|
|
||
|
التقرير الكامل للجلسة العلمية الرمضانية الثالثة لسماحة المرجع الشيرازي 1439هـ
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.
• حجّيّة الجبر الواحد والسيرة العقلائية: سأل أحد الفضلاء من الحاضرين في الجلسة، وقال: إنّ الدليل الأساسي على حجيّة الخبر الواحد قائلاً انّ الدليل الأساسي على حجيّة الخبر الواحد هو سيرة العقلاء ولكن هذه السيرة تصدر في المواقف التي يكون فيها موثقاً ومفيداً للاطمئنان ولا يكفي وثوق المخبر فقط؟ قال سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظلّه: حول الخبر الواحد هناك مسألتان قيد النظر، ففي بعض الأحيان يكون المراد الوصول إلى النتيجة وفهم الواقع، وفي هذه الحالة لابدّ أن يكون الوثوق بالخبر تاماً، ولكن إذا كان في مقام الطاعة والامتثال (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، أي: يريد أن يكون مطيعاً لا عاصياً، وعلى تعبير السادة العلماء في مقام التنجيز والأعذار، فإذا عمل وأخطأ يكون معذوراً، وإذا لم يعمل لجهة عدم الوثوق بالخبر مع تحقق الوثوق بالمخبر ولكن الوثوق كان مخبراً وكان مطابقاً للواقع، كان منجزاً عليه. في مقام التنجيز والأعذار، فإنّ الوثوق المخبر أيضاً كالوثوق الخبري حجّة، وسأذكر مثالاً على ذلك: تاجر يريد السفر، فيقول لعامله الذي يعمل عنده: حينما أكون غائباً عن المحل فأنت اعمل طبقاً لسيرة العقلاء في السوق. بعد ذلك سافر التاجر ورجع فرأى أنّ تجارته قد خسرت وتلاشت وخسر العامل، فسأله: لماذا حدث هذا؟ فقال العامل: لقد قال أهل الخبرة في السوق سوف تنزل أسعار الشاي لذلك يلزم عليك ببيعها، ولكنني لم اطمئنّ بشأن كلامهم. قال التاجر: هل كانوا ثقة أم لا؟ فقال العامل: نعم. ففي هذه الحالة لا يكون هذا العامل معذوراً عند العقلاء. يقول المرحوم الشيخ في (الرسائل): إذا كان الوثوق مخبراً فيكون الخبر حجّة، رغم أنه يصرّح في آخر بحث حجيّة الخبر الواحد أنه لابد أن يكون وثوقاً خبرياً أيضاً وهو غير الوثوق المخبري، ولكن هذا احتياط بما صرّح به الشيخ وإلاّ فهو في الفقه غير ملتزم به.
• فهم الواقع والتنجيز والأعذار: صفوة القول: لنا في باب العقلاء سيرتان اثنتان، وهما: أحدهما سيرة العقلاء الذي يريد درك وفهم الواقع، والأخرى سيرة العقلاء الذي يريد القيام بالواجب والأداء أي نفس التنجيز والأعذار، وهاتان السيرتان منفصلتان عن بعضهما. بالتالي إذا كانت الإمارة حجّة وحتى لو كان الظن على الخلاف أيضاً فلا أثر لهذا الظن، إنّ مقام الطاعة والمعصية مقام التنجيز والأعذار، كما أنّ بناء الفقه والفقهاء أيضاً على هذه الحقيقة، ففي باب الأحكام فإنّ الوثوق المخبري حجّة وكاف. نعم في باب العقائد، يلزم العلم والقطع، ولكن في الأحكام الشرعية التي تحتاج إلى مقام التنجيز والأعذار ومقام الطاعة والمعصية، فإنّ الوثاقة المخبرية كافية، كمثل أن يقول الطبيب الثقة: إذا صمت فسوف تفقد بصرك. فصام ذلك الشخص وأصيبت عيناه، فإنّ مثل هذا الشخص غير معذور.
