سماحة المرجع الشيرازي بكلمته بزعماء العشائر والقبائل العراقية:

على العراقيين بوحدة الكلمة ورصّ الصفوف كي لا تتكرّر الفاجعة بعد ثورة العشرين

ألقى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، كلمة قيّمة مهمّة، بجمع من زعماء العشائر، وشيوخ القبائل العراقية الغيورة، الذين وفدوا على بيت سماحته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، لتجديد الولاء والبيعة للمرجعية الشيعية الدينية الرشيدة، في يوم الجمعة الثالث من شهر شعبان المعظّم1439للهجرة (20/4/2018م)، إليكم نصّها الكامل:

ابتداء، أبارك لسيّدنا ومولانا بقيّة الله المهديّ الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف، الأعياد الشعبانية العظيمة، خصوصاً ذكرى ميلاد مولانا الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وذكرى ميلاده هو صلوات الله عليه وعجّل الله في فرجه الشريف بالنصف من شعبان، وأسأل الله عزّ وجلّ أن يعجّل في ظهوره ليعمّ الدنيا كلّها العدل والاطمئنان والأمن بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

كما أشكر الإخوة شيوخ العشائر العراقية المؤمنة الموفّقة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أمورهم للدنيا والآخرة.
كذلك أهنّئ جميع المؤمنين والمؤمنات في كل مكان بهذه الذكريات العظيمة 

إنّ للامام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، كلمة في نهج البلاغة، يمدح فيها أهل العراق، ومضمون تلك الكلمة أنّ أهل العراق حريصون على الآخرة، وهذه جملة واحدة أكبر من الدنيا بما فيها، ويعني الإمام صلوات الله عليه أنّ العراقيين ليسوا أهل الدنيا ولا يبيعون آخرتهم للدينا، يضحّون من أجل الآخرة بكل غال ونفيس. والتاريخ بين فترة وأخرى أثبت ذلك، فثورة العشرين قبل قرن تقريباً أعطت الألوف من الضحايا من المؤمنين نتيجة استقامتهم ونهضتهم وثورتهم ضدّ ظلم الاستعمار البريطاني آنذاك الذي كان أكبر قوّة على وجه الأرض لأنه كان يجرّ معه ألف مليون من الشعب الصيني والشعب الهندي، حيث كانت نسمة الهند أربعمائة مليون وكانت مستعمرة لبريطانيا، والصين ذلك اليوم نسمتها كانت ستتمائة مليون وكانت مستعمرة لبريطانيا، وكانت بريطانيا تسمّي نفسها بريطانيا العظمى، فجاءت مستعمرة إلى العراق بالقوّة والسلاح. وكتب حينها المبعوث البريطاني الميجر بولي رسالة إلى المرجع الديني الكبير الشيخ محمد تقي الشيرازي قدّس سرّه الشريف، كتب فيها: إنّنا قادمون لاعتقال مجموعة من الأشرار. وهذه الكلمة (الأشرار) أطلقها على العراقيين الشرفاء، العراقيين الكبار. وردّ عليه المرحوم الشيخ محمد تقي الشيرازي وكما كتب التاريخ، برسالة كانت صاعقة على بريطانيا ولا تزال صاعقة، كتب إليه أنّه إلى الآن أنا كنت أوصي الشعب العراقي بأن يقابلكم بالسلم لا بالسلاح، وإذا كان الأمر هكذا فإنّني أبدّل كلمة السلم إلى الدفاع بالسلاح. وهبّ الشعب العراقي بقيادة الشيخ محمد تقي الشيرازي وبوقوف القبائل العراقية المؤمنة والعشائر العراقية المؤمنة، صفّاً واحداً خلف المرجعية الدينية الواعية والمجاهدة، والاستعمار البريطاني الذي كان أكبر قوّة ذلك اليوم، اندحر في مقابل أقلّ من خمسة ملايين، حيث كان الشعب العراقي ذلك اليوم وحسب الإحصاء المذكور أقلّ من خمسة ملايين. وتلقّتها بريطانيا صفعة لعلّها نادرة في تاريخ بريطانيا، فخمسة ملايين وقفوا أمام ألف مليون، أي مليار، ولعلّه أكثر من ألف مليون. 

وقبل ذلك تلقّت بريطانيا صفعة من الإمام المجدّد الشيرازي في إيران في قصّة التبغ، سنة ألف وثلاثمة ونيف للهجرة النبوية صلى الله على رسول الله وآله الطاهرين. فبريطانيا ذلك اليوم هبّت بخبرائها وبمهندسيها وبسياسيها، ودخلت إيران، كما ذكر التاريخ، بجيش من الخبراء، وكانوا أربعمئة ألف شخص، وكانت نسمة إيران ذلك الزمان كلّها عشرة ملايين أو أقلّ. وهؤلاء الخبراء جاؤوا وخلال أكثر من سنة انتشروا في مدن إيران الإسلام وقراها وبنوا الأبنية والصروح من طهران إلى تبريز وشيراز وأصفهان وحتى في القرى باسم تجارة التبغ كما في القصة المعروفة. وتصدّى لبريطانيا الإمام المجدّد الشيرازي قدّس سرّه الشريف، وكان حينها في سامراء، تصدّى بفتواه العظيمة التي كتب فيها: هذا اليوم الاستفادة من التبغ بكل أنواعه حرام، واليوم استعمال التبغ هو بمثابة محاربة مولانا الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف وصلوات الله عليه. وهبّ الشعب الإيراني المسلم في ذلك اليوم خلف المرجعية الدينية الرشيدة الواعية، وكانت النتيجة انّ بريطانيا أخرجت كل خبرائها في فترة قصيرة من إيران.

