التقرير الكامل للجلسة العلمية الرمضانية السادسة لسماحة المرجع الشيرازي 1439هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.

( حديث في بعض روايات الخمس)

في بداية الجلسة تفضّل المرجع الديني سماحة آية الله العظمي السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظلّه ـ وبطلب من بعض السادة الحضورـ بقراءة نصّ روايتين من كتاب وسائل الشيعة حول أهمية الخمس التي تمّت الإشارة لها في الجلسة السابقة. 

هاتان الروايتان موجودتان في المجلّد السادس من كتاب الوسائل ، كتاب الخمس . 

1: الرواية الأولى وردت في صفحة 380 / الحديث 5 حيث نقل الرواية صاحب الوسائل بمصادر عديدة: 

من الكليني في الكافي ومن الصدوق في الفقيه ومن الشيخ في التهذيب، كما نقلها مُرسلة من الشيخ المفيد في المقنعة، حيث ينقل محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) بالقول: (إنّ أشدّ ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا ربّ خمسي). 

مع أن هذه الأشدّية نسبية حسب قول بعضهم، إلاّ أن التعبير بلفظة (أشدّ) وعلى لسان المعصوم عليه السلام ـ الذي تُعدّ كل كلمة من كلماته دقيقة ومحسوبة ـ هذا يحتاج إلى تأمّل ودقّة. فالمقصود من صاحب الخمس إما أن يكون رسول الله صلي الله عليه وآله أو عترته الطاهرة عليهم السلام.

لذا فإنّ المسألة التي يجب أن نتأمّل فيها هي: ما هو الشيء الذي يجعل هذا الواجب موصوفاً بعبارة أشدّ. 

القاعدة هنا، هي أن الله تعالى أمر بالبحث والتدقيق لمعرفة من يُعطي الخمس ومن لا يُعطيه، ولماذا لم يعطي الخمس في الحالة الثانية؟ فهل كان الشخص جاهلاً أم لا؟ فإذا كان جاهلاً، هل هو قاصر لأنه لم يصل إليه التبليغ أو أنه مقصّر في ذلك؟ ثم إنّ من كانت عليه مسؤولية التبليغ والبيان هل عمل بمسؤوليته أم أنّه لم يعمل بذلك؟ 

على أية حال، فإنّ الموقف في غاية الصعوبة ويظهر ذلك من وصف الإمام الباقر أو الإمام الصادق عليهما السلام لهذا المعني بعبارة: (أشدّ ما فيه الناس).

2: وأمّا الرواية الثانية وردت في المجلّد 6 ص 375 حديث 2:

حيث (كتب رجلٌ من تجّار فارس من موالي ابن الحسن الرضا عليه السلام يسأله الإذن في الخمس). ويبدو من ظاهر العبارة أنّ الإمام عليه السلام أراد أن يهِب الخمس. فالأئمة عليهم السلام معروفون بالبذل والكرم، ولطالما وهبوا أموالاً كثيرة وكانوا يستقرضونها لسدّ حاجة الآخرين، حتي أن بعض الأئمة ـ وكما يُنقل عنهم ـ أنهم فارقوا الحياة وهم مديونون . ولكن هنا في هذا المورد لم يُفعل بذلك. فماهو السبب وماهي العلّة؟ 

(فكتب عليه السلام إليه): وهنا محلّ الشاهد: (فلا تزووه عنّا ولا تَحرموا أنفسكم دُعاءنا). معنى ذلك أن لا تمنعوا الخمس عنّا، ولا تُحرموا أنفسكم من دعائنا لكم. وبعبارة أوضح: لا تمنعوا الخمس لكي لاتُحرموا من دعائنا.

هذا ومن ناحية أخري، إذا أعطى الإنسان الخمس، سوف ينال دعاء الإمام وهذا أمر له قيمة كبيرة.

(تكرّر عبارة الزكاة في القرآن)

قال أحد الحاضرين: هناك واجبات أخري غير الخمس تكرّرت و ذُكرت أكثر من مرة في القرآن المجيد، منها الزكاة.

قال سماحته دام ظله: إن مجرّد تكرّر موضوع معيّن في القرآن المجيد أو الروايات الشريفة ليس دليلاً علي تقدّمها على باقي المواضيع التي تكرّرت قليلاً. فالصبر على سبيل المثال وردت فيه آيات وروايات كثيرة، مع أن أصل الصبر مستحب وليس واجباً. 

