ الرهن وإجازة التصرّف صحيحة.
* عقد النّكاح وخصوصيّة لفظ الإيجاب: يصرّح المرحوم السيّد أبو الحسن الأصفهاني في (وسيلة النجاة) في باب عقد النكاح: أنّ بعض الأهالي في سوريا ولبنان ألسنتهم بشكل، حيث يقولون بدل كلمة «زوّجتُ» بـ«جوّزتُ». ويقول المرحوم السيّد: لا إشكال في ذلك، والعقد صحيح، والنكاح جار، لأنّ هذا الشخص يقصد من «جوّزت» بأنها هي نفس كلمة «زوّجت»، و«العقود تابعة للقصود». مع أنّ في اللغة العربية معنى «زوّجت» تختلف كثيراً مع كلمة «جوّزت»، فزوّجت بمعنى الزّواج، وأمّا «جوّزت» فهي بمعنى إعطاء الإذن، ولكن بوجود القرينة على أنّ المراد من هذا اللفظ هو ذلك العقد المعهود، فلا إشكال فيه. لهذا قال مجوعة من الفقهاء: وحتى في باب النّكاح إذا لم يكن للرجل والمرأة قصد السّفاح، بل كان قصدهما عقد النّكاح حتى يعيش مع بعضهما عمراً بعنوان الزوج والزوجة، وفي هذه الحالة: أيّ لفظ يستخدمان، وبأيّ لغة كانت بمعيّة القرينة، على أنّ قصدهما هو العقد الشرعي لا الزنا، فهذا العقد صحيح. هكذا هي في مسألة الرّهن والإجارة أيضاً. وطبق هذا المبنى إذا رهن داره في مقابل مبلغ بعنوان القرض، ثمّ يقول صاحب الدّين، لمالك الدّار: أؤجر الدّار لك. أي لمالك الدّار، أو يقول صاحب الدّار: أؤجر الدّار للدائن، فإذا كان مقصودهما من الإجارة نفس الإجازة، فالتصرّف صحيح.
* الفرق بين عقد النّكاح والطّلاق: قال أحد الحاضرين في الجلسة: لماذا في الطّلاق تقولون: إذا قيل بلفظ آخر غير «طلّقت» أو «أنت طالق» لا يقع الطلاق؟ قال سماحته: بالنسبة إلى الطّلاق لجهة وجود الأدلّة، كمثل الإجماع، فاقتصرت على لفظ خاص، ولكن ليست كذلك في النّكاح ولا يوجد هناك إجماع، ومن جانب آخر قد سهّل الشّارع في النكاح، وأراد أن يجري هذا العقد بكلّ راحة، بخلاف الطّلاق المبغوض لدى الشارع، حيث استصعب كي لا يقع إلاّ قليلاً. نعم، ما هو المسلّم والإجماع أنّ في النكاح، لا يكفي صرف التّراضي، وتوافق الطرفين من دون أيّ لفظ، وبعبارة أخرى: النكاح المعاطاتي غير صحيح، بل يجب أن يُقال لفظ، «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام»، ولكن ما هو اللفظ الذي يجب أن يُقال؟ وهل أنّ خصوص لفظ «أنكحت» و«زوجت» كاف؟ أم أيّ لفظ آخر يُوصل معنى التّزويج والنّكاح؟ ففتوى جماعة من الفقهاء: تكفي بأيّ لفظ كان، بشرط أن تدلّ القرينة على المقصود، أي عقد النكاح.
* رهن سند الدار: قال أحد الفضلاء: اليوم يضعون في مقابل القرض رهناً، ولكن لا يُعطي العين المرهونة بيد المقرض، بل على سبيل المثال: إذا كانت الدّار رهناً، فإنّهم يضعون مستمسكها عند البنك، ويبقى صاحب الملك في ملكه، والمستمسك عند البنك، والآن إذا أجّر صاحب الملك الدّار إلى شخص آخر، فهل هذا صحيح؟ قال سماحته: إذا كانت الدّار مرهونة، والمستمسك دليلاً على رهن الدّار، فإقامته وتأجيرها للآخر تحتاج إلى إجازة الدّائن، وإذا قلتم بأنّ العرف هكذا، وعلى أساس أن يبقى المديون في داره، فهذه هي نفس الإجازة، وبناءً على هذا فصحيحة، وخلاصة الكلام، هي أنّ: معيار الإجازة والرّضى هما الطّرفان.
