التقرير الكامل للجلسات العلمية الرمضانية الثانية والثالثة والرابعة لسماحة المرجع الشيرازي دام ظله

الجلسة الثانية بتاريخ الأول من شهر رمضان العظيم 1440 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

* تنجّز احتمال الضرر:

في هذه الجلسة قام سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله بشرح وتبسيط أكثر للمسألة التي نُوقشت في الليلة الماضية، وكانت: تنجّز احتمال الضرر. فقال سماحته: هذه المسألة كانت محلّ الابتلاء كثيراً، وقليلاً ما طرحت. وكلّ موضوع من الموضوعات التي رتّب عليها الشّارع أحكاماً، لابدّ أن تكون لها فعليّة حتّى يترتّب عليها الحكم، وأمّا في الضرر فاحتماله أيضاً منجّز ومعذّر، لأنّ دفع الضرر المحتمل عند العقل والعقلاء واجب، ولو في الجملة.

في الموارد الأخرى ليس كذلك، أي أنّ الفقهاء لا يقولون بأنّ احتمال الوجوب وجوب، أو أنّ احتمال الحرمة حرمة، وكلّ حادثة نشكّ في تحقّقها، الأصل عدمها، فالموضوع يجب أن يتحقّق حتى يترتّب عليه الحكم، ولكن في الضرر دفع محتمله أيضاً واجب.

ثم ما هي خصوصيّة هذا الضرر؟ حتى يكون في جميع موضوعات الأحكام احتماله أيضاً منجّز ومعذّر أيضاً. وأحياناً ذكر الفقهاء في مورد الضرر وعبّروا عنه بالخوف، واعتبروه منجّزاً، ولكن للخوف أيضاً ذلك الاحتمال.

 

* آيات الخوف:

أشار القرآن الكريم مرات عديدة إلى موضوع الخوف، وقد رفع الحكم الشّرعي لموضوعه. ونذكر هنا عدّة نماذج من هذه الآيات، ومع أنّ المحتمل لم يكن مهماً في تلك الموارد، ولكن مع ذلك ومع وجود الخوف فإنّ الحكم الشّرعي قد ارتفع:

1- (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ).

إذاً تبديل الوصية مهما كانت حرام، ولكن هذه الحرمة ترفع مع الخوف، ثمّ تقول الآية: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ).

2- (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخَافَا أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ)، وإن لم يكن الخوف ملاكاً فكان لابدّ أن تقول الآية: «إلاّ أن يخافا».

3- (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً).

4- (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً)، وفي هذه الآية والآيات السّابقة تعلّق الحكم على الخوف، وإن كان من الممكن ألاّ يكون نشوزاً أو إعراضاً في الواقع، ولكن مع خوفه يترتّب الحكم.

 

* موارد خارجة عن البحث:

طبعاً لابدّ أن يكون معلوماً بأنّ ثلاثة صور هي خارجة عن محلّ البحث، وهي:

أ - المحتمل المهم والاحتمال غير المهم: وفي هذه الصورة وإن كان الاحتمال ضعيفاً فإنّ الاعتناء يكون لازماً له.

ب - الاحتمال مهم والمحتمل غير مهم: على سبيل المثال يحتمل بقوّة إذا توضّأ أو اغتسل سوف يُصاب بالحمّى، ففي هذه الصورة أيضاً يُعتنى بهذا الاحتمال.

ج - المحتمل والاحتمال كليهما مهمّان: وفي هذا المورد أيضاً يُعتنى به.

 

* الموارد الواردة للبحث:

مورد البحث الفقهي في غير هذه الصّور الثّلاثة بحث في المكان الذي يكون فيه المحتمل من قبيل الدّماء والنّفوس والأعراض، والاحتمال أيضاً غير قوي، ولم يصل إلى حدّ الظنّ. فماذا قال الفقهاء في هذا المورد؟ ولأجل المثال نذكر موارد، ومنها:

 

* كلام صاحب (العروة):

يقول المرحوم صاحب (العروة) في فصل من شرائط صحّة الصوم: «السادس: عدم المرض أو الرّمد الذي يضرّه الصوم، لإيجابه شدّته أو طول برئه أو شدّة ألم أو نحو ذلك، سواءً حصل اليقين بذلك أو الظنّ، بل أو الاحتمال الموجب للخوف».

 

* كلام صاحب (الجواهر):

يقول صاحب (الجواهر) في ج16، ص346 بحث الصوم: «بل قد يقوى الاكتفاء بالخوف الذي لا يعتبر في صدقه عرفاً حصول الظنّ».