نعم .. هناك حالات يكون الصبر فيها واجباً. 

أما قولك: الزكاة تكرّرت في القرآن، فإنّ الفقهاء قالوا إنّ الزكاة أعمّ من الخمس، لأن الخمس هو أحد أقسام الزكاة وقد ورد في الرواية أن الله تعالى وإكراماً لرسول الله صلي الله عليه وآله أمر باخذ الخمس لذريّته بدلاً من الزكاة، وبناء على ذلك فإنّ آيات الزكاة تشمل الخمس أيضاً.

قال أحد الفضلاء الحاضرين في الجلسة: لعلّ وجه التشديد المذكور في موضوع الخمس، يفيد أن عدم إعطاء الخمس هو ظلم وإجحاف لذريّة النبي، ومن ناحية أخري فقد ورد في بعض الروايات أن من يعطي الصّلة للإمام يعادل عمله هذا ألف ألف.

(بيع الشيك المصرفي بمبلغ أقل)

سأل أحدهم: ما هو حكم بيع الشيك المصرفي بأقلّ من ثمنه؟ 

أجاب سماحته: إذا قام شخص بإعطاء مبلغ ألف دينار بعنوان السلفة ثم شرط في إرجاعه تسديد ألف وعشرة دنانير، فإنّ هذا الفعل ربا وحرام. ومثله بيع شيك بمبلغ ألف دينار لمدّة شهر بقيمة ألف وعشرة دنانير، فهذا أيضاً يُعدّ من الرّبا.

لكنه يوجد دليل خاص على جواز: (بيع الدين بأقلّ منه) ويبدو أن هناك إجماع موجود في ذلك لأننا لم نر ولم نسمع بأحد يخالف ذلك. 

نعم ، يجب أن يُعطى هذا الشيك بصفة دين. بمعنى: 

أن تطلب من شخص مقدار من المال، فيعطيك شيكاً مكانه، ففي هذه الحالة تستطيع بيع الشيك للشخص المستقرض أو إلى أي شخص آخر بثمن أقلّ. أما إذا كان صاحب الشيك قد أصدره من دون دين لأحد، فلا يجوز بيعه بمبلغ أقل.

قال أحدهم: هناك شرط في الرّبا، أن يكون الشيء المتبادل به إما مكيلاً أو موزوناً، في حين أن الشيك ليس بمكيل ولا موزون؟

وقال أيضاً: إن من شروط المبادلة أن يكون بين بضاعة وبضاعة أخرى. والشيك ليس ببضاعة بل هو مال. وهناك فرق في العرف بين المال والبضاعة، لأنه في العرف يُقال: بِعتُ البضاعة، ولا يُقال بعتُ المال. ولذا فإنّه في موضوع المال الذي ليس ببضاعة ينتفي شرط المكيل أو الموزون، فينتفي عليه انطباق مفهوم الرّبا.

قال أحدهم: لماذا إذن يجوز ذلك العمل في موضوع تبديل العملة القديمة الممزّقة بالعملة الجديدة بشروط معيّنة قليلة أو كثيرة.

قال سماحته: هذا الموضوع من المسائل الخلافية، فهل هذا العمل جائز أم لا؟ بعض قالوا بعدم جوازه.

(المغرب أم الغروب)

سأل أحدهم: لماذا يكون الملاك في وقت صلاة المغرب والإفطار، المغرب الشرعي، بينما في حساب منتصف الليل يكون الملاك غروب الشمس؟ 

فقال سماحته: النهار له معنى عرفي وآخر شرعي هو اليوم، ففي العرف يطلق النهار على الفترة الزمنية التي ترتفع فيها الشمس في الأفق، وهناك بعض الفقهاء وهم ثلّة قليلة، ولعلّهم أقل من عشرة بالمئة يعتقدون بأن النهار ليس له مصطلح شرعي خاص، وحسب الظاهر فإنّ بعض الروايات تذكر أن غروب الشمس في وقت صلاة المغرب والإفطار. 