بلى، صفعتان كبيرتان تلقّتهما بريطانيا في إيران وفي العراق من المرجعية الدينية الرشيدة والواعية. 

العراق اليوم هو عراق الأمس، والشعب العراقي اليوم هو الشعب العراقي بالأمس، والشعب العراقي اليوم هو ذريّة وأولاد ونسل اولئك العراقيين الأبطال. والمشكلة المهمّة هنا وفي هذا اليوم، وهي بحاجة إلى انتباه من الجميع، هي أن لا تتكرّر الفاجعة التي أعقبت ثورة العشرين بعد انتصار الشعب العراقي المظلوم والصابر والصامد في ثورة العشرين. فبعد إعطاء الألوف من الضحايا من المؤمنين وانتصار الثورة جاءت وفاة المرحوم الشيخ محمد تقي الشيرازي مفجّر الثورة وقائدها في ظروف غامضة كما هو مذكور في التاريخ، وبعد ذلك لعب الاستعمار البريطاني دوراً مخفيّاً، وصار نتيجة ذلك الدور أنّه جاؤوا من خارج العراق بحاكم على العراق، وذلك الحاكم بعد فترة قصيرة تصدّى لتسفير مراجع الدين من النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة كما هو مذكور في التاريخ، وانحرفت الثورة عن مسيرها ومع شديد الأسف. 

أنا أوصي الجميع بقراءة ذلك التاريخ، وخصوصاً الشباب في العراق، والشباب المؤمن في كل العالم، وأنّه كيف انحرفت الثورة عن مسيرها؟ ولماذا؟ وماهي الخطوط المخفيّة التي لاتزال بعضها مخفيّة أيضاً. وهذا بحاجة إلى أن ينبّش المفكّرون التاريخ، حتى لا يتكرّر في هذا اليوم.

العراق اليوم هو عراق حرّ، وكل شخص في العراق اليوم له كلمته ويستطيع أن يبرز دوره ولكن المسألة المهمّة جدّاً انّ هذه الحرية التي جاءت نتيجة عشرات الألوف من الضحايا ومئات الألوف من المضطهدين والسجناء خلال القرن الماضي، هذه الحرية يجب أن لا يستفاد منها بضرر العراق وبضرر الشعب العراقي وبضرر دين العراق، وبضرر المؤمنين في العراق وخارج العراق.

العراق هو عراق أمير المؤمنين وعراق الحسين وعراق الجوادين وعراق العسكريين وعراق مولانا بقيّة الله عجل الله تعالى فرجه الشريف وعراق أبي الفضل العباس وعراق مسلم بن عقيل وعراق سبع الدجيل وعراق أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين. هذا العراق، بحاجة الى أمرين حتى لا تتكرّر الفاجعة المؤلمة التي تلت الانتصار في ثورة العشرين، وهما: 


 

الأمر الأول: توحيد الكلمة ورصّ الصفوف، بكل قيمة وبكل ثمن. فعلى العشائر العراقية الغيورة أن يوحّدوا صفوفهم، والقبائل العراقية الغيورة يوحّدوا صفوفهم، والمثقّفون في العراق يوحّدوا صفوفهم، والشعب العراقي ككلّ يوحّدوا صفوفهم، والشباب العراقي في الجامعات وفي المدارس وفي العشائر وفي الوظائف وفي الأسواق يوحّدوا صفوفهم. وهذه مسألة مهمة جداً، أي توحيد الكلمة ورصّ الصفوف، رغم كل السلبيات، ورغم كل السلبيات. فعلى العراقيين أن يجسّدوا المدح العظيم من أمير المؤمنين صلوات الله عليه للشعب العراقي، يجسدوه مرّة أخرى في هذا الزمان.

الأمر الثاني: الشباب، والشباب. فهم صنّاع مستقبل العراق، وعبر العراق هم صنّاع مستقبل المنطقة، وعبر المنطقة هم صنّاع مستقبل العالم. فالملايين من الشباب الموجودين في العراق إذا تربّوا على تربية أهل البيت صلوات الله عليهم، هؤلاء الشباب الذين أظهروا شخصيتهم في الصفّ خلف الإمام الحسين صلوات الله عليه في الزيارات المليونية، وضحّوا بأموالهم وبطاقاتهم، وضحّوا بشخصيتهم في الزيارات المليونية للإمام الحسين وللإمام أمير المؤمنين وللإمام الكاظم والإمام الجواد وللإمامين العسكريين صلوات الله عليهم، هؤلاء بحاجة إلى احتواء، وبحاجة إلى لملمة في إطار أهل البيت صلوات الله عليهم، بلا زيادة ولا نقيصة. فأهل البيت صلوات الله عليهم، المتقدّم عنهم مارق، والمتأخّر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق. 

إذن، اجتهدوا من أجل لملمة الشباب، واجتهدوا من أجل جمع الشباب، ومن أجل توجيه الشباب، وليس شبابكم فقط أو شباب العائلة أو العشيرة أو القبيلة، بل كل الشباب. فالشباب المؤمنين في العراق هم شبابكم وأولادكم، وخصوصاً العشائر الغيورة التي أظهرت في ثورة العشرين وقبلها وبعدها خلال الأيام السوداء التي مرّت بالعراق ومع شديد الأسف، هؤلاء العشائر الغيورة أبدوا بسالتهم، وأبدوا خدمتهم لأهل البيت صلوات الله عليهم، وأبدوا صمودهم، هؤلاء ولمرّة أخرى ليبدوا ذلك كلّه من أجل لملمة الشباب. وهذا هو الضمان لمستقبل العراق، مستقبل آمن في إطار أهل البيت عليهم السلام.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفّق الجميع لذلك، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

تقرير: علاء الكاظمي