|
|
||
|
التقرير الكامل للجلسة العلمية الرمضانية السابعة لسماحة المرجع الشيرازي 1439هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
• مسألتان في الخمس: استمراراً للبحوث الليالي الماضية، طلب بعض السادة العلماء توضيحاً أكثر بالنسبة إلى المسألتين المطروحتين بشأن الخمس. فتفضّل المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله قائلاً: جاء في العروة الوثقى كتاب الخمس الفصل الأول المسألة 60: (مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد خروج مؤونتها حال الشروع في الاكتساب فيمن شغله التكسّب، وأمّا من لم يكن مكتسباً وحصلت له فائدة اتفاقاً فمن حين حصول الفائدة). ومن بين أكثر من واحد وأربعين حاشية على العروة فقد فصّل شخص أو شخصين، ولكن الأغلبية أيّدوا كلام صاحب العروة. وصاحب العروة عيّن بالنّسبة للذي عمله التكسّب في بداية السنة الخمسية منذ أوّل شروعه للكسب، وطبقاً لرأيه لا يحقّ للشخص أن يعيّن وقتاً آخر لسنته الخمسية. قال بعض الفقهاء: يستطيع أن يجعل مبدأ سنته أول ربحه ولكن في غير هذين الوقتين فإنّه لا يحقّ له أن يجعل مبدأ سنته في وقت آخر إلاّ بإذن الفقيه الجامع للشرائط من باب الولاية على الأمور الحسبية أو أعلى منها، وذلك بناءً على الخلاف بين الفقهاء. وفي بعض الأحيان يكون فيه الفقيه مجبراً أن يأذن للشخص أن يجعل مبدأ سنته في غير هاتين الحالتين، وعلى سبيل المثال فإنّ هذا الشخص قد يقع في العسر والحرج إذا لم تجعل رأس سنته الخمسية في غير هذين الوقتين، أو حين عدم الإذن فسوف يتساهل ويتهاون ويتكاسل في أداء الخمس. على كلّ حال فقد قال الفقهاء: حقّ تعيين مبدأ السنة ليس راجعاً إلى الشخص نفسه، بل هو منذ بدأ الكسب أو البدء بالربح وظهور الفائدة. أمّا بالنسبة إلى غير المكتسب، كمثل المرأة التي تكون في بيت زوجها وحصلت على فائدة مالية، يقول صاحب العروة: مبدأ سنتها من وقت حصولها على الفائدة، سواءً أكانت الفائدة ربحاً مالياً أو كدّ يمينها، وتعلّق الخمس بهذه الفائدة الحاصلة إجماعي، أو حتّى الفائدة التي حصلت عليها من دون تعب أو كد أو مشقّة، كمثل الهدية أو الصدقة، حيث إنّ المشهور يقول بلزوم بتخميسها.
• استثناء المؤونة: بعد تعيين مبدأ السنة، كلما زاد إلى مبدأ النسة المقبلة، وكانت مؤونة فلا خمس فيها، وأمّا ما يبقى فيخمّس لأنه من الفائدة الزائدة على المؤونة. والمراد من المؤونة هو المقدار الذي يصرفه الشخص على نفسه وعلى عائلته من المأكل والملبس والمسكن والأدوات المنزلية وتزويج الأبناء والسفر والعلاج وما أشبه ذلك، والخمس يسقط عنها أي عن المؤونة بشرطين، وهما: 1 ـ أن لا ينفق هذا المال في الحرام. 2 ـ أن لا يكون أكثر من شأنه وكرامته. وقد قال بهذا القول الفقهاء الذين كانوا قبل صاحب العروة وأكثر المحشّين والشرّاح بعده أيضاً، وعلى سبيل المثال نستطيع مراجعة رسالة الميرزا الشيرازي الكبير والشيخ الأنصاري وصاحب الجواهر والحاجي كلباسي وغيرهم.