* الإجارة المشروطة بالقرض: السّؤال الآخر الذي طرح في هذا المجال، هو: إذا أجّر شخص داره، واشترط ضمن عقد الإجارة، أن يقرض المستأجر مبلغاً إلى المؤجّر، فما هو الحكم؟ أجاب سماحته: لا إشكال فيها، وهي ليست رباً، والدّليل الموجود بأنّ الرّبا بخصوص «كلّ قرض جرّ نفعاً»، فهو رباً. وحول السؤال، إذا عكسنا: أي «إجارة جرّت نفعاً»، فلا إشكال فيها. نعم، إذا أقرض لشخص مبلغاً شرط أن يؤجّر المقترض داره له، لمدّة سنة واحدة، وبأرخص من البقيّة، فهنا المعاملة ربوية، وهي حرام. الخلاصة: في عقد الرّهن والإجارة التي هي معروفة اليوم وشائعة بين المجتمع، فإنّ حكمها باختلاف صورها، فإذا كانت في إطار الشّرع، أي تحت مظلّة القرآن الكريم والعترة، لا مانع ولا إشكال فيها.
* الرهن والتصرّف في العين: قال أحد الحضور: الرّهن يعني الإيداع، ولازمه هو ألاّ يتصرّف المالك في العين المرهونة، فكيف تقولون مع إجازة المرتهن يستطيع الرّاهن أن يتصرّف في العين المرهونة، فهذا خلاف معنى الرّهن؟ قال سماحته: عدم جواز تصرّف الرّاهن في مال الرّهن، ومن حقّ المرتهن، والمرتهن يستطيع التّنازل عن هذا الحقّ، ويعطي الإجازة في التصرّف. بعبارة أخرى: إجازة التصرّف في مال الرّهن ليس على خلاف مقتضى عقد الرهن حتى يكون فيها إشكال، بل هي على خلاف إطلاق عقد الرهن. ثمّ بعد ذلك سُئل حول أصل المسألة، وأكّد سماحته مرّة أخرى بقوله: ما المانع إذا قلنا: في مختلف العقود، حين تغيير الألفاظ أن نقول بالصحّة، وطبعاً مع وجود القرينة على أنّ المقصود هو المعنى الأصلي للعقد، لأنّ «العقود تابعة للقصود»، وقد ذكر اللفظ الدال على القرينة أيضاً. وقال مجموعة من الفقهاء: حينما يقول عقد الإجارة بلفظ البيع: بعتك منافع هذه الدّار، فلا إشكال فيها، إلاّ في مورد يكون فيه خلاف ارتكاز المتشرّعة، وفي هذه الحالة فهي ليست صحيحة، لأننا نقبل بكبرى الارتكاز والمتسالم عليه، وأنّ مع نحن فيه. قال بعضهم بالجواز، فنعلم أنهم لا يقولون على خلاف الارتكاز، لأنّهم يقبلون بكبرى الارتكاز. وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين.
الجلسة السابعة بتاريخ السادس من شهر رمضان العظيم 1440 هجرية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.