• تشخيص المكلّف: قيل: إذاً ما معنى الآية المباركة: (بل الإنسان على نفسه بصيرة)؟ قال سماحته: ليس فقط في الصيام بل في كلّ مورد، فإنّ تشخيص الفرد بنفسه ملاك، ولكنّ الحديث ليس في هذا الشأن بل الحديث هنا أنّه إذا لم يشخّص المكلّف وكان شاكّاً فإنّ قول أهل الخبرة الثقة حجّة. ثمّ قال سماحته: إنّ الفقهاء يمثّلون في عشرات بل مئات الموارد بكلمة الموالي والعبيد، كيف يتعامل العبد الفاهم والواعي والمولى الحكيم والعالم؟ وكيف يتعاملان في مقام التنجيز والأعذار؟ علماً أنّ اصطلاح التنجيز والأعذار مما استخدمه المتأخّرون ولم تكن تستعمل عند القدماء.
• التعبد في حجيّة خبر الثقة: قيل: إنّ حجيّة قول الثقة من باب التعبّد، لأنّهم صلوات الله عليهم قالوا: (لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا). تفضل سماحته قائلاً: التعبّد في مقابل وثوق واطمئنان الشخص، أي: انّه لا يثق ولكنه يقبل من جهة الحجّية إنّ تعبداً، لأنّه إذا كان هناك اطمئنان فهو حجّة من باب أن الاطمئنان علم عرفي أو من باب أنّ بناء العقلاء وجريهم في العمل على ذلك. في مكان آخر قالوا: ظرف الإمارات، شكّ، والشكّ أعمّ من الظن، أي: غير العلم، الموضوع في الأصول العملية الشكّ، ولهذا السبب حينما يكون الاطمئنان فليس هناك مكان للتعبّد، لأنّه إذا كان التعبّد بالمثل فإنّه أردأ أنواع اجتماع المثلين، وأمّا إذا كان التعبّد بالضدّ أو النقيض، فهناك اجتماع الضدّين أو النقيضين، والخلاصة إنّ التعبّد في مقابل العلم. من ناحية أخرى فإنّ السيرة نوع من التعبّد ومن مصاديق الحجّة، فإذا كانت السيرة سيرة المتديّنين والمتشرّعة فإنّها تكون حجّة في الأحكام، وأمّا إذا كانت السيرة سيرة العقلاء فهي حجّة في باب الموضوعات.
• العدالة أم الوثاقة؟ قال بعض: نستنتج من الأدلة التعبّدية (الآيات والروايات الشريفة) أنّ العدالة شرط في الموضوعات، ولا تكفي الوثاقة، ومن هؤلاء المرحوم الشيخ الأنصاري حيث له مثل هذا الرأي، وبناءً على هذا الاستنتاج فلن يكن قول الثقة غير العادل حجّة، ولكن من بعد الشيخ، والمتسالم عليه تقريباً بأنّ الوثاقة أيضاً كمثل العدالة لها اعتبار وحجّية، فالعدالة اعتبارها بالدليل الشرعي، والوثاقة اعتبارها من سيرة العقلاء. طبعاً هذا الخلاف في الموضوعات وليس في الأحكام. الآن، إذا عرفت مفهوم العدالة إلى عرف المتديّنين فهي أن العدالة ترك الحرام وأداء الواجب، وعلى سبيل المثال لا يكذب، ولكن الشارع المقدّس إذا أجاز الكذب في مورد ما.. فالمكلّف يستطيع أن يردّ الكذب، كمثل ما وردت في رواية، حيث يُسأل الإمام صلوات الله عليه: يسألني العشار وهو (رجل الجمارك): هل لديك مالاً أم لا؟ فإذا قلت: نعم، فإنّه يأخذ المال والضريبة، وربّما حتّى يقسمني؟ فقال الإمام صلوات الله عليه: اكذب.. أي على رجل الجمارك العشار، فلا مانع. معنى العادل في الشرع هو الذي لا يذنب، أي أنّه حينما لا يكون هناك مسوّغ للكذب فهو لا يكذب، ولكن إذا كان هناك مسوّغ للكذب وكذّب فإنّه لا يتناقض مع العدالة. لكن الناس يعتمدون ويطمئنون لشخص لا يكذب أبداً، وليس الشخص الذي يمكن أن يكذب من أجل مصلحة أهم. الشارع المقدّس قد وسّع، وقال: اقبل بالخبر العادل مطلقاً، فملاكات الشارع لأجل جعل الأحكام ليست في الدنيا فقط بل تشمل الدنيا والآخرة وغير ذلك من المسائل المختلفة التي نحن نجهلها. على سبيل المثال، إذا قال ذو اليد: هذا الشيء المتنجّس قمت بتطهيره أو قال انّه لم يطهره؟ ففي حالة حصول الاطمئنان فليس هناك مجال للبحث، ولكن إذا لم يطمئن ومن جهة عدم الاطمئنان لا يعتني أو يهتم فإنّه غير معذور لا عند الشارع المقدّس ولا عند العقلاء.