ثمّ بعد ذلك يتطرّق سماحته إلى موضوع آخر ورد في موارد أخرى، فكيف إذا كان هو رافضاً له، فيقول: «نعم يعتبر فيه» أي: في الخوف «كونه معتداً به لا على نحو النّاشئ من الأوهام السّوداوية». والأوهام السّوداوية على حدّ تعبير اليوم هي: ضعف الأعصاب.

لكن ما هو الدّليل على هذا الكلام أن يكون الاحتمال عقلائياً؟ أليس الضّرر والحرج شخصياً؟ فالشخص الذي لديه ضعفاً في الأعصاب إذا كان يخاف واقعاً سيتضرّر من أجل الصوم لم لا نقول أنّ الملاك هو نفسه، وإن كان هذا على خلاف رأي العقلاء.

 

* مسألة تخلية السّرب:

كذلك يقول صاحب (العروة) في باب الحج في مسألة خلو السّرب: «وإن اعتقد المانع من العدو أو الضرر أو الحرج فترك الحجّ فبان الخلاف، فهل يستقرّ عليه الحجّ أم لا؟ وجهان، والأقوى عدمه». وأغلب محشّي (العروة) قد قبلوا هنا، ولم يحشّوا حاشية عليها.

ثمّ بعد ذلك يقول صاحب (العروة) في مقام التّحليل: «لأنّ المناط في الضرر الخوف وهو حاصل».

إذاً... لم يقبل صاحب (العروة) بأنّ نفس الضّرر ملاك بل اعتبر بأنّ خوف الضرر ملاك ومناط، مع أنّ الشارع قال: «لا ضرر في الإسلام»، ولم يقل: «لا خوف الضرر».

 

* مسوّغات التّيمم:

كذلك المرحوم صاحب (الجواهر) في (رسالة نجاة العباد)، وعندي نسخة منها محشّاة بحاشية أحد عشر من أعاظم الفقهاء، ومنهم: الشيخ الأنصاري، الميرزا الشيرازي الكبير، الميرزا محمّد تقي الشيرازي، صاحب (العروة)، الآخوند الخراساني، الحاج آقا رضا الهمداني، الميرزا النائيني، شيخ الشريعة، الشيخ عبد الله المازندراني، السيد إسماعيل الصدر، الشيخ محمد طه نجف.

قال في بحث مسوّغات التيمم، التي ذكرت الآية: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا): في التيمم لا يكون فقد الماء شرط، فمع وجود الماء إذا كان مضرّاً، بل من غير اللازم أن يكون الضرر محرزاً ويستطيع أن يتيمّم مع خوف الضرر، فقال: «ومنها: الخوف ولو جبناً من اللص أو السبع أو الضياع أو نحو ذلك مما يصل مع خوف الضرر على النفس أو العرض أو المال المعتدّ به». ولأنّه ذكر كلمة «ولو جبناً»، فيُعلم أنّ الخوف وإن كان غير متعارف فإنّ الجبن خوف غير متعارف، وأياً من هؤلاء الأعاظم لم يحشوا هنا حاشية.

 

* قيد «المعتد به»:

قيل: قيد «المعتد به» الوارد في كلامه هل هو نفس الاحتمال العقلائي؟

فقال سماحته: كلا، «المعتد به» تعني: قابلاً للاعتناء، وعلى سبيل المثال: 1% أو 2% أو 5%، أي كان نفس المحتمل معتداً به، وأمّا أنّ الخوف لابدّ أن يكون عند العقلاء معتنىً به فما الدّليل على ذلك؟

* نتيجة البحث:

بناءً على هذا نصل إلى نتيجة: فعليّة الضّرر وإحراز الضّرر في ارتفاع الحكم ليس ملاكاً، بل إنّ الضّرر من المواضيع التي يكون فيها احتماله أيضاً رافعاً للحكم. والدّليل على ذلك: 

الأول وجوب دفع الضرر المحتمل، والآخر لجهة إذا كان إحراز الضرر شرطاً في ارتفاع الحكم لوقع كثير من الكلّفين في الضرر، مع أنّ هذا الخلاف غرض الشّارع من تشريع «لا ضرر»، وكان نقضاً غرضياً ولو بالنّسبة، ولم يكن كلياً فإنّه لا يصدر من الحكيم.