* صيام البالغين حديثاً: في بداية الجلسة سأل أحد الفضلاء: الولد البالغ حديثاً، أو الفتاة البالغة، في السنة الأولى من صيامهما، ونتيجة للصيام، ينتابهما ضعف شديد، وينهاران، وهما غير قادرين على الصيام، هل أنّ تشخيص الصيام المضرّ لهما، عليهما؟ أم الملاك تشخيص الأبوين؟ قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في الجواب: إذا كان الشخص البالغ حديثاً من أهل التّشخيص، فالملاك تشخيصه هو، لأنّ الفقهاء تسالموا على أنّ الضرر والحرج شخصي، ولكن إذا لم يستطع المراهق التّشخيص، فالاعتبار تشخيص وليّه، لأنّ الوليّ يتولّى مصالح المولّى عليه، وإن لم يكن له ولياًّ (الأب أو الجدّ الأبوي)، فتشخيص الثّقة الآخر، كالأم أو الأخ الأكبر أو بقيّة الأرحام الذين لا ولاية لهم عليه، وإذا قاموا بالتّشخيص بأنّ للصيام ضرراً أو حرجاً على المراهق البالغ حديثاً، وطبق تشخيصهم هذا يستطيعون أن يقولوا للولد: أفطر ولا تصم. الأصل الأوّلي في باب الضرر والحرج تشخيص الشخص نفسه، وقال الفقهاء، ومنهم صاحب (العروة): حتى لو أنّ الطبيب، وهو من أهل الخبرة الثّقة، ولقوله اعتبار شرعي وعقلائي، وقوله أمارة وحجّة، إذا قال شيئاً، ولكن الشّخص نفسه شخّص على خلاف الطبيب، فإنّ المكلّف يعمل بتشخيصه هو. في الرّواية التي وردت في باب الصوم، سُئل الإمام (عليه السلام): ما هو حدّ المرض المجوّز للإفطار؟ فقال (عليه السلام): «إن وجد ضعفاً فليفطر، وإن وجد قوّة فليصم». وقال (عليه السلام) في رواية أخرى: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}. عن سماعة، قال: سألته ما حدّ المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار، كما يجب عليه في السّفر من كان مريضاً أو على سفر، قال: «هو مؤتمن عليه مفوّض إليه، فإن وجد ضعفاً فليفطر، وإن وجد قوّة فليصمه، كان المرض ما كان». عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، قال: كتبت إلى أبي عبد الله (عليه السلام): أسأله ما حدّ المرض الذي يفطر فيه صاحبه، والمرض الذي يدع صاحبه الصلاة قائماً، قال: « {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} ، وقال: ذاك إليه هو أعلم بنفسه».
* صيام الطفل غير البالغ: قال أحد الفضلاء: هل لصيام الطفل غير البالغ شرعية؟ أي أنّ عبادات الصبي مجرّد تمرين أم لها مشروعيةً؟ قال سماحته: في هذه الجهة ليس هناك فرق بين الولد البالغ وغير البالغ، وعبادات الصبي المميّز شرعية يُثاب عليه.
* نبش القبور القديمة: سأل أحد الفضلاء: نبش قبور الأموات الذين مضى على موتهم أكثر من ثلاثين عاماً، هل يجوز دفن ميّت آخر في قبورهم؟ وإذا دفن ميّت آخر ألا يُعدّ ذلك غصباً للمكان؟ أجاب سماحته: هنا لابدّ من ذكر مسألتين: 1- نبش قبر الميّت المسلم غير جائز بالإجماع، إلاّ في موارد خاصّة ذكرت في محلّها، علماً أنّ النّبش يصدق حينما تكون عظام الميّت باقية، وإذا شكّ فاستصحاب الحرمة جار، إلى أن يحرز عدم صدق النّبش. 2- ثمّ قال سماحته: والمسألة الثّانية: دفن الميّت الآخر في قبر الميّت الأول، أيضاً لها حالتان: أحياناً القبر يكون ملكاً للميّت الأول أو لورثته، كمثل أن يدفن الشخص في داره، ففي هذه الصورة لا يجوز دفن الميّت الآخر. وأحياناً دفن الميّت في الأوقاف العامة، وفي هذه الحالة إذا لم يصدق النّبش فلا إشكال فيها.
* مالكية الأراضي العامة: سُئل: هل أنّ الأراضي العامة ملك للدولة والحكومة؟ فقال سماحته: يقول الدليل: «الأرض لله ولمن عمّرها»، فالأرض ذاتاً لله سبحانه، وبالعرض جعل الله سبحانه وتعالى هذه الملكية للذي يعمّر الأرض.
* إهداء أعضاء الجسم: المسألة الأخرى التي طرحها أحد الحاضرين: هل يستطيع الشخص أن يهدي أعضاء جسمه؟ وما هو الحكم الشرعي لهذا العمل؟ فقال سماحته: في هذه المسألة يجب أن يفصّل بين الأعضاء الظّاهرية والأعضاء الباطنيّة، فبالنسبة إلى الأعضاء الظّاهرية لا يجوز إهدائها، لا في زمن الحياة ولا بعد الوفاة، لأنها مصداق المُثلة، ولكن بالنسبة إلى الأعضاء الباطنية كالكلية والكبد، فتجوز في زمان الحياة لأنها ليست مصداقاً للمُثلة، وبعد وفاته إذا أوصى الشخص بنفسه أن بعد وفاته (وذلك بعد الموت الكامل، وليس الموت الدّماغي الذي ليس موتاً كاملاً) تهدى بعض أعضائه الباطنية، فهذا جائز، ولكن إذا لم يوصي فلا يحقّ للورثة الإهداء. علماً أنّ المسألة خلافية، والأعمّ يستدلّون بـ«النّاس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم»، إلاّ إذا وقع ضرر بالغ على الشّخص.
* رواية قاعدة السّلطنة: قال أحد الفضلاء: لم تذكر في الرواية «أنفسهم» بل ذكرت فقط «أموالهم»؟ قال سماحته: في الرّواية المرسلة أيضاً ذكرت «أنفسهم»، وهي مورد لعمل الفقهاء، وإذا لم يقبل بها أحد يُستفاد من الآية الشريفة التي تصرّح: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} بأنّ الشّخص له الولاية على نفسه، والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كانت ولايته أعلى، وعند التزاحم مقدّمة. البحث المذكور متسالم عليه بين الفقهاء، وأنّ هذه الآية الشّريفة يستفاد منها على ولاية الشّخص على نفسه، ومنهم صاحب (الجواهر) الذي يستدلّ في (الجواهر) بهذه الآية، وهكذا الشيخ الأنصاري والميرزا النّائيني وبقيّة الأعاظم. وقال أحد الفضلاء: أحياناً ينسلخ «أفعل التفضيل» عن معنى التّفضيل، ويمكن أن تكون من هذا القبيل في هذه الآية، ولا نستطيع أن نستفيد بأنّ الشخص له ولاية على نفسه؟ قال سماحته: فصل «أفعل التفضيل» عن معنى التّفضيل خلاف الأصل، وهي مجاز وتحتاج إلى قرينة. الخلاصة: أنّ ظاهر الآية الشّريفة تدلّ على أنّ الشخص نفسه له ولاية على نفسه، ولكن ولاية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مقدّمة عند التّزاحم. المثال على هذه المسألة أوردها الفقهاء عند ولاية الأب والجدّ الأبوي، فإذا عقد الأب والجدّ كلاهما في آن واحد زوجاً للبنت، قيل: بأنّ ولاية الجدّ أولى ومقدّمة، و«الأولى» هنا يعني بأنّ الأب له الولاية أيضاً، ولكن ولاية الجدّ مقدّمة عند المزاحمة.
* مصلحة الأهم وإهداء العضو: وقال أحد الفضلاء: ما قلتم به من أنّ إهداء العضو لا يجوز لجهة المُثلثة، نرجو ألاّ يكون مطلقاً، لأنه أحياناً المصلحة تقتضي أن يهدى العضو؟ قال سماحته: مع إحراز مصلحة الأهم هناك عنوان ثانوي، وليس الآن محلّ البحث، علماً أنّ هذه الأهمية يجب أن تحرز من الشّرع، لأنّ الأهمّ هو الحكم الشرعي، وفي هذه الحالة نقول بالجواز، كما تتغيّر الأحكام الأوّلية عند عروض العناوين الثانويّة. وسأل أحد الفضلاء: قد قلتم بجواز إهداء الأعضاء الباطنية، ألا تكون مصداقاً لهتك الحرمة؟ قال سماحته: كلا، لا تعدّ هتكاً في العرف.
