|
|
|||
|
(جائحة الانضباط والجانب المشين له) موضوع الجلسة الفكرية الرابعة لنجل سماحة المرجع الشيرازي دام ظله
أقيمت الجلسة العلمية الفكرية الرابعة لنجل المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، آية الله السيد حسين الشيرازي، في مكتب المرجعية بمدينة قم المقدّسة، عصر اليوم الخميس العاشر من شهر جمادى الأولى 1440 للهجرة الموافق للسابع عشر من شهر كانون الثاني/يناير2019 للميلاد، وذلك ضمن السلسلة الجديدة لهذه الجلسات المعنونة بـ(معهد الانضباط وقهر المستحيل). حضر هذه الجلسة جمع من الفضلاء وأعضاء مكتب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله وطلبة العلوم الدينية والضيوف. كان موضوع هذه الجلسة الفكرية هو: جائحة الانضباط والجانب المشين له. وفيما يلي رؤوس نقاط من الموضوع المذكور: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد
وعترته الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين ـ نهج البلاغة: «لأنسبنّ الاسلام نسبة لم ينسبها قبلي أحدٌ ولا ينسبها بعدي أحدٌ الا بمثل ذلك، ألا وإنّ الاسلام هو التسليم». مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون المقصود من قبلهما. ـ الكافي الشريف، ج2، ص118 (باب الرفق) فيه روايات عديدة وفي غاية الروعة، ومنها: قال صلى الله عليه وآله: ان الرفق لم يوضع على شيء الا زانه، ولا نزع من شيءٍ الا شانه». القرآن والنبي صلى الله عليه وآله. ـ في الحديث الشريف في كتاب الكافي: «المؤمنون هينون لينون، كالجمل الألف، اذا قُيد انقاد واذا اُنيخ على صخرة استناخ» الاستناخة هي الإبراك والجَثَم والجلوس. ـ الانضباط، استراتيجية عظمى، وكل استراتيجية تبتني على اركان واُسس وقواعد أساسية، كما وانها لا محالة تحتوى على جوهرة وروح ومُهجة، وجوهرة الانضباط هي: «التسليم» وهي القدرة على استعمال المرونة واللين والرفق في جميع ابعاد الحياة، والقدرة على التكيف والاستجابة لما هو أهم، فيجب خلق وتحقيق توازن بين الانضباط الفولازي والجبّار مع اللين والمرونة المطلقين، فأوّل كل شيءِ وقبل كل شيءِ واثناء كل شيء يجب استعمال الرفق واللين، لانّ تنمية العضلة تسبق تنمية المهارة والاحتراف، فاللين عضلة والانضباط مهارة. ـ لا يكادُ ينكر أن الانضباط هو افضل عامل يساعد على الانجاز والانتاج والأداء بل على الجودة والمتانة والكفاءة، لكنه عندما يمارس بشكل افراطي وبطريقة عاتية ومبالغ فيها، فانّه يفرز نقيضه. ـ حياة الانضباط الشديد غير المقترن بالمرونة والرفق، ليست حياة جديرة بان تُعاش ولا تحقق شيء من السعادة ولا تجلب الخير وتكلفتها باهضة للغاية وكل ما يحرز من خلالها هزيل. ـ القانون الثاني للديناميكية الحرارية، ينصّ على أن الطاقة الكلية غير المتاحة في أي نظام لا تنقص الا بزيادة الطاقة في نظام آخر، ولذا فان كل افراط ومبالغة منفلتة العنان في عملية الانضباط يؤدّي لا محالة الى تفريط واستهانة واستخفاف بالانضباط في مجال آخر: 1) من نفس الفرد في مجالات اُخرى 2) ومن افراد آخرين في نفس المجال، فالافراط والمبالغة دون اقتران، يحدثان تضاؤل في منسوب الانضباط في الحياة، فهو بمثابة رمي القمامة والنفايات في البيئة، بفرض تطهير الدار، فهو عملية تدنيس شاملة عبر تنقية محدودة. ـ حكمة ماليزية «أجمل الحِكم»: يستطيع المراء أنّ يردّ قرضاً من ذهب [وان كان جبلاً من الذهب] ولكنه يموت [العالم بأسره] وهو مكبّلٌ بالديون الى الأبد لمن تمتلى قلوبهم بالشّفقة. ـ آفات الانضباط المهلكة التي تستأصل الحياة من الجذور وتطحن الاُصول والفروع، عناوين كثيرة للغاية وهي الوجه القبيح للانضباط، نذكر هنا عشرة منها ربما تكون هذه العشرة هي الاساس: 1) الإبداع: المبالغة في التركيز على الانضباط يقوّض الابداع في أركان الانضباط الثلاثة: اي: العقل والاعصاب والسلوك، فالابداع في هذه المجالات يحتاج الى تحرّر وارتياح مستمر فيها ولذا فالناس الفوضويون هي اكثر حظاً في مجال الابتكارات والاختراعات والاكتشافات وهكذا البيئة الفوضوية فالانضباط يعادي الابداع اشد المعادات لان الانضباط يخفّر بشكل مستمر نحو نشاط ممنهج لا يقبل التغيير قيد شعرة، ولا مجال لخلق شيء جديد الا عبر تفكيك الاُسس (الفكرية والنفسية والسلوكية) القائمة وتحطيمها وتجاهلها، يقول كبار المبدعين: الابداع نوعٌ من التدمير.