• فوائد الكسب وغيرها: سُئل: إذا كان للشخص كسب وفوائد يحصل عليها من غير التكسّب كالهدايا والصدقات، فهل عليه أن يحدّد ويعيّن مبدأين للسنة؟ أجاب سماحته: كلا، فهذان القولان اللذان ذكرهما صاحب العروة هو على سبيل منع الخلو، ولذلك كلّ واحد منه يكون المتقدّم يجعله مبدأ لسنته الخمسية.
• الأعمال والمكاسب المختلفة: قيل: الشخص الذي لديه عدّة أعمال، ومن كلّ واحد من هذه الأعمال يحصل على فائدة، وعلى سبيل المثال: يعمل بالزراعة، وله محل، ولديه تجارة فيبيع ويشتري أيضاً، فإذا كان هذا الشخص أول فائدته وربحه في الزراعة في أول محرم، وأول فائدته في المحل في الأول من صفر، وأول فائدته في التجارة والبيع والشراء في الأول من الربيع، فهل عليه أن يحدّد ثلاث مبادئ لسنته الخمسية؟ قال سماحته: كلا، لا يجب عليه ذلك بل يكفيه المبدأ الأول لسنته، ولكن البعض قالوا له الحقّ أن يفعل ذلك، ولكن الرأي المشهور له مبدأ واحد لسنته، أي الذي يحصل على فائدته أولاً يجعل ذلك مبدأ لسنته الخمسية.
• مبدأ السنة قبل البدء بالكسب: سُئل: إذ عيّن الشخص بنفسه مبدأ لسنته قبل البدء بالكسب وعلى سبيل المثال أول البدء بالكسب أو البدء ظهور الفائدة هو الأول من المحرم ولكن مبدأ سنته يجعله مثلاً قبل ذلك أي في الأول من رمضان. قال سماحته: لا أثر لذلك، لأنّه لو اختار الأول من شهر رمضان مبدأ سنته، فلا يجب عليه أن يخمّس في أول رمضان، ولكن في مبدأ سنته الواقعية ليس له حقّ التأخير، وهو نفس الأول من شهر محرم.
• نتيجة البحث: صفوة القول: وبناءً على القولين في المسألة، إذا أراد شخص أن يجعل يوماً من السنة مبدأ لسنته الخمسية حتّى لا يعطي في السنة خمساً، فلا يحق له التقديم أو التأخير عن بدء التكسب أو أول ظهور الفائدة. وليس هناك قول ثالث يستطيع ويتمكّن الشخص فيه أن يعيّن وقتاً آخر كعنوان لمبدأ السنة، نعم يستطيع في كلّ يوم من أيام السنة أن يؤدّي خمس فائدة ذلك اليوم، وفي هذه الحالة يستطيع أن يؤدّي المبلغ بنيّة الوجوب. قيل: وكيف يؤدّي بنيّة الوجوب قبل حلول مبدأ السنة؟ قال سماحته: لأنّه في أيّ وقت حينما يحصل الإنسان على الفائدة ففي نفس اللحظة يتعلّق الخمس بها، كما ورد في الرواية الصحيحة، فقد سئل الإمام صلوات الله عليه حول الغنيمة المذكورة في الآية الشريفة: (واعلموا إنّما غنمتم من شيء)، فأجاب الإمام صلوات الله عليه: (هي والله الإفادة يوماً بيوم)، ولكن من جهة وجود (الخمس بعد المؤونة) فإنّه يستطيع التأخير حتّى مبدأ سنته الخمسية، وإذا لم تنفق في المؤونة، فيعطي خمسها، وإلاّ فإنّ الخمس ساقط. وإذا لم يكن لدينا الدليل العام للخمس ودليل استثناء المؤونة كنّا نقول: كلّ يوم يحصل فيه على الفائدة فيجب أن يؤدّي خمسها في نفس ذلك اليوم. والخمس كصلاة الظهر والعصر واجب موسّع، ففي بداية الزوال تجب صلاتي الظهر والعصر، فإذا أدّى الشخص صلاته في أول الوقت فإنّه يصلّيها بنيّة الوجوب، وهي صحيحة، ولكن يحقّ له التأخير أيضاً حتّى الغروب أو المغرب، وقد ذكرت هذه المسألة في العروة وهي إجماعية.