لكن صاحب الجواهر يقول: لدينا روايات متواترة، وغير متواترة، وعليها أيضاً ارتكاز المتشرّعة قد وصفوها بالمشهورة، يقولون فيها: أنّ النهار الشرعي يختلف عن النهار العرفي. فالنهار الشرعي يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى المغرب الشرعي، والمغرب الشرعي هو الوقت الذي عبّرت عنه الروايات بـ: (حتي يذهب كرسيّها)عندما تغرب الشمس تظهر الحمرة في الأفق، ثم تبدأ هذه الحمرة بالارتفاع شيئاً فشيئاً، فعندما تمرّ الحمرة من فوق الرأس نحو المغرب، يكون حينئذ قد حصل المغرب الشرعي، وحان وقت صلاة المغرب والإفطار.

ورد في الرواية أن الإمام الصادق عليه السلام لعن محمد بن أبي مقلاص المكنّي بأبو الخطّاب وقال: (لعن الله أبا الخطاب. قلت له: مُسّوا بالمغرب قليلاً). ان لفظ مُسُّوا من المَساء بمعني أنني قلت له: إصبر قليلاً بعد الغروب ليحلّ المساء، لأن القرآن يقول: (ثم اتمّوا الصيام إلى الليل)، لكنه نقل عنّي أنني قلت: أخّروا صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وهو الوقت الذي تزيد به النجوم في السماء.

خلاصة القول: إنّ النهار لدى الشارع المقدّس لايبدأ من طلوع الشمس، إذا كان ذلك صحيحاً في العرف، بل إنّ أول النهار الشرعي هو الفجر الصادق. والصوم كذلك يبدأ من الفجر الصادق أيضاً. بينما نهاية النهار الشرعي لايبدأ بغروب الشمس بل يبدأ بذهاب الحمرة المشرقية ومرورها من فوق قمّة الرأس نحو المغرب الذي يكون فيه وقت صلاة المغرب والإفطار. 

(الطلاق قبل المقاربة)

سأل أحد الحاضرين: إذا عقد رجل على إمرأة عقداً دائماً، ثم وهبت المرأة مهرها (الغائب) للزوج، فإذا طلّق الزوج المرأة قبل المجامعة (الدخول على الزوجة). فهل يجب علي المرأة إعطاء الزوج نصف مهرها الغائب؟ 

في البداية قام سماحته بالتذكير بمسألة، قال: عندما تهب المرأة غائبها، يكون الرجل مالكاً لهذا الغائب، شريطة أن يتمّ الاستلام. لأن الشرط بالهبة هو الاستلام. وإنّ فرض المسألة يكون اذا كانت المرأة قد استلمت غائبها من قبل، أما اذا لم تكن قد استلمت غائبها، ففي هذه الحالة تُبرأ ذمّة الزوج ولا يكون الاستلام شرطاً، ذلك لأن الغائب كان في يد أو ذمّة الزوج.

من مقتضى إطلاق الآية «وإن طلّقتموهنّ من قبل أن تمسّوهن فنِصف ما فرضتم» لعله يمكن القول: على المرأة أن تمنح نصف غائبها للرجل، فتأمّل.

سأل أحدهم: في هذه المسألة لعلّه لا يجب نصف الغائب على المرأة، ذلك لأن الرجل إذا طلّق المرأة قبل المجامعة، فهذا يكشف عن أن المرأة لم تكن تملك أكثر من نصف الغائب، وبالنسبة لما يرتبط بالنصف الآخر الذي وهبته فهو ملغيٌّ لأنها لم تكن مالكة له، وظاهر الآية هو أن المرأة تملك نصف الغائب بالعقد وتملك النصف الآخر بدخول المال عليها. وقال سماحته أيضاً:

نعم إنّ هذا هو ظاهر الآية، ولكن بمقتضي الروايات أو النص أو الأظهر وتبعاً لهذه الروايات فإنّ الفقهاء قالوا: لعلّه هناك إجماع بصرف العقد الدائم، أن تملك المرأة كل الغائب، وإذا طلّق الزوج من دون الدخول على الزوجة فعليها أن تُعيد نصف الغائب.

لذا فالمشهور بين الفقهاء أنهم قالوا، إذا عقدت إمرأة بغائب معيّن ومات الزوج قبل الدخول عليها، فإنّ للمرأة جميع المهر. ومع أن هناك روايات صحيحة تقول: إذا مات الرجل قبل الدخول فاللمرأة نصف الغائب، لكن المشهور مُعرض عن ذلك ولا يتّفق معه. 