* حدود ولاية الشخص على نفسه: سُئل: ما هو حدّ ولاية الشخص على نفسه، مثلاً هل يستطيع أن يقطع يده؟ فقال سماحته: للشخص ولاية على نفسه، إلاّ في ثلاثة أو أربعة أشياء، وهي: 1- الانتحار، بدليل الآية الشريفة: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}. 2- قطع العضو: بدليل الإجماع. 3- تعطيل وإتلاف إحدى أعضاء الجسم: كقوّة الإنجاب، بدليل الإجماع. 4- المورد الرابع ليس اجماعياً، وقد طرح قليلاً، وهو: تعريض النّفس للأمراض الخطيرة، وعلى سبيل المثال أن يعمل الشخص عملاً يُصاب فيه بالسّرطان. يبدو أنّ هذا المورد أيضاً غير جائز، ودليله الارتكاز، لأنّ المتشرّعة قبلوا بكبرى الارتكاز، وهم استندوا عليه، ويبدو من المورد الرابع صغرى الارتكاز. سُئل: هل يحقّ للأب أن يهدي الأعضاء الداخلية للولد؟ قال سماحته: كلا، ليست له مثل هذه الولاية.
* الاختلاف في الأوقات الشرعية: سُئل: إذا عيّن أهل الخبرة لأجل آذان الصبح أو المغرب وقتين مختلفين، أحدهما مقدّم والآخر مؤخّر، فما هو الحكم في مورد الإمساك والإفطار؟ وهل يستطيع الشخص استناداً على الوقت الثّاني، أن يؤخّر الإمساك؟ أو استناداً على الوقت الأول أن يعجّل بالإفطار؟ قال سماحته: إذا استطاع الشخص نفسه أن يفحص ويصل إلى النتيجة عليه أن يفحص، لأنّ قول أهل الخبرة في مثل هذه الأماكن المتعارضة ليست حجّة له، ولكن إذا لم يكن له طريقاً للفحص، ولجهة تعارض أهل الخبرة وتساقطها، يستطيع الرجوع إلى الأصول التّرخيصيّة أو الاستصحاب.
* الفحص في الشبهات الموضوعية: في الموضوعات، هناك بحث: هل أنّ الأصول التّرخيصيّة تجري فقط بعد الفحص؟ أم أنها تجري قبل الفحص أيضاً، أي أنّ الأصول الترخيصيّة لا تجري في الأحكام قبل الفحص؟ بعبارة أخرى: هل يلزم الفحص في الشبهات الموضوعية أم لا؟ من الغرائب بأنّ شخصاً كمثل المرحوم الشيخ الأنصاري ادّعى في (الرسائل) بالإجماع بأنّ في الموضوعات، لا يكون الفحص واجباً، ولكنّه هو بنفسه في الفقه، وفي أبواب مختلفة منها، وفي عشرات المسائل الأخرى يفتي بوجوب الفحص في الشبهات الموضوعية. خلاصة الكلام هي: وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية أيضاً كمثل الشبهات الحكمية، نعم في الشبهات الحكمية، إضافة إلى سائر الأدلّة، الإجماع أيضاً موجود، ولكن لا يوجد هذا الإجماع في الشبهات الموضوعية، ولكن بقيّة الأدلة تدلّ على لزوم الفحص. وقال المشهور في مقام الفتوى، وفي مختلف موضوعات المسائل الفقهيّة، باستثناء الطهارة والنّجاسة والنكاح، بأنّ الفحص لازم، ونادر من الفقهاء أفتوا بعدم وجوب الفحص في مطلق الموضوعات. ووجوب الفحص في الموضوعات، مشروط بعدم الضرر والعسر والحرج، وبقية العناوين الحاكمة، كما في الأحكام أيضاً وجوب الفحص مشروط بها. إذاً.. على العموم فإنّ الموضوعات على لزوم الفحص هي كمثل الأحكام إلاّ ما خرج بالدّليل، كمثل الطهارة والنجاسة والنكاح، لأنّ في هذه الموارد هناك دليل بأنّ الفحص غير واجب، وهي إجماعي أيضاً.