• المسامحة والتنازل عن الخمس: ثمّ تحدّث سماحة المرجع الشيرازي دام ظله عن أهمية أداء الخمس وقال: لذلك لا يجب التنازل عن الحقّ الشرعي من دون سبب، فبعض الأشخاص يصرّون على الفقيه أن يسامح ويتنازل عن الخمس من دون أن يكونوا بحاجة له، أو أنّهم يضعون الفقيه تحت شروط لكي يكون مجبراً بالتخلّي عن بعض الخمس، وهذا عمل غير صحيح. ينقل المرحوم الكليني رحمه الله في الكافي عن الإمام الجواد صلوات الله عليه رواية، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه ابراهيم بن هاشم، وهي رواية صحيحة، أو على بعض المباني رواية حسنة، والخلاصة أنها رواية معتمدة ومعتبرة. وكان ابراهيم بن هاشم في مجلس بحضور الإمام الجواد صلوات الله عليه وجماعة أيضاً، فيأتي شخص ويسأل الإمام صلوات الله عليه: (اجعلني في عشرة آلاف في حل) إمّا عشرة آلاف درهم أو ديناراً. فقال الإمام صلوات الله عليه: أنت في حل. وبعد برهة وحينما غادر ذلك الشخص، قال الإمام صلوات الله عليه بكل حزن (كما تبدو من ظاهر الرواية): (إنّ أحدهم يثب على أموال آل محمّد وأيتامهم ومساكينهم وفقرائهم وأبناء سبيلهم فيأخذها، ثمّ يأتي ويقول: اجعلني في حلّ، أتراه ظنّ انّي أقول لا أفعل، والله ليسألنّهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالاً حثيثاً). أي: ليس كما يظن حينما قال الإمام صلوات الله عليه في كلمة واحدة: أنت في حلّ، سيكون ذلك الشخص بريء الذمّة.
• عشرون ديناراً من الخمس: وهنا نقل سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: قصة عن المرحوم والده الميرزا مهدي الشيرازي رضوان الله تعالى عليه، وقال: لقد كنت حاضراً عندما جاء شخص إلى والدي وبيده عشرون ديناراً من الخمس (وفي تلك الأيام كان ثمن خروف واحد يبلغ ديناراً ونصف)، وأراد من الوالد أن يسامحه بعشرة دنانير، فقال له المرحوم الوالد: هل أنت بحاجة إلى هذا المال؟ هل لديك دين تريد أن تؤدّيه؟ قال: كلا. والخلاصة مع عدّة أسئلة وأجوبة علم بأنّه لا مشكلة مالية لديه وهو غير محتاج إلى ذلك المال، ولكنّه قلبه يريد أن يحتفظ بالعشرين. فقال المرحوم الوالد: حسناً، ادفع العشرة دنانير، وأنا يوم القيامة أجيب عن العشرة دنانير فقط، فقال: لا أريد أن تأخذ عشرة دنانير ولكن قم بالإجابة عن العشرين ديناراً حتّى يسقط ذلك عن كاهلي. فقال المرحوم الوالد: أنا لا أستطيع أن أفعل ذلك. وفي زمانه، كان هناك فقيه آخر وكان من عادته المصالحة فيسامح ويتنازل، فقال هذا الشخص للمرحوم الوالد: إنّ العالم الفلاني عادة يسامح ويتنازل فلما لا تتسامحون؟ وكأنّ مقصوده من هذا الكلام هو: هل أذنبنا حتّى قلّدناكم، فأجابه المرحوم الوالد من دون أن يذمّ ويقدح ذلك العالم بكلّ هدوء: أنا لا أعرف هذا العمل. صفوة القول: قال: في بعض الأحيان يقول الفقيه مجبراً، تنازلت وسامحت، لأنّه يرى في غير هذه الحالة لن يعطي ذلك المقدار الناقص أيضاً، ومن جانب آخر فإنّ الفقيه من أجل إدارة الأمور الدينية بحاجة إلى ذلك المال، لذلك فهو في الظاهر يقول: سامحت ولكنّه في الواقع لم يسامح، ولن يسقط عن كاهل ذلك الشخص أيضاً.