 

* تضارب تشخيص الشخص مع تشخيص الطبيب:

قال بعض الحاضرين: إذا كان تشخيص الشّخص نفسه يتعارض مع تشخيص الطبيب، فكيف؟

فقال سماحته: ناقش هذه المسألة صاحب (العروة) وقال: أنّ الملاك رأي الشّخص نفسه. فقد وردت في (العروة): «السادس من شرائط الصّوم: إذا حكم الطبيب بأنّ الصوم مضر، وعلم المكلّف من نفسه عدم الضرر، يصحّ صومه، وإذا حكم بعدم ضرره وعلم المكلّف أو ظنّ كونه مضراً وجب عليه تركه ولا يصحّ منه».

 

* شمولية مسألة احتمال الضرر:

مسألة احتمال الضرر ليست فقط حول الصيام، بل هي مسألة سيّالة، وهي تجري في موارد مختلفة من الفقه.

على سبيل المثال: إذا كان الأبناء أغنياء، وكان العمودان فقيرين، فيجب على الأبناء النّفقة على العمودين. والحال إذا كان من يجب عليه النّفقة يخاف إذا أعطى نفقة أولئك أن يصبح هو بعدها فقيراً ومحتاجاً، ولو كان هذا الخوف جبناً فإنّ التّكليف ساقط.

أو مثلاً قالوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنّ احتمال الضرر كاف ويرفع وجوبه.

الخلاصة: أنّ الملاك في مختلف المسائل الفقهية خوف الضرر لا إحرازه، علماً أنّ الاحتمال ضعيف أن لا يكون معتداً به وهو خارج عن البحث في الجملة.

 

* الخوف في حجّة الإسلام:

سأل أحد الحاضرين: إذا كان الشخص لديه خوفاً جبنياً وليس عقلائياً، إذا ذهب للحجّ يقع في الخطر، وطبق المعيار المذكور هل يرتفع وجوب الحجّ عنه، وإذا ذهب للحجّ هل يكتفي من حجّة الإسلام؟

فقال سماحته: هذه المسألة خلافية، فقال جماعة ومنهم صاحب (العروة): كلا لا تكفيه، ولكن جماعة قالوا: حجّه تكفي من حجّة الإسلام، ويبدو أنّ الثاني أقرب.

 

* فدية صيام الشيوخ:

في نهاية الجلسة، سُئل: بالنسبة إلى الشيخ والشيخة، قال الفقهاء: إذا أفطرا يجب عليهما الفدية، وإذا لم يستطع الشيخ والشيخة بعد ذلك من القضاء، وعلى سبيل المثال كان فصل الشتاء سهلاً عليهما، فهل وجوب الفدية تبقى على حالها لجهة إفطارهما في شهر رمضان؟

فقال سماحته: نعم، ومقتضى إطلاق الآية الشّريفة هي هذه (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، و(فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) مطلقة وهي لم تتقيّد لأنّه من الممكن ألاّ يستطيعا القضاء بعد شهر رمضان.

وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين

الجلسة الثالثة بتاريخ الثاني من شهر رمضان العظيم 1440 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

* حكم البلاد الكبيرة:

في بداية الجلسة سُئل المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله عن موضوع البلاد الكبيرة وحكمها، وهل أنّ البلاد الكبيرة تختلف حكمها مع البلاد الصغيرة أم لا؟

قال سماحته: المشهور بين الفقهاء أنّه لا فرق بين البلاد الكبيرة والبلاد الصغيرة، وبناءً على هذا إذا كانت المدينة طولها أربعة فراسخ أو أكثر، وأراد شخص أن يذهب من طرف المدينة إلى الناحية الأخرى منها، فلا يُعدّ سفراً، لأنّ السفر يُطلق على المسير خارج المدينة، وفي عهد الأئمة (عليهم السلام) مع وجود البلاد الكبيرة، لكن لم يكن هناك أثر عن وجود الفرق بين البلاد الكبيرة والصغيرة في الحكم، وإذا كان هناك فرق فلابدّ أنّ يتم الإشارة إليها.

على سبيل المثال: حول مدينة سامراء المشرّفة، ففي عهد الإمامين العسكريين (عليهما السلام) حينما كانا يتواجدان فيها، كتبوا عنها أنّ مساحتها كانت تبلغ ثمانية فراسخ، أي في حدود خمسة وأربعين كيلو متراً. وذكر هذا المثال في كتاب (السيوطي): «مررتُ بإصطبلاتٍ»، والاصطبلات تقع على بعد أربعة فراسخ من سامراء، وكانت موجودة حتى في أيامنا، وسمعت بأنها ما زالت موجودة حتى اليوم. ومسجد أبو دُلف الذي كان من قادة بني العباس والذي بنى هذا المسجد، كانت من مساجد سامراء، وأمّا الآن فالمسجد يقع خارج مدينة سامراء بثلاثة أو أربعة فراسخ، وبناءً على هذا نعرف بأنّ سامراء كانت من البلاد الكبيرة ومدينة كبيرة.

هكذا بالنسبة إلى مدينة البصرة التي كتبوا عنها بأنّه كان يجري فيها مئة وعشرين ألف نهر، ومدينة واسط التي ليست اليوم هي بمدينة كبيرة، وتقع على أطراف الحلّة، كتبوا عنها: أنها كان فيها ثمانية آلاف شارع. وكتبوا بالنّسبة إلى بغداد أنّ مساحتها كانت تبلغ خمسة فراسخ. وكتبوا عن مدينة الكوفة أنها كانت مدينة كبيرة. 

بناءً على هذا كانت البلاد الكبيرة موجودة في عهد الأئمة (عليهم السلام)، ولكن لم تذكر في الرّوايات أثر عن اختلاف الحكم فيها، وهذا يمكن أن يكون شاهداً على أنّ البلاد الكبيرة والصغيرة حكمها واحد.

من ناحية أخرى، ففي روايات السّفر، لاحظوا روايات (وسائل الشيعة)، فقد ذكرت أسماء المدن، وكانت بعض هذه المدن بلاداً كبيرة، ولكن في الرّوايات جعلت انتهاء المدينة مبدءاً لملاك السّفر وحتى ابتداء مدينة المقصد، ولم تذكر في أيّ رواية المقصد داخل المدينة، ولم تجعل ملاكاً، مع أنّ في العادة الكثير من الأشخاص يكون مقصدهم وسط المدينة.

الخلاصة: أنّ الأئمة (عليهم السلام) لم يفصّلوا بين البلاد الكبيرة والصغيرة.

الشّاهد الآخر هو القرآن الكريم، حيث يصرّح: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}، والضرب في الأرض في اللغة العربية: الخروج من المدينة والسّفر منها.

ظاهر هذه الآية لا تشمل أبداً التحرّك والسير داخل المدينة، أي في اللغة العربية تعني التحرّك والسير داخل المدينة لا يُقال بـ(ضربتم). وكان أحد السّادة الفقهاء القائلين بالبلاد الكبيرة، يقول: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}، فإنّ الأرض تشمل الأرض داخل المدينة أيضاً. ولكن كما ذكر ففي اللغة العربية لا يُطلق السير داخل المدينة بـ{ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}.

 

* تحديد بريد في بريد:

قال أحد الفضلاء: وردت في روايات السفر «بريد في بريد»، وإطلاق هذا التّحديد هل يشمل الأرض داخل المدينة أيضاً؟

أجاب سماحته: التّحديد الذي قال به الشّارع لأجل تعيين المسافة هو السّفر، والسفر في لغة العرب: هو الخروج من المدينة.

الخلاصة: الموردان المذكوران شاهدان على أنّ حكم البلاد الكبيرة مع البلاد الصغيرة واحد.

1- وردت في روايات الأئمة (عليهم السلام) أسماء البلاد، والمدينة تحسب من أوّلها وحتى نهايتها، سواءً أكانت مدينة صغيرة أم كبيرة، ولم يفصّلوا.

2- {ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}، الذهاب إلى الصحراء، ولا يقال السّير داخل المدينة بـ«ضرب في الأرض».

 

* توسعة المدن:

سأل أحد الفضلاء حول توسعة وازدهار المدن، هل لها حكم مدينة واحدة أم لا؟

فقال سماحته: على الدّوام هكذا كانت البلاد الكبيرة، ففي البداية كانت مدينة صغيرة، أو أنّ المدن الصغيرة اتصلت ببعضها، فوجدت البلاد الكبيرة. وإذا توسّعت المدينة، وأينما تتسع وتنتشر فلها حكم المدينة الواحدة، وعلى سبيل المثال قبل أكثر من ستين عاماً وكنتُ حينها في العراق، كانت الكاظمية منفصلة عن بغداد، والمراجع الذين كانوا موجودين في ذلك الحين كانوا يفتون على هذا الأساس، ولكن بعد أن اتّصلتا ببعضهما فإنّ أولئك المراجع أنفسهم كتبوا في رسائلهم أنّ لهاتين المدينتين حكم مدينة واحدة.

كذلك أتذكّر أنني قبل أكثر من ستين عاماً سافرتُ إلى إيران لزيارة الإمام الرضا والسيّدة المعصومة (عليهما السّلام)، وكانت هناك فاصلة وصحراء بين طهران ومدينة الريّ وكانتا منفصلتان، وأمّا الآن فهما متّصلتان، وبناءً على هذا فإنّ الذي يسكن اليوم طهران حينما يذهب ليلة الجمعة لزيارة السيّد عبد العظيم الحسني (عليه السلام) لا يُقال له بأنّه سافر.

 

* اتصال النجف والكوفة:

سأل أحد الفضلاء: النجف والكوفة اليوم متّصلتان، فهل تقولون بحكم التّخيير بين القصر والتّمام في النجف؟

قال سماحته: إنّ حكم التّخيير بين القصر والتّمام حكم خاص، وقد ذكرت الرّوايات فيها أربعة عناوين: مكّة، والمدينة، والكوفة، وكربلاء، فإذاً لابدّ أن يطلق عليها اسم الكوفة، ولكن ليست كذلك حقيقةً، نعم إذا قيل في يوم من الأيام للنجف الكوفة نقول حينئذٍ بالتّخيير، كما يطلق اليوم عن السّهلة بالكوفة.

بناءً على ذلك فإنّ الملاك صدق اسم الكوفة عُرفاً، لأنّ موضوع حكم التّخيير الكوفة. وحكم التّخيير حكم خلاف الأصل ويكتفي بموارد النص، وأصل التخيير ليس إجماعياً وإن كانت لها شهرة عظيمة، ويقول الفقهاء عن هذه الأماكن الأربعة: «التّمام أفضل والقصر أحوط»، والتّعبير عن الأحوط في القصر لجهة وجود المخالف في المسألة.

 

* تبديل المدينة إلى مدينتين:

سأل أحد الفضلاء: إذا تبدّلت المدينة الكبيرة إلى مدينتين وانفصلتا، فهل لهما حكم المدينة الواحدة أم لا؟

قال سماحته: إذا أصبحت عند العرف مدينتين، وعلى سبيل المثال أصبحت بينهما الصحراء، فإنّ لهما حكم المدينتين، وبناءً على هذا فإنّ الملاك هو العرف العام، وتسمية الدّوائر الحكومية ليست لها معياراً، وأنها من ناحية التّقسيمات الإدارية هل لها اسمان أو اسماً واحداً.

 

* حكمة السفر وقصر الصّلاة:

قال أحد الفضلاء ضمن البحث عن البلاد الكبيرة: في بعض روايات السفر وردت: «شغل يومه»، والعلّة تعمّم، ومن جهة أخرى نقول: أنّ حكم البلاد الكبيرة مختلفة عن البلاد الصغيرة.

قال سماحته: هذا التّعليل قيل في موضوع السفر، والسفر في اللغة العربية كما مرّ، هو الخروج عن المدينة وليس التحرّك داخل المدينة، والعلّة توسّع الحكم وليس الموضوع، و«شغل يومه» لا يريد أن يقول: غير السّفر موضوعاً سفرٌ، وله حكم السفر.

في رواية محمد بن مسلم، عن الإمام الباقر (عليه السلام): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ التَّقْصِيرِ، قَالَ: فِي بَرِيدٍ، قَالَ: قُلْتُ: بَرِيدٌ، قَالَ: «إِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ بَرِيداً وَرَجَعَ بَرِيداً شَغَلَ يَوْمَهُ».

 

* حكم تغيير المسير:

سأل أحد من الحاضرين: إذا أراد شخص أن يسافر من مدينته إلى مكان تبلغ مسافة المبدأ وحتى المقصد مثلاً عشرة كيلو متر وهي أقلّ من المسافة الشرعية، ولكنّه يذهب عن طريق تبلغ المسافة فيها ثلاثين كيلو متراً، فهل يُعدّ هذا سفراً؟ وهل هذا الشخص سافر وعليه التّقصير في الصلاة؟

أجاب سماحته: نُوقشت هذه المسألة في (العروة)، وفي الظّاهر أنّ هناك تسالم بأنّ الملاك هو الطريق الذي يسلكه الشخص خارج المدينة، فعليه أن يمشي ثمانية فراسخ أو يذهب أربعة فراسخ ويرجع بأربعة فراسخ، وفي هذه الصورة يُعدّ سفراً وصلاته قصر. 

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

الجلسة الرابعة بتاريخ الثالث من شهر رمضان العظيم 1440 هجرية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

* شمولية خبر الثقة:

سُئل سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في بداية هذه الجلسة: هل ما يقوله العلماء: أهل الخبرة الثّقة قولهم حجّة حتى وإن لم يكونوا شيعة، وهل تتنافي مع رواية: «لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا» .

فقال دام ظله: حجيّة خبر الثقة غير المسلمين مورد للبحث في موردين اثنين، وهما:

الأول: مسألة الأحكام، أي الواجب والحرام والمستحبّ والمكروه والمباح.