في باب الطهارة والنجاسة والنكاح جعل الشارع
نفسه التّسهيل، وعلى سبيل المثال يقول صاحب (العروة): إذا حكّ الشخص ظهره
وأحسّ برطوبة على يده، وشكّ هل أن ظهره قد جرح وتنجسّت يده؟ أم أنه كان
قيحاً وهو طاهر؟ فيقول: لا يلزم الفحص.
الجلسة الثامنة بتاريخ السابع من شهر رمضان العظيم 1440 هجرية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.
* الفحص في الشبهات الموضوعية: في بداية الجلسة قال سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: حول استمرارية البحث في الليلة الماضية، ووجوب الفحص في الشبهات الموضوعية التي قال بها بعض السّادة العلماء الحضور، وقد أشكلوا، هنا أقرأ أقوال المرحوم الشيخ الأنصاري في (الرسائل)، وبعد ذلك أذكر موردين في الفقه، وقد أفتى المرحوم الشيخ بوجوب الفحص في الشبهات الموضوعية. ذكرنا في الليلة الماضية: باستثناء الشبهات الموضوعية في الطّهارة والنجاسة والنكاح، وخصوص هذه الأبواب حتى ولو كانت فيها الظن بالخلاف، فلا يجب فيها الفحص للدليل الخاص، وأمّا في الموارد الأخرى للشُّبهات الموضوعية فالفحص واجب. ولأنّ تلك الأدلّة التي تدلّ على وجوب الفحص في الشُّبهات الحكمية، فإنّها تجري أيضاً في الشّبهات الموضوعيّة، وفي الشبهات الحكمية أيضاً للإجماع دلالة على وجوب الفحص، وأمّا في الشبهات الموضوعية فلا إجماع فيها. بناءً على هذا، في الشبهات الموضوعية كمثل الشبهات الحكمية، لا تجري الأصول الترخيصية إلاّ بعد الفحص واليأس.
* كلام المرحوم الشيخ: وأمّا كلام الشيخ في (الرسائل)، وادّعائه على عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية. فنقول: «العلماء وإن كان ظاهرهم الاتّفاق على عدم وجوب الفحص في إجراء الأصول في الشبهات الموضوعية..»، وهذا ادّعاء الإجماع. ومجموعة من الفقهاء أيضاً بعد الشيخ تبعاً له، نقلوا الإجماع. لكن في الفقه، فقد أفتى المرحوم الشيخ في موارد عديدة، وبضرس قاطع، ومن دون تردّد، بوجوب الفحص في الشبهة الموضوعية، وعلى سبيل المثال أذكر هنا موردين: 1- كتاب (الصلاة): بحث الشكّ في المسافة (ص390 الطبعة القديمة)، يقول: «وهل يجب الفحص أم لا؟ من تعليق الحكم بالقصر على المسافة النفس الأمرية، فيجب لتحصيل الواقع عند الشكّ إمّا الجمع (أي بالقصر والتمام) وإمّا الفحص، والأول منتف هنا إجماعاً، فتعيّن الثاني». المسافة موضوع، وقد جعل لها الشارع حكم القصر والتّمام، وفي هذا الموضوع أفتى المرحوم الشيخ بوجوب الفحص، مع أنّه يمكن عند الشكّ في المسافة أن يجري استصحاب عدم المسافة. 2- كتاب الخمس (ص351) يقول: «الموات التي باد أهلها ومال من لا وارث له... والفحص لابدّ منه في المقامين». وذكر المرحوم الشيخ عن مدينة هاجر عنها أهلها وذهبوا، وبقيت منهم أموالاً، يقول: لابدّ من الفحص، ولا يحقّ لأحد أن يأخذها من دون الفحص عن وجود المالك، وكذلك بشأن مال تركه الميت، ولا نعلم هل له وارث أم لا؟ لأنّه إذا كان له وارثاً فهو للوارث، وإذا لم يكن هناك وارث، فسهم للإمام (عليه السلام)، لأنّ «الإمام وارث من لا وارث له))، ولابدّ من الفحص هل له وارث أم لا؟ قال أحد الحاضرين: إذا كان مال كانت إمارة الإعراض عليه، فكيف ذلك؟ قال سماحته: البحث في مورد لا نعلم فيه هل أعرض أم لا؟ ثمّ قال سماحته: والفقهاء أفتوا في موضوعات مختلفة بوجوب الفحص، كمثل: 1- حدّ الترخّص: في ذهاب وإياب السفر. 2- أموال الزكاة: لا يعلم هل وصل النّقدين أو الأنعام أو غلاته إلى حدّ النصاب حتى يجب فيها الزكاة أم لا؟ 3- حصول شرط الاستطاعة في الحكم، لا يعلم بأنّ مجموعة الأموال الموجودة لديه هل هي بمقدار أصبح فيه بمستطيع، ويستطيع أن يذهب للحجّ أم لا؟ 4- في الخمس: لا يُعلم هل أنّ أمواله بلغت أكثر من المبلغ المخمّس في السنة الماضية أم لا؟ في جميع هذه الموارد، قالوا: لابدّ له من الفحص مع أنها من الشبهات الموضوعية، وليست من الشبهات الحكمية. لا يخفى أنّه في الموارد المذكورة الحكم بلزوم الفحص ليس إجماعياً، وهناك خلاف بين الحكماء، ولكن الخلاف نادر، والمشهور أفتوا بوجوب الفحص.
* النظر ولمس الأعضاء المفصولة: أحد الفضلاء طرح مسألة أخرى، وهي: هل النظر ولمس العضو المفصول عن الأجنبية جائز أم لا؟ قال سماحته: كلا، لا يجوز، وذلك من جهتين على سبيل منع الخلو: 1- الإطلاقات التي تقول: لا تنظر إلى الأجنبية، كمثل الآية الشريفة: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ، وهي شاملة بعد الموت أيضاً، وهي ليست منصرفة بالأحياء، لذلك وبعد فصل العضو، يقال أيضاً: هذه اليد أو الرجل المنفصل لتلك المرأة، يد تلك المرأة أو رجل تلك المرأة. 2- إذا شككت في الطلاق، أو قيل منصرفة، يجري الاستصحاب، استصحاب الموضوع واستصحاب الحكم معاً. قال أحد الحاضرين: لا يجري الاستصحاب لأنّ الموضوع قد تغيّر؟ قال سماحته: نعم إذا تغيّر الموضوع لا يجري الاستصحاب لأنّ في الاستصحاب وحدة الموضوع شرط، ولكن الكلام هنا هل أنّ مع الموت يتغيّر موضوع هذه المسألة، ويبدو: كلا. قيل: إذا انفصلت قطعة شعر واحدة للأجنبية، فكيف؟ فقال سماحته: قال بعضهم: يجوز النّظر إليها، لأنّه لا تصدق عليها جزء الأجنبية، فإذاً لكل مفهوم مصاديق مشكوكة.
* الشهادة على القتل ورؤية الهلال: سأل أحد الفضلاء: إذا رأى شخص عملية قتل مسلّحة أمامه، هل يستطيع أن يكون شاهداً في المحكمة؟ قال سماحته: إذا حصل لديه اليقين فنعم. قيل: إذاً لم تقولون في باب رؤية الهلال: يجب أن تكون الرؤية مع العين غير المسلّحة، ولا تكفي مع العين المسلّحة؟ قال سماحته: في باب القتل، العلم شرط، وإذا كانت الرؤية بالعين المسلّحة سبباً للعلم فحجّة، وأمّا في باب الهلال الدّليل جعل الرؤية بالعين ملاكاً «صم للرؤية وافطر للرؤية»، وظاهر الرؤية مع العين العادية وغير المسلّحة.