• نموذج لأجل توضيح الموضوع: وقد ذكر سماحته دام ظله لأجل تقريب المعنى إلى الذهن مثالاً: إذا كان شخص قيّماً على الأيتام، وكان هناك شخص مديوناً لوالد هؤلاء الأيتام بمئة مليون، ولكن لا توجد هناك وثيقة تثبت هذا الدين، ولكن المديون بنفسه يقول للقيّم: إذا تتنازلت عن الخمسين مليون فإنّي سأدفع الخمسين الباقية وإلاّ لن أدفع شيئاً، وهذا القيّم يرى أنّ أمور هؤلاء الأيتام معطّلة، وهم بحاجة إلى الثياب والطعام والدواء وغيرها من المستلزمات الحياتية، وعلى القيّم أن يتعامل مع مصلحتهم ومنفعتهم، لذلك فهو مجبر على القول: سامحت وتنازلت. هنا هل يجوز للقيّم أن يقول: سامحت؟ الجواب: نعم يجوز ذلك، ولكن ذلك الشخص المديون لابدّ أن يردّ ويجيب يوم القيامة.
• الحكم الوضعي لتعلّق الخمس: سأل أحد الفضلاء: هل تعلّق الخمس بنحو التكليف أم له الحكم الوضعي؟ أي إذا حصل طفل على شيء من الأموال فهل يتعلّق الخمس به. قال سماحته: في الخمس ليس التكليف شرط، فإذا منح الله سبحانه لشخص ولداً وجاء الأقرباء له بالهدايا، فمن الطبيعي أن الولد لا تكليف له، كدليل وجوب الصلاة والصيام والحجّ الذي لا يشمله، ولكن لتعلّق الخمس حكم وضعي. وقد ورد في الرواية أنّ الإمام صلوات الله عليه قال: (فيه الخمس)، لأنّ الخمس يتعلّق بالمال، وفي هذه الحالة فإنّ على ولي الطفل أن يخرج خمس ماله. كذلك المجنون، فعلى وليّه أو القيّم عليه أن يؤدّي خمس ماله، وإذا لم يؤدّي القيّم أو الولي فسيصل الدور إلى الحاكم الشرعي. وقد طرحت المسألة في العروة في الفصل الأول من المسألة 84 أصل الموضوع، ولصاحب العروة نفسه احتياط وجوبي بالنسبة إلى خمس الأرباح لمكاسب الطفل، وأمّا بعضهم فقد غيّر الاحتياط الوجوبي عند صاحب العروة بالأقوى وأفتوا على طبق ذلك، نعم هناك القلّة من الفقهاء (واحد أو اثنين) قالوا بأن لا خمس في مال الطفل. يقول صاحب العروة: الظاهر عدم اشتراط التكليف والحرية في الكنز والغوص والحلال المختلط بالحرام والأرض التي يشتريها الذمّي من المسلم فيتعلّق به الخمس، ويجب على الولي والسيّد إخراجه، وفي تعلَّقه بأرباح مكاسب الطفل إشكال والأحوط إخراجه بعد بلوغه. وإذا لم يعلم أحد بهذه المسألة، ولم يؤدّي الخمس فإذا كان قاصراً فهو معذور وعليه أن يؤدّي الخمس الآن، وإذا كان مقصّراً فهو غير معذور، والقاصر ذنبه على كاهل الذي كان من واجبه توضيح هذه المسألة وبيانها ولكنه لم يفعل. وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|
||
|
|