الثاني: موضوعات الأحكام. وأقوال العلماء في حجّية القول المطلق لأهل الخبرة الثّقة هي في الموضوعات.

وهل أنّ أهل الخبرة الثّقة حتى وإن لم يكن مسلماً، قوله حجّة في الموضوعات، ذكرت هذه المسألة في (العروة)، وقبل بها الأغلبيّة.

علماً أنّ حجيّة قول أهل الخبرة الثّقة هي في مكان لا تكون خلافها محرزة.

الدّليل بأن قول الثقة غير المسلم ليست حجّة في الأحكام هو الإجماع ظاهراً.

وأمّا بالنسبة للمسلم غير الشيعي، وهل أنّ قوله حجّة في باب الأحكام أم لا؟ محلّ خلاف، فجماعة كمثل الشهيد الثاني في الرجال وولده صاحب (المعالم) في الفقه، قالوا: يجب أن يكون شيعياً في باب الأحكام، وذلك استناداً على وجوه، ومنها هذه الرّواية: «لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا».

لكن مشهور الفقهاء الشّهرة العظيمة، فيقولون: حينما يكون ثقة كاف، ولا يلزم أن يكون إمامياً أو اثنا عشرية، ولذلك فإنّ في الرّواة العديد من غير الشيعة الإثنا عشرية الإمامية، ولكن المشهور عملوا برواياتهم.

وأمّا رواية: «لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا»، فإنّ المشهور قالوا: الجهة نهت عن الرّواية من أخذ الأحكام عن غير الشيعة، لأنّ الأغلبية كانوا كذلك، لأنه ليس هناك اطمئنان من غير الشيعة، وهو ليس محلاً للثّقة، وأمّا لو كان من أهل الثّقة ومورداً للاطمئنان، فإن الرواية لا تشمله.

علماً أنّ تتمّة الرّواية تُشير إلى هذا البحث: «وأمّا ما ذكرت يا علي ممّن تأخذ معالم دينك، لا يأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، إنّهم أؤتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه، فعليهم لعنة الله وملائكته، ولعنة آبائي الكرام البررة، ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة».

 

* الكعبة قبلة أم جهتها؟

السؤال الآخر الذي طرح من قبل أحد الحاضرين كان حول الكعبة، وهل أنّ الكعبة هي القبلة أم جهة الكعبة؟

فقال سماحته: هذه المسألة نُوقشت في (الجواهر) بشكل مفصّل، وأيضاً ذُكرت في (العروة) مختصرة، وهي في الموارد التي تكون فيها استقبال القبلة شرط وواجب كالصّلاة اليوميّة، صلاة الميت، الذّبح ونحر الحيوان، توجيه المحتضر، ودفن الميت المسلم، فهل أنّ القبلة الكعبة نفسها؟ أم جهتها؟

ففي باب القبلة ذكرت الرّواية: «تحسّر القبلة جُهدك».

ووردت: «اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك».

أي: قدر الاستطاعة لابدّ من الفحص عن القبلة، فقال جماعة: الكعبة المقدّسة نفسها هي القبلة لأولئك الذين هم في المسجد الحرام، والمسجد الحرام قبلة لأهل مكّة، ومدينة مكّة قبلة لأهل العالم.

والمسألة مسألة خلافية، ولكن ما ذكره الفقهاء كثيراً في باب القبلة، ويبدو منه كلام جيد، وهو أن في باب القبلة توسعة، وأنا شخصياً سألت المرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازي (رضوان الله عليه)، وليس هناك شكّ في فقاهته وتقواه، وقلت: ما هو مقدار الانحراف المسموح به عن القبلة حينما لا يعلم الشخص جهة القبلة بكلّ دقة؟ فقال: حتى شبر واحد. مع أنّ الانحراف عن القبلة بشبر واحد، ومن مكان المصلّي حتى الكعبة المقدّسة نفسها إذا مددنا خطاً مباشراً نحوها فإنّ الفجوة والفاصلة سوف تكون كبيرة عن الكعبة.

والشّارع المقدس بنفسه الذي قيّد مجموعة من الأحكام الإلزامية بالقبلة، وهذه الأحكام هي محلّ ابتلاء عامة المسلمين من الرجال والنساء، فإذا كان التوجّه مبتنىً على الدقّة يلزم نقض الغرض، وتكليف ما لا يُطاق، لأنّ أكثر الناس لا يستطيعون تشخيص القبلة بشكل دقيق.

