|
|
|||
|
الليلة الأولى من الجلسات العلمية الرمضانية لسماحة المرجع الشيرازي دام ظله
كما هو البرنامج الرمضاني كل عام عقد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله جلساته العلمية الرمضانية بحضور جمع من العلماء والفضلاء والوكلاء وطلبة العلوم الدينية، وقد وجهّت لسماحته عدة أسئلة في الليلة الأولى، كان أولها:
صوم الفتيات البالغات حديثاً: من المسائل التي كثر الابتلاء بها والسؤال عنها، هي مسألة الصبيّات اللاتي بلغن سنّ التكليف الشرعي توّاً وحديثاً، أي أكملن التسع سنوات من عمرهن، فأكثرهنّ لا طاقة لهنّ على الصيام، ويعانينّ من صعوبة، وربما الضرر، وحسب ما يقوله العرف بنيتهنّ ضعيفة. علماً بأنه لا يصدق عليهنّ عنوان (المرض) لكي يشملهنّ قوله تعالى: (ومن كان مريضاً) (1)، ولكن يلحقهنّ مقداراً من الضرر بسبب الصوم. فما حكمهنّ؟ قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: لاتّضاح حكم هذه المسألة، علينا أولاً أن نقدّم مقدّمة علمية لتبيين قاعدة الضرر وحدودها الفقهية لهذه المسألة: أقسام الضرر فالضررعلى ثلاثة أقسام: 1: أحياناً يكون الضرر خفيفاً، وهذا عادة لا يهتم له العقلاء، حيث يقدمون على العمل وإن كان به ضرر خفيف. والأدلة الفقهية (لا ضرر) تنصرف عن مثل هذا الضرر، مع ان لفظ (الضرر) له إطلاق، ولكن الانصراف حاكم على الإطلاق 2: أحياناً يكون الضرر بالغاً وكثيراً، وملاكه تلف النفس أو تلف العضو، أو تلف القوة (2). ويمكن إضافة الابتلاء بالأمراض الخطيرة إلى ذلك، مع انها وبعبارة أخرى هي من أنواع التلف الذي مرّ ذكره. وقد أفتى المشهور بالحرمة في هذا النوع من الضرر، ولم يجيزوا تحمّله. 3: أحياناً يكون الضرر أمر بين أمرين، أي لا خفيفاً ولا شديداً. ومورد مسألتنا هي الصغرى من كبرى المسألة. بلى إن علم المكلّف بأن الصوم يلحق به الضرر البالغ، يسقط عنه، ولكن ما نحن فيه هو من مصاديق المشكوك، وبحاجة إلى تأمّل. خوف الضرر إذا لم يعلم المكلّف بالضرر، ولكنه يخاف الضرر، فما حكمه؟ هنا تجري قاعدة (الخوف والضرر) التي تناولهما كل من المرحوم الشيخ الأنصاري وصاحب الجواهر وغيرهما، وأشار إليها الشيخ الطوسي في المبسوط والخلاف أيضاً. خلاصة البحث هي: خوف الضرر يعدّ عرفاً من الضرر. وبعبارة أخرى: يعