سماحة المرجع الشيرازي لطلبة علم من مدينة الشهيد الصدر:

تقوى الله، وعدم الانجرار وراء الدنيا وزخرفها هي المسؤولية الكبرى

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، جمع من مسؤولي وطلبة مدرسة السيّدة الزهراء صلوات الله عليها العلمية من مدينة الشهيد الصدر قدّس سرّه، في العاصمة بغداد، يوم الخميس التاسع عشر من شهر شعبان المعظّم1440 للهجرة (25/4/2019م)، واستمعوا إلى إرشادات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، التي قال فيها:

مع شكري الجزيل لكم فرداً فرداً، على تشريفكم هنا، وتشرّفي عندكم وبمحضركم جميعاً. وأسأل الله تعالى أن يجعل مولانا وسيّدنا بقيّة الله الأعظم المهدي الموعود صلوات الله عليه وعجّل في فرجه الشريف، أن يرعى الجميع برعايته، وأن يكون سيّدنا ومولانا الإمام الرضا صلوات الله عليه وأخته كريمة أهل البيت صلوات الله عليهم السيّدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها شفعاء للجميع في حوائج الدنيا والآخرة.

وقال سماحته: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها. ولعل من أبلغ ما ورد في وصف الدنيا على لسان أهل البيت صلوات الله عليهم، هو إنّ الله عزّ وجلّ لم ينظر إلى الدنيا منذ خلقها. وهذا بالنسبة إلى الدنيا عند الله عزّ وجلّ وهو خالق الدنيا. وهذا يدلّ على انّ الدنيا هيّنة كثيراً عند الله تعالى. وأما بالنسبة للبشر، أي نحن، فالدنيا هي قنطرة لنا. واستفادة الإنسان من هذه القنطرة هي أن يعبر من عليها، ولا يدخل أو لايقع في الماء، ويعني انّ الدنيا جسر، وفائدة الجسر هي أن يجعلك تعبر من جهة إلى أخرى.

وبيّن سماحته: نحن كم نحتاج في الدنيا إلى ملابس؟ وإلى طعام؟ وإلى ضروريات الحياة؟ فعلينا أن نأخذ من ذلك بمقدار الضرورة، لا أكثر. فالإنسان لا تهمّه أن ماذا تكون القنطرة، سواء كانت من خشب أو من إسمنت، أو جميلة أو غير جميلة، أو كيف يعبر عليها، فالمهم هو أن يعبر من عليها. فعلى الإنسان أن يأكل ما يحتاجه من الطعام، لا أن يشترط بأن يكون الطعام لذيذاً. فاللذّة لها الحسرة يوم القيامة. فحلاوة الدنيا مرارة الآخرة كما يقول مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

وشدّد سماحته بقوله: نحن أهل العلم مسؤوليتنا أكثر وأكبر من غيرنا عند الله سبحانه وعند أهل البيت صلوات الله عليهم، وكذلك في التاريخ، لأنّه علينا مسؤوليتين: الأولى هي كم نستفيد نحن من هذه القنطرة، وبأيّة نسبة؟ أي بنسبة أربعين بالمئة أو خمسين أو ستين أو ثمانين؟ والمسؤولية الثانية هي التأسّي. فكل واحد منّا نحن أهل العلم، وبمجموع ما نعتقد به، سواء كان هذا المجموع مما نعتقد به عشرة بالمئة أو عشرين أو خمسين، أو كان بنسبة مرجعاً للتقليد. فالناس يتعلّمون منّا، ان خيراً فخير، والعياذ بالله، ان شرّاً فشر. ومن الذين يتعلّمون منّا هم عوائلنا الذين نصلّي معهم ويسمعون كلامنا. والمجال بهذا الخصوص اليوم لا يقتصر على البيت فقط، وعلى المدينة، بل بات اليوم يشمل الدنيا كلّها، وذلك بسبب الفضائيات. أي إنّ الملايين من الناس في العالم يستمعون إلى كلامنا. فكم سيستفيد الناس من هذا الكلام؟ ومن نظرات المتكلّم؟ ومن أسلوبه؟ وتعبيره؟ ومن أدبه في التعبير والكلام؟ فهذا ينعكس على المجتمع كلّه. وهذه هي المسؤولية الكبرى.

كما أوضح سماحته، مشيراً إلى سيرة أحد العلماء الكبار من السلف الصالح وقال: أذكر لكم القصّة التالية من تاريخ الحوزة العلمية في مدينة النجف الأشرف عن أحد العلماء الماضين الذي كان بدوره في يوم من الأيام شابّاً متعلّماً ثم أصبح أستاذاً ثم عالماً ومرجعاً للتقليد، وهو المرحوم الشيخ محسن خنفر.

