تواصل أبحاث تفسير سورة طه المبارك في مكتب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

واصل سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد مهدي الشيرازي إلقاء بحوثه التفسيرية في الآيات المباركة لسورة طه والتي استهلها منذ الليلة الأولى من شهر الله العظيم شهر رمضان المبارك لهذا العام 1438 هجرية في مكتب سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في كربلاء المقدسة، بحضور جمع من المؤمنين والفضلاء وطلبة العلوم الدينية، وأساتذة الحوزة العلمية.

ومن الأبحاث الملقاة ما تمحور حول الآية الرابعة من سورة طه وهي قوله تعالى: (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏) حيث بيّن سماحته: أنَّ رحمن على وزن حران صيغة مبالغة تدل على الكثرة، فالرحمان كثير الرحمة الذي ينشرها مع استحقاق وبلا استحقاق على البر والفاجر فتمتد أينما امتد الناس لا تعيقها صنفية ولا تحصرها شروط، هذه الصفة تعبر عن رحمة الله في الدنيا التي وسعت كل الناس رغم مواقفهم المختلفة من الله سبحانه.

وقد أوتي بكلمة الرحمن هنا للالماع إلى أن الذي يدير الكون ويستولي على العرش ويسير الخلق من  اتصف بصفة الرحمة فالمستولي على العرش وإن كان عالماً قديراً مدبراً مريداً مالكاً لكن كيفية إدارة الكون نابعة عن رحمته فيحكم من منطلق الرحمة.

 

نكتة قيادية:

وربما يستفاد من هذه الآية أن صفة الرحمة لا بد وأن تغلب على كل من يستولي على الحكم فالأداة الرئيسية التي يمكن ان يسير الرئيس بشعبه بأفضل وجه هو الرحمة ولذا يقول الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر حينما ولاه مصر

«وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك».

وربما يستظهر أنه لا فرق في من يستولي ويتربع على كرسي الحكم بين ان يكون حاكما على شعب كبير كرئيس الوزراء او محافظا على مدينة او زوجا يملك دارا وزوجة وأطفالاً بيده أمرهم لا يتعامل معهم معاملة إلا نابعة عن الرحمة. 

  وفي دعاء كميل نقرأ: «فَإِنْ عَفَوْتَ يارَبِّ فَطالَما عَفَوْتَ عَنْ المُذْنِبِينَ قّبْلِي لاَنَّ كَرَمِكَ أَيْ رَبِّ يَجِلُّ عَنْ مُكافاةِ المُقَصِّرِينَ، وَأَنا عائِذٌ بِفَضْلِكَ هارِبٌ مِنْكَ إِلَيْكَ مُتَنَجِّزٌ ما وَعَدْتَ مِنَ الصَّفْحِ عَمَّنْ أَحْسَنَ بِكَ ظَنّاً».

  وفي مناجاة الامام عليه السلام: «وَأنْتَ الَّذي عَفْوُهُ أعْلى مِنْ عِقابِهِ؛ وَأنْتَ الَّذي تَسْعى رَحْمَتُهُ أمامَ غَضَبِهِ».

 وهكذا النبي صلى الله عليه وآله منبع الرحمة بل هو إمام الرحمة، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، وقد روي في البحار أنه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) قال عن نفسه: «إن رحمة ربكم وسعت كل شيء وأنا تلك الرحمة». وفي زيارة آل ياسين نخاطب الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف): السلام عليك أيها الرحمة الواسعة.

أمّا كلمة: (اسْتَوَى‏)، فلها معان عديدة، منها:

1ـ الاستقرار على الشيء كقوله تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). سورة المؤمنون: الآية 28.

2 ـ التوجه إلى الشيء وقصده كقوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى‏ إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخَانٌ)، فصلت: 11، اي توجه إليها بقدرته.

3ـ الاعتدال، قال تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً) سورة يوسف، 22. 

4ـ الاستيلاء والسيطرة على الشيء، كقوله: «استوى الملك على الرعية».

5ـ المساواة في النسبة، كقوله: (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى‏ وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) سورة الأنعام، الآية 50. وفي الروايات المباركة ان الرحمن الاستواء في الآية بالمساواة في النسبة.

ومن ثم طبق هذه المعاني المتقدمة على الآيات الشريفة متنبطا منها العديد من المعاني والدورس.

ومن المقرر استمرار الأبحاث الى ختام الشهر الفضيل شهر رمضان العظيم لهذا العام 1438 هجرية.