• العلم الإجمالي والشبهة غير المحصورة: سأل أحد الحاضرين من الفضلاء: لقد ثبت في الأصول كما في الفقه أيضاً بناءً على أنّ العلم الإجمالي في أطراف الشبهة غير المحصورة منجّز. ولكن مسألة صاحب العروة الذي قال: إذا علم أنّ إحدى الكاسات من هذه المائة كأس ماء مضاف، فقال بعض الشرّاح: إنّ العلم الإجمالي منجّز ولابدّ أن يتوضّأ من الكأسين معاً حتّى يتيقّن أنّه توضأ بالماء المطلق، فما رأي سماحتكم؟ أجاب سماحته: في الشبهة غير المحصورة (الملاك غير المحصورة بحث في مكانه) فإنّ العقلاء لا يلزمون الاحتياط، ولا يعدّون العلم الإجمالي منجزاً للواقع المحتمل، نعم هناك خلاف بين العلماء أنّه في الشبهة غير المحصورة هل للمكلّف أن يرتكب جميع الأطراف بالتدريج، فصرّحت جماعة بالجواز، أو ليس له ان يرتكب جميع الأطراف.
• قاعدة الاشتغال اليقيني: وسأل آخر: فأين إذن موقع القاعدة العقلية: (الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية)؟ أي: أنّ الشخص الذي يتيقّن أنّه مكلّف بالصلاة مع بالوضوء مع الماء المطلق، ولكن لا يحصل إحراز براءة الذمّة إلاّ إذا توضّأ بوضوئين اثنين مع وعائين اثنين، والسؤال هو أليس الوضوء مرّتين حرجيا عليه؟ قال سماحته: لقد صرّح السادة العلماء أنّ موضوع هذه القاعدة العقلية هي الشبهة المحصورة وليست الشبهة غير المحصورة، وفي الأساس فإنّ حكم العقل بلزوم البراءة اليقينية هو في مورد تكون فيه الشبهة مقرونة بالعلم الإجمالي، شبهة محصورة، ولكن إذا كانت الشبهة غير محصورة فإنّ العقل لا يحكم بلزوم إحراز البراءة. وماذكره بعض الشرّاح على العروة نادر، ومن الممكن أن تجد بين عشرات الحواشي واحدة فقط، وإلاّ فإنّ قاعدة (الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية) تأتي في الشبهة البدوية أيضاً، لأنّ الماء المشتبه بالطهارة والنجاسة غير محرز للطهارة.