ولأنه لن يصدر نقض الغرض عن الحكيم يجب ألاّ يكون التوجّه نحو القبلة مبنياًّ على الدقّة العقلية، بل تكفي الدقّة العُرفية، والدقّة العُرفية هي نفس جهة الكعبة، وقد قال بها جماعة من الفقهاء.

 

* قبلة المقامات والأضرحة الطّاهرة:

قيل: نرى في بعض الأضرحة والمقامات المقدّسة بأنّ الضريح يتفاوت ويختلف مع القبلة التي عيّنت من قبل الدقّة الفلكية وأنّ القبلة مائلة، وفي هذا المورد ما هو التّكليف؟

فقال سماحته: لا إشكال ولا خلاف أنّ القبور المطهّرة للمعصومين (عليهم السلام) موجّهة نحو القبلة، لأنّ المعصم يدفنه المعصوم (عليه السلام) وهو يعلم بالقبلة بكلّ دقّة، وأمّا هل أن الضّريح الشّريف أو الصندوق المطهّر المنصوب على القبر المطهّر، وأنه مطابق مع القبر الأصلي أم لا؟ يجب أن يُقال على القاعدة يجب أن يكون مطابقاً إلا إذا بان وثبت خلاف ذلك.

 

* ما بين المشرق والمغرب:

وقال أحد الحاضرين في الجلسة: ورد في باب القبلة دليل «بين المشرق والمغرب»؟

فقال سماحته: الشخص الذي لا يعلم بالقبلة، أو لا يستطيع تشخيصها، فقبلته ما بين المشرق والمغرب، وإلاّ فإنّ لدينا دليلاً: «تحرّ جهدك»، أي ابذل جهدك واستطاعتك من أجل الحصول على جهة القبلة.

ولذلك فإنّ الفقهاء قالوا بإطلاق «بين المشرق والمغرب».

بناءً على هذا فإنّ الأصل الأوّلي هو أن تكون الكعبة المقدّسة نفسها هي القبلة، وإذا لم يمكن ذلك فإنّ جهة الكعبة هي القبلة، وإلاّ إذا قلنا بأنّ الكعبة المقدّسة بنفسها فقط هي القبلة، فإنّ صلاة أولئك الذين يقفون في صف واحد وطوله أكثر من كيلو متر واحد، وصلاة أغلب أولئك ليست بناحية الكعبة نفسها، لأنّ طول الكعبة ليس إلا عدّة أمتار، وبكل تأكيد لن يكون بعرض كيلو متر واحد.

وصحّة صلاتهم دليل على أنّ في باب القبلة الملاك جهة الكعبة، وليس الكعبة نفسها.

 

* التوسعة في غير الكعبة:

سأل أحد الفضلاء: هل أنّ هذه التّوسعة التي تقولون بها في باب القبلة تشمل أمكنة أخرى، وعلى سبيل المثال في الجمرات، أي مكان الرمي إلى الجمرة يكون الرّمي لجهتها؟

فقال سماحته: كلا، الأمكنة الأخرى لها حكمها، وأمّا في باب القبلة ولجهة وجود قرائن وشواهد التي أشرنا إلى بعضها، نقول بالتّوسعة.

 

* التياسر عن القبلة:

سُئل: ما يُقال عن أهل العراق باستحباب التّياسر في باب القبلة ما هو الدّليل؟ وبأيّ معنى؟

فقال سماحته: لها رواية خاصّة، ومن الممكن أن يكون السبب أنّ العراق يقع خلف الكعبة المقدّسة، بحيث أن ركن الحجر الأسود يقع على الطّرف الأيسر منها، وإذا وقف أهل العراق بشكل مستقيم فإنّ اتجاههم سوف يكون إلى جدار الكعبة، ولكن إذا تياسروا قليلاً فإنّ اتجاههم سوف يكون نحو ركن الحجر الأسود، ومستحبّ في الصلاة الاتجاه نحو الأركان الأربعة، وبالأخص ركن الحجر الأسود، ومن الممكن أن يُستفاد من روايات التّياسر من هذه الناحية.

 

* قصة المحقّق الحلّي:

ينقل بأنّ المحقّق الحلّي (رحمه الله) كان في مجلس درس، وكان يناقش فيه مسألة استحباب التّياسر في باب القبلة لأهل العراق، وفي هذه الأثناء يدخل المرحوم المحقّق الطّوسي (رحمه الله)، وأراد المحقّق الحلّي أن ينهي الدّرس احتراماً وإجلالاً له، ولكنّ المحقّق الطّوسي لم يقبل بذلك فاستمرّ الدّرس، وحينما سمع المحقّق الطّوسي أنّ المحقّق الحلّي طرح هذه المسألة، وكان الطّوسي من أهل الخبرة بالفلك، فقال: إذا كان التّياسر من الكعبة إلى غير الكعبة فحرام، وإذا كان من غير الكعبة إلى جهة الكعبة فواجب، فما الدّاعي إلى الاستحباب إذاً؟

فقال المحقّق الحلّي في جوابه: «منها وإليها».