* الغروب غير المتعارف في بعض الدول: سُئل: في بعض البلاد الأوروبية عندما تغيب الشمس، فإنّ الشمس تبدو ساطعة إلى سنة واحدة، فما هو حكم صلاتهم وصيامهم؟ قال سماحته: الملك في ألفاظ موضوعات الأحكام متعارف، وأما في الموارد غير المتعارفة فإنّ الرجوع فيها إلى المتعارف، وإذا لم يكن الرجوع إلى المعارف ممكناً يرجع إلى الأصول العملية.
* ظاهر قدم المرأة: سأل أحد الفضلاء: ظاهر قدم المرأة (ظاهر الرِجِل) في الصلاة ستره غير واجب، فكيف يكون واجباً ستره في الصلاة، ولا يجوز للأجنبي النّظر إليه؟ قال سماحته: في الصلاة هناك رواية خاصة، بأنّ ظاهر القدم (ظاهر الرجل) وحتى المفصل، ستره غير واجب، وأمّا بالنسبة إلى النّظر فلم يستثنى، ولا يستطيع الرجل الأجنبي النّظر إليه، أي أنّ حكم السّتر للمرأة قد استثني، ولكن حكم النّظر للرجل الحرمة، والمشهور قد استثنى فقط الوجه والكفّين في باب النظر.
* باطن قدم المرأة: سئل: ما هو حكم ستر باطن قدم المرأة (باطن الرجل) في الصلاة؟ قال سماحته: قال بعضهم: باطن القدم أيضاً له حكم ظاهر القدم، ويجوز كشفه للمرأة أثناء الصلاة، ولكن بعضهم قالوا: أنّ القدر المتيقّن فقط ظاهر القدم لها، ويجب ستر باطن القدم أثناء الصلاة، وهذه المسألة ترتبط بالاستظهار من الدليل.
* باطن فم الأجنبية: سأل أحد الفضلاء الحاضرين: هل يجوز النظر إلى باطن فم الأجنبية؟ قال سماحته: بناءً على استثناء الوجه والكفين، فإنّ باطن الفم يُعدّ جزءاً من الوجه، فيجوز النظر إليه، وطبعاً إذا كان من دون اللذّة والرّيبة، لأنّ الوجه والكفّين أيضاً ـ بناءً على الاستثناء ـ مشروط بأن لا يكون فيه الزّينة، وأن يكون النظر من دون الرّيبة واللذة.
* التعيين الإجمالي: طرحت مسألة أخرى، وهي: إذا قام شخص بعنوان الوكيل بالأخذ من خمسين شخصاً صلاة وصياماً استئجارية حتى يعطيها إلى أفراد ثقة، وهو أيضاً يعطي إلى خمسين شخصاً تلك الصلوات والصيام، فهل يلزم التّعيين، بأنّ أيّاً من الخمسين شخص لأيّ واحد من الخمسين شخص؟ أو أنه يصح من دون تعيين؟ قال سماحته: يلزم التّعيين الإجمالي، وإذا لم ينو أحد بأنّ أيّ واحد لأيّ واحد، فصحّة ذلك مشكل، لأنّه ليس لدينا دليل بأنّ العمل العبادي من دون النيّة، أن يحسب بنفسها، وبشكل أتوماتيكي.
* الهرج والمرج: في نهاية الجلسة سأل أحد الحضور: هل يلزم رعاية القوانين التي تضعها الدول، وتركها تؤدّي إلى الهرج والمرج؟ أجاب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، بقوله: إذا أدّى في الواقع إلى الهرج والمرج، يلزم على الإنسان الرّعاية، لأنّ الهرج والمرج منفي على الإطلاق، لأنّ رجوع الهرج والمرج ضرب لأمن المجتمع، والابتعاد من الهرج والمرج يستفاد من الأدلة العقيلة والشرعية. لكن يجب أن يكون بشكل أن ترك تلك القوانين يستلزم الهرج والمرج، وليس فقط صرف ادّعاء حدوث الهرج والمرج، فهو غير كاف. وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين. |
|
|
|