مرض الشيخ محسن خنفر في أخريات حياته مرضاً أجلسه في البيت وألزمه الفراش، بحيث لم يستطع مزاولة شؤون المرجعية من التدريس، وتحقيق المسائل، والإجابة على الأسئلة الشرعية و...، وطال به المرض إلى أن توفي عام 1270 للهجرة، وتوفي الشيخ صاحب الجواهر قبله بأربع سنوات أي عام 1266 للهجرة، وفي الفترة ما بين وفاة صاحب الجواهر إلى وفاة الشيخ خنفر صارت المرجعية للمرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري.

نقلوا أنه جيء للشيخ الأنصاري بكيس كبير مملوءاً بالليرات الذهبية وكان الكيس يسع لمئة كغم، وبدون أن يفتحه الشيخ الأنصاري قال: احملوه إلى الشيخ محسن خنفر. فأتوا به إلى الشيخ خنفر فقال: ما هذا؟ قالوا: الشيخ الأنصاري يبلّغكم السلام ويقول هذا لك. فسأل عما فيه؟ قالوا: ليرات ذهبية. فجلس الشيخ خنفر وفتح الكيس وأخذ ليرة واحدة وكسر منها كسرة وأخذها وأرجع المتبقي منها في الكيس وقال: ارجعوا به إلى الشيخ الأنصاري، فهذا المقدار الذي أخذته يكفيني حالياً.

وعندما أرجعوا الكيس إلى الشيخ الأنصاري قام بتوزيع ما فيه على الفقراء والأيتام وعلى المساجد والحسينيات وعلى مجالس أهل البيت صلوات الله عليهم وعلى المشاريع الخيرية الأخرى.

بعد أيام توفي الشيخ خنفر وتبيّن أنّ المقدار الذي أخذه من الليرة كانت حاجته وحاجة عائلته للأيام المتبقية من حياته.

في الحقيقة إن هذه القصة كانت امتحاناً كبيراً للشيخ محسن خنفر، حيث استطاع بتحمّله للمرض والفقر والألم وعدم اغتراره بمال الدنيا أن يخرج منه مرفوع الرأس. فلو أن شخصاً آخر كان بمكان الشيخ خنفر فلربما قال: قد أبقى مريضاً وفقيراً فلأغتنم هذه الفرصة وآخذ ليرات أكثر وادّخرها لليوم (الأسود) كما يعبّرون. ونحن أهل العلم نواجه ظروفاً صعبة وفي أكثر الأحيان تواجهنا ابتلاءات كثيرة فيجب أن نقي أنفسنا من الانجرار وراء شهوات النفس ورغباتها.

وعقّب سماحته: الآن ودائماً عندما نذكر الشيخ خنفر وكذلك كل من يعرف عنه هذه السيرة، نقول ويقول: ونعم ما صنع الشيخ خنفر. وأنتم أهل العلم ورثاء اولئك، أي ورثاء الشيخ الأنصاري والشيخ خنفر قدّس سرّهما. فهل ستكونون أنتم مثل الشيخ خنفر أم لا؟ وهذا يرجع إلى كلمة واحدة فقط قالها القرآن الكريم، وهي: (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) سورة الشورى: الآية43. فكلمة (إنّ) للتأكيد، وكذلك كلمة (ذلك) وحرف اللام في (لمن). إي الإرادة والتصميم.

وأضاف سماحته: بلى ولا شكّ، كان في زمن الشيخ خنفر، المشاكل والشهوات وميل للدنيا ولحلاوتها، وحبّ الأكل اللذيذ، واللباس الفاخر، والثياب الفاخرة، ولكن الشيخ عرف كيف يتعامل معها. فما دام الإنسان في الدنيا فعليه أن يستفيد منها لأداء المسؤولية، ولا يصرف الحياة كلها في الدنيا التي تنتهي لأجلها. فالدنيا هي بنسبة واحد بالمليار من الآخرة، وأكثر وأكثر، كما قال الله تبارك وتعالى بالنسبة إلى يوم واحد من أيّام الآخرة: (وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّون) سورة الحج: الآية 47.

وخاطب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله الضيوف الكرام، مؤكّداً: إذن علينا وعليكم أن ننهض بهذه المسؤولية، وذلك عبر تعبئة علمية كاملة، وتقوى حقيقية، حتى يصير المرء كالشيخ الأنصاري وكالشيخ خنفر وكالسيد بحر العلوم وكصاحب الجواهر، وهذا ممكن وبيد الإنسان.

وختم دام ظله، إرشاداته القيّمة، بقوله: أسأل الله تعالى أن يعينني ويعينكم على ذلك.

جدير بالذكر، أنّه بعد إرشادات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، اعتمر العمامة على يدي سماحته، جمع من طلبة المدرسة المذكورة.