«الحكمة» والآفات اللامحدودة: موضوع الجلسة العلمية الحادية عشر لآية الله السيد حسين الشيرازي

كان: «الحكمة» والآفات اللامحدودة، هو موضوع الجلسة الفكرية العلمية الحادية عشرة لنجل المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، آية الله السيّد حسين الشيرازي، ضمن سلسلة جلساته الفكرية العلمية الموسومة بـ(معهد الانضباط وقهر المستحيل).

عقدت هذه الجلسة عصر يوم الخميس المصادف للتاسع عشر من شهر شعبان المعظّم1440 للهجرة الموافق للـ(25/4/2019م). 

حضر في هذه الجلسة أعضاء مكتب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله وفضلاء وأساتذة الحوزة العلمية ورجال دين، وضيوف من العراق. 

كان مما ذكره نجل سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في هذه الجلسة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعترته الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين

ـ قال تعالى: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ» (البقرة/269).

ـ اميرالمؤمنين عليه السلام: «قوتُ الاجسام الغذاء وقوت العقل الحكمة فمتى فقد واحدٌ منهما قوته بار واضمحلّ».

ـ قال تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» (آل عمران/164).

ـ نهج البلاغة: «الحكمة هي حياةٌ للقلب الميّت وبصرٌ للعين العمياء وسمعٌ للاُذن الصمّاء ورَيٌّ للضمآن وفيها الغني كُلُه والسلامة» اذا هِبت امراً فقع فيه فانّ شدة توقّيه أعظم مما تخاف منه».

ـ اقول: الحكمة، هي اشرف نشاط العقل وارقى عمليات الدماغ وهي ابرز الجوانب المشرقة في الأنسان وفلسفة خلقته والسبب من كرامته عند الله تعالى والغاية من تبوّئه خلافة الله.

ـ الفضائل والمكارم للحكمة لا تعد ولا تحصى، فالتعبير بـ«الخير الكثير» على لسان القرآن الكريم، يقتضي اللامحدوديّة، نذكر هنا عشرة من ابرز العناوين الحيوية القائمة بالحكمة: 

1) تخلق الصمود والثبات والتجلّد في مواجهة المشاكل.

2) تصون تصرفات الانسان وجميع سلوكياته وتصريحاته الإرادية.

3) تخلق الأمان ومنطقته حول الانسان وتوسع حاشيته عليه شيئاً فشيئاً، فهي اعظم حارس لنا من المهالك والأخطار والسقوط بل هي العامل الاساسي ضد انقراض الانسان.

4) تُنير الدرب في كافة المجالات وترشد الانسان في جميع تخطيطاته.

5) تحول دون صدور انفعالات همجيّة غير عقلانية وشططيّة لا اراديّة وتنقذنا من الخزي والافتضاح.

6) تخلق الالتزام بالمبادئ والقيم والآداب والأعراف الكريمة.

7) تخلق في الانسان عقلية الوفرة وتجنّبه عقلية الندرة التي متأصلة في جميع أبعاد الحياة، فالحكمة تلهم الانسان أنّ الحياة غنيّة بجميع مواهبها وانها لن تهدم مهما تم حصدها.

8) تعزز قوة الانتباه للتفاصيل وتعالج قصور الانتباه والانسياق المستمر للتشتيت.

9) كفيلةٌ بتحديد حقيقة الأشياء وهويتها الواقعية غير المزيّفة والحيلولة دون السقوط في الافراط والتفريط وهفوات المبالغة والافراطيّة.

10) ابرز العناوين كلها واعقدها على الاطلاق واشرفها بلا حدود، وهي: تشخيص (الأهم والمهم)، قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «ليس العاقل من يعرف الخير من الشرّ لكن العاقل من يعرف خير الشرّين».

ـ المثال الأول: يقول مدير حقل كبير للدواجن يفوق عددها النصف مليون: كان العمّال يعرضون على المالك كل يوم موت عدد قليل من الدواجن واستنقاص العدد الكلّي وكان المالك يوقّع على تحويلهما للمحرقة، ثم سافر المالك لمدة اسبوع فتحول هذا الأمر عندي ففرضت إحضار الدواجن التالفة عندي قبل تحويلها للمحرقة للتأكد من عددها والحيلولة دون حصول سرقة من العمّال فتبيّن أن العدد المعروض مزيّف، فتمكّنت بذلك منع حصول السرقات اليوميّة، وعندما عاد المالك عرضت عليه أمر السرقات، فاظهر انه كان على علم كامل بها لكنه كان يسمح بحصولها تفادياً للاعظم منها.

ـ المثال الثاني: التعليمات التي تعرض على ركاب الطائرات دائماً مما يرتبط باستخدام اقنعة الاوكسيجين، يتم التأكيد على ضرورة تركيب المسافرين القناع لانفسهم قبل مساعدة الاخرين. 