• أصل الطهارة: قيل: في الشبهة البدوية، أصل الطهارة هو: الماء طاهر. قال سماحته: أصل الطهارة لا يقول: الماء المشتبه طاهر، أي أنّه لا يعيّن الطهارة، بل يقول: الاجتناب عن النجس ليس واجباً على المكلّف. قيل: في الشبهة البدوية أصل التكليف غير معلوم. فقال سماحته: وهنا أيضاً التكليف غير معلوم، لأنّ الدليل منذ البداية ضيّق كضيق فم الركية. قيل: في مسألة ما نحن فيها، الشكّ في المحصّل لذلك يلزم الاحتياط. قال سماحته: في الشبهة البدوية أيضاً الشكّ في المحصّل، لأنّ الشبهة البدوية لها جامع مشترك مع الشبهة غير المحصورة. قيل: أي تقولون أنّ هذه القاعدة العقلية في الشبهة غير المحصورة تخصّصت مع أنّنا نعلم بأن حكم العقل غير قابل للتخصيص. قال سماحته: كلا، لا نقول أنّها تخصّصت بل نقول ان موضوع هذه القاعدة العقلية من أول الأمر أطراف الشبهة المحصورة. الخلاصة فإنّ في الشبهة غير المحصورة تسالماً بأنّ العلم الإجمالي غير منجّز، فلا يشمله الدليل الشرعي، ولا تعدّه سيرة العقلاء منجزاً. قيل: حكم العقل موجود في كليهما، الشبهة المحصورة وغير المحصورة، ولكن العسر والحرج فارق بين المحصورة وغيرها. قال سماحته: العسر والحرج رافع للتكليف، أي لابدّ من وجود التكليف حتّى يرفع ولكن في موارد الشبهة غير المحصورة ليست هناك تكليف أبداً، علماً أنّ في الشبهة غير المحصورة هناك ستة عشر قولاً، وقد ذكرتها في بعض كتبي.
• مثال آخر للشبهة غير المحصورة: وفي استمرارية البحث ذكر أحد الحاضرين مثالاً آخر للشبهة غير المحصورة، وسأل: إذا علم شخص أنّه مديون لواحد من الألف الموجود بينهم بمائة دينار، فماذا تقولون هنا؟ أجاب سمحاته: غير ملزم بالنسبة للأموال لجهة قاعدة (لا ضرر)،ولا يجب عليه أن يعطي لكلّ واحد منهم مائة دينار، حتّى إذا كانت أطراف الشبهة المحصورة، لأنّ هذا الشخص مديون بمئة دينار فقط، وإذا قال الشارع المقدّس: اعط أكثر من مائة دينار، فهذا ضرر. هنا قال بعضهم: قاعدة القرعة جارية، وقال بعض كصاحب الجواهر والراحل الأخ بقاعدة العدل والإنصاف. والخلاصة: لا ضرر ولا حرج يرفعان الحكم القطعي، فكيف إذا وصلت النوبة إلى الحكم الاحتمالي.
• لا ضرر ولا حرج: قال أحد الفضلاء: يقول المرحوم الآخوند في الكفاية: إذا كان الضرر والحرج منشأ للحكم الشرعي، فهو مما يشمله، وأمّا إذا كان حكماً عقلياً، فلا. قال سماحته: في هذه المسألة الحقّ مع المرحوم الشيخ الأنصاري، لماذا يحكم العقل بالإلزام؟ لجهة حكم الشرع، وإلاّ إذا لم يكن للشرع حكماً لا يكون هناك حكماً للعقل ولا نكون ملزمين بشيء.
• الفرق بين الأموال وماء الوضوء: قيل: في الأموال لجهة الضرر، فإنّ قاعدة لا ضرر تشمل وجوب أداء المال لأكثر من شخص واحد، وبعبارة أخرى هناك لا ضرر هو الحاكم، وأمّا في مثال شبهة الماء المطلق في مئة كأس فإنّ المكلّف إذا توضّأ بكأسين فليس فيه ضرر ولا حرج، وليس هناك دليل حاكم أيضاً. قال سماحته: إنّ دليل وجوب إحراز الامتثال من باب المقدّمة العلمية في ما نحن فيه ساقط، لأنّه منذ البداية حكم العقل بوجوب إحراز البراءة في أطراف الشبهة المحصورة وليس في غيرها من موارد غير المحصورة. قيل: إذا قلنا للعرف: مثل هذا الشخص إذا توضّأ مرّتين لا حرج عليه، فيقول: عليه أن يتوضّأ مرّتين. أجاب سماحته: بالنسبة إلى الشبهة البدوية أيضاً يقول العرف ذلك. وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|
||
|
|