(استعمال مواد التجميل الثابتة وحكم وضوء)

سأل أحد الفضلاء: أحياناً تستعمل النساء مواد تجميلية ثابتة في تجميل وجهها بحيث لا يمكن إزالتها بسرعة. وأن بعضها يبقي لمدّة ستة أشهر وبعضها لمدّة سنة، لهذا ونتيجة لوجود الأثر المانع تعجز المرأة عن أداء الوضوء المألوف وتُجبر على وضوء الجبيرة. فهل هذا العمل جائز؟

أجاب سماحته: إذا كان الأمر يتعلّق بتبدّل الموضوع، بمعني أن يستفاد من ذلك من الأدلّة الشرعية، فلا إشكال فيه. ولكن إذا لم يكن الأمر يتعلّق بتبدّل الموضوع ـ باعتبار أن الجبيرة حكم عذري ولم يكن هناك ضرورة لهذا التجميل، والمرأة غير معذورة، ففي هذه الحالة لايجوز.

قيل: إذا كانت المرأة قد صرفت مبلغاً كبيراً للتجميل، فهل يشمل ذلك حكم (لاضرر)؟

قال سماحته: إنّ (لا ضرر) يجب أن يكون في مورد لا يكون فيه الشخص عادٍ أي متعدّياً، فالقرآن الكريم يقول: (فمن اضطر غير عاد أي غير متعدِ). لذا إذا كان الشخص غير عادٍ فليس فيه حكم الضرر.

قيل: جاء في رواية أن شخص قال للإمام: استعملت الخضاب (الحنّة) في رأسي وأريد أن أتوضّأ، فهل أتمكّن من الوضوء ومسح الرأس مع وجود ذلك الخضاب؟

قال سماحته: لا إشكال في ذلك، مع انّ الخضاب نوع من الزينة وليس فيه ضرر. وأضاف سماحته:

لقد كان الخضاب مألوفاً وكان تقرير المعصوم عليه السلام، عليه، وتقرير المعصوم يعتبر من الأدلّة. ولكن بخصوص سؤالكم لايوجد هنا تقرير للمعصوم. ولكن نعم، إذا كان الفقيه لايري في الخضاب خصوصية فلا إشكال في ذلك وإلاّ إذا حصل له الشكّ، فالأصل الخصوصية في مورد الحكم.

(عاقبة الهروب من خمس)

في ختام الجلسة، روي سماحة المرجع الشيرازي دام ظله قصّة من باب الاعتبار (لقد كان في قصصهم عبرة)، قال: 

ذات يوم جاء رجل بعلبة تّمر للمرحوم الوالد الميرزا مهدي الشيرازي رضوان الله تعالى عليه، وقال له إنّ هذا التمر هو خُمسي، وإذا كنت لا تحتاج إلى التّمر، فأنا أشتريه منك بدينار واحد.

المرحوم الوالد قَبِلَ بذلك، فأعطى الرجل لوالدي ديناراً واحداً ثم رحل.

واقع الحال أنّ هذا الشخص ومن أجل الهروب من الخمس، كان قد وضع ألف دينار في كيس وأخفاه في داخل علبة التّمر، وكان هذا المبلغ يساوي آنذاك ثمن شراء دار أو دارين، فأراد بهذه الحيلة إخفاء خبر الألف دينار عن والدي لأنه لم يطلعه بمقدار المال الموجود في داخل العلبة، بل قال له بصورة إجمالية أريد أن أخمّس هذه العلبة.

أنا في الواقع كنت قد سمعت بهذه القصة، لكننّي قبل فترة رأيت صديق ذلك الشخص المُخمّس، وقال لي: لقد ذهبت آنذاك إلى ذلك الشخص المُخمّس فقلت له إنّ عملك هذا حرام، فأنت في الواقع لم تعطي الخمس، لكن الشخص قال لي: كلا ليس بحرام لأنني قلت للسيد إنّ هذه العلبة خُمسي وقد اشتريتها منه بدينار وقد قَبِلَ بذلك!! وأضاف الصديق:

لقد علِمتُ فيما بعد بأن الشخص المذكور قد اشتري داراً، ثم تزوّج وملك هذه الدار باسم زوجته، لكنه بعد فترة اختلف معها، فطردته من بيتها.

أجل، إن في هذه القصة عبرة، فعلى الإنسان أن لا يتعامل مع أحد بهذه الطريقة، فما بالك إذا كان التعامل مع الله وأهل البيت عليهم السلام). إنّ الله لبالمرصاد.

وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.