ـ المثال الثالث: تنص التعليمات والقوانين التي تفرض على ضباط الجيش أنه لايحق لهم الاكل حتى يأكل جميع الجنود ولا يحق لهم الخلود للنوم حتى يتمكن الجنود من النوم، فحتى النفر الأخير من الجنود، يجب ان يبقى الضباط مستيقظين، ولكن تختلف التعليمات في الولايات المتحدة فانها تنص على ضرورة تحقيق الضباط الاستراحة والشبع دون مراعاة ظروف الجنود.

ـ ابرز مظاهر الحكمة هو تصديها الموصول لنشاط نفسي جبار وهائل للغاية وهو نزعة التهور والمجازفة والمخاطرة وطبيعة الاقدام والمبادرة نحو المهالك والمخاطر والأضرار.

ـ تستوطن الحكمة في العقل وتستوطن المبادرة في النفس وبالذات في نزعاتها وميولها، وكل واحدة منهما يحتويان على طاقة هائلة في مواجهة الاُخرى والتصدي لها وسحقها.

ـ الآفات بلا حدود: 

1) لا شك اننا بحاجة الى الانتباه للماضي المرير لأخذ العبرة منه لكنه عملية خطيرة للغاية لانها تزودنا بحجم هائل من الحذر والحيطة اكثر بكثير من حاجتنا للعبرة ولذا يجب الحيلولة دون اقتران الحكمة بآلام الماضي واخفاقاته الصادمة.

2) انها اعظم طاقة تعيق الانسان عن بلوغ الأماني والآمال والأهداف بل حتى التفكير والتخطيط لها، فتبذل جهوداً بلانهاية من أجل تقويض طاقاتنا الجبارة المسخّرة لأي انجاز حقير، أو خطير بحجج واهية كالتحذير من الافتضاح بين الناس.

3) تمنع الانسان من ممارسة دوره في الحياة باقصى حدّ وتفرض عليه دوراً محدوداً ضئيلاً جداً بالمقارنة الي قابلياته في جميع أبعاد الحياة.

4) انها نزّاعة وميّالة الى القياس والمقارنة مع الآخرين ومع ظروف الحياة، مع أن الحياة يستحيل قياسها واستنساخها، وبذلك تسلبنا عبقريتنا الخاصة بكل واحدٍ منّا.

5) تمهّد بشكل موصول لحالة الرضا العميق بالموجود والاكتفاء بالمستوي الضحل القائم، وتقلّص كل تحفيز وتثبطه، بل تغذي نزعة (التوقف عن المحاولة) لانّ عدم المحاولة لن يحقق خزياً واضحاً ابداً، فهي أبو التكيّف مع الظروف والقبول بالواقع والخصوع له والجمود عليه. 

6) انها اعظم جهاز تشويش في عقولنا في وجه المبادرة والاقدام والتصدّي والنهوض، كما انها تتقن تعابير بليغة للغاية في وصف المخاطر واضفاء طابع سلبي وتشائمي على مبادراتنا.

7) انّها تعادي خلق (تعريف جديد) للامور التي اقترنت بالفشل والضرر سابقاً بل تحاول جعلها عالقة بنفس الوصف القديم بالرغم من أن العالم متغيّر بوتيرة متسارعة.

8) انها نزاعة الى المثاليّة والتوقف حتى توفر جميع الشروط، مع أن الانجاز يُعادي ويعارض التفكير المثالي.

9) انها تصرخ دائماً في وجه الاقدام والمبادرة وتقول له: تمهّل يا أحمق ويا أخرق ويا أبله لا تورّط نفسك يا أرعن.

10) انها مذعورة دائماً ومرعوبة ومفزوعة وخائفة ومتوجسة ومرهوبة من كل جديد وكل مجهول وكل تغيير.
النتيجة وفصل الخطاب: 

أولاً: كلما كانت الحكمة أرقى وأجود وأعظم وأعلى كانت آفاتها لا محالة اشدّ وأقوى وأفرح كارثية وأبهض تكلفة.

ثانياً: ان تموت وتهلك الأحلام والآمال والأهداف الحقيرة والخطيرة، وتدفن في الواقع الخارجي والعالم الحقيقي، ويصبح الانسان اُضحوكة الدهر على رؤوس الاشهاد أفضل بكثير من أن تعيش حياة رغيدة في رؤوسنا وعالم الخيال والتصورات وتبعث في وجودنا وخاطرنا البهجة والسرور والانشراح والفرح والصور.

ثالثاً: يجب الحيلولة دون إلغاء نشاط الحكمة ولا تضعيفها ولا تحذيرها بل يجب محاولة تنشيطها بشكل موصول ومستمر فانها اشرف فعاليات العقل ويقوم على نشاطها ابرز مصالح البشر.

رابعاً: يجب ايجاد توازن بين طاقتي العقل المتمثلة في الحكمة والنفس المتمثلة بالشجاعة والمبادرة والاقدام.