أي هذا التّياسر من الكعبة إلى جهة الكعبة نفسها، أي إذا وقفوا بشكل مستقيم فإنّهم يتّجهون نحو جدار الكعبة، وإذا تياسروا فإنّ الاتجاه سيكون نحو جهة ركن الكعبة، ومن المستحبّ أن يقف الشخص بشكل يكون متّجهاً نحو أركان الكعبة.

بهاتين الكلمتين توضّح جواب سؤال المحقّق الطّوسي، وقد كتب بعض السّادة الفقهاء رسالة خاصّة في بيان وشرح «منها وإليها».

 

* البوصلة:

سأل أحد الحاضرين: هل أنّ البوصلة حجّة في تشخيص جهة القبلة؟

فقال سماحته: إذا أدّى إلى الاطمئنان فنعم، لأنه من الممكن أحياناً ألا تعمل جيّداً أو أن عقاربها كعقارب السّاعة تُبطئ على أثر مرور الزّمان.

 

* اشتراط الذكورية في مرجع التقليد:

سأل أحد الحضور: ما هو الدّليل بأن يكون مرجع التّقليد رجلاً؟ وهل يمكن التمسّك برواية: «نواقص العقول»؟

فقال سماحته: الدّليل هو الإجماع، وهذه الرّواية ليست دليلاً، لأنّ الرّواية المذكورة وأمثالها قضيّة خارجيّة وليست حقيقيّة، وهذه وأمثالها قضية خارجية وليست حقيقية، وهذا نفسه يُعدّ نوعاً من البلاغة في الكلام بحيث جيء بكلمة الجمع، ولكن المقصود هو رجل واحد، ولدينا كراراً وردت أمثال ذلك في القرآن الكريم والرّوايات.

وعلى سبيل المثال: آية {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} ، فالمقصود من (الذين آمنوا) حتى آخر الآية، وفي المجموع ذكرت سبعة مرّات بصيغة الجمع فيها، هو شخص واحد فقط، وهو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

ووردت في سورة آل عمران: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخشوهم}، فإنّ المقصود من «قال الناس» شخص واحد، وكان فقط شخصاً واحداً، والذي قال هذا الكلام، ولكن القرآن الكريم أورده بصورة الجمع.

 

* معنى العدالة في إمام الجماعة:

وآخر سؤال سُئل من قبل أحد الحاضرين: في تعريف العدالة، قال الفقهاء أنها بمعنى: الملكة ترك الذنب، وفي باب الجماعة التي جاءت التأكيد على ثوابها وحضورها كثيراً، أن يكون إمام الجماعة عادلاً، فكيف نستطيع أن نحرز العدالة؟ وهي عادة عمل شاق على الأشخاص.

فقال سماحته: العدالة مفهوم مشكّك وليس متواطئاً حسب الاصطلاح المنطقي.

بناءً على هذا فإنّ لملكة العدالة مراتب متفاوتة ومختلفة، وأقلّ مراتبها تكفي للشّخص أن يكون إماماً للجماعة. وفي باب الجماعة يكفي أن يعلم الشّخص بأنّ إمام الجماعة ليس من أهل الذّنوب والمعاصي، وإذا صدر منه معصية فإنّه يندم عليها سريعاً ويستغفر، وذلك كاف منه، كما ذكرت الآية الشريفة: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}.

وعندما عرّف العلماء العدالة بالملكة أخذوا ذلك من مجموع الروايات، وإلاّ فإنّ النّفي المطلق للذنب عادةً خاص بالمعصوم (عليه السلام)، ولكن إذا لم يكن الشخص من أهل المعصية، وعندما ارتكب ذنباً استغفر، وفي هذا المورد فإنّ ملكة العدالة موجودة أم أنها تسترجع.

سُئل: في باب الجماعة، أليس يكفي عدم العلم بالفسق؟

فقال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: كلا، بل يجب إحراز العدالة، فقد وردت في الرواية: «لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينة وأمانته». والعدالة تحرز بهذا المقدار الذي يعاشره ويصاحبه، ويرى بأنه ليس من أهل المعاصي، وإذا ارتكب معصية فإنّه يستغفر.

وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.