2) التحجيم: الانضباط يجعلنا ان لا نستطيع
التعامل الا مع عدد محدود من المعلومات والمفردات والمقوّمات والإمكانات،
فانه يخفق الطبيعة الأبرز في الانسان وهي: «طبيعة التنوّع» كما انها هي
الطبيعة الابرز في الحياة في جميع النواحي، فالحرمان هو ابرز مظاهر
الانضباط عندما يقترن بالتنوع اللامحدود في ذات الإنسان وفي الطبيعة. 4) الاستمتاع: يؤدّي الانضباط الى الإنسجام المطلق مع العمل ومن ثم يتكوّن الإدمان في العمل بطريقة غير عقلانية، وهو بدوره يقوّض كل مُفردات الراحة والاستجمام والاسترخاء. 5) الوسواس القهري: وهو اضطراب نفساني وصراع داخلي شديد، يشعر فيه المصاب ان فكرة معينة تلازمه دائماً ولا تكاد تفارقه بل تبقى تحتلّ جزء كبيراً من تفكيره واهتماماته بحيث يبدأ بتصرف بشكل لا ارادي وممنهج ويرافق الإفراط في الشعور بالمسئولية ويبدأ بالتفاقم على مرور الزمان حتى ينتهي بعروض أمراض نفسية شديدة أهونها الاكتئاب. 6) السُّلطوية: الانضباط العاتي يعزز نزعات سلطوية بل وافكار تحكمية وهيمنية في طبيعة الانسان، وتتمادى حتى تبلغ نزعة الفرعنة والجبروت المطلق المنفلت العنان. 7) المهارة: يعرقل الانضباط قدرة الانسان على تحقيق الخبروية والاحتراف في جميع ابعاد الحياة، بل يعرّض الحاصل منها للضمور شيئاً فشيئاً حتى درجة السحق والتلاشي. 8) التغطية: يتسبب الانضباط تغطية هائلة وشاملة على نقاط الضعف والضحالة والخرق والخشونة والرُّسوب وانواع السقوط الحاضر في الانسان لدى نفسه ولدى الآخرين. 9) التواني: يولّد ويغذي حالة التواني والتكاسل والتراخي والتقاعس والتقصير في جميع مجالات الحياة الخطيرة والبالغة الاهمية والمتوفرة والمتاحة فيما كانت خارجة عن الاهتمام بل لا يدع الانضباط مجالاً لاحتمال مدخليتها في مصالح ومنافع الانسان الاساسية، واحتمال حصول الندم الشديد عليها في المستقبل، بل احتمال حصول خسائر في جوانب اُخرى. 10) الهوّية: ينسف الانضباط انواع الهويات الفردية والهويات الجمعية، اذا لا يمكن فرض الانضباط على الآخرين فانه يضرر طبيعة التعايش مع الآخرين بشكل كبير ومن ثم تتضرر الهوية الفردية. ـ فصل الخطاب: ينقسم (اللين والرفق والمرونة) من حيث البواعث والدوافع، الى نوعين: الأول: طبيعة الإهمال والتغافل والتشيتت وقصور الانتباه، وهذا هو أكبر الكوارث في الحياة ولا يمكن تقدير تكلفته أبداً. الثاني: الارادة واستعمال التعقّل والفِطنة والحصافة، ومراعاة المفاضلة بين الأهم والمهم، بانّ هناك ما هو أهمّ من الانضباط.
|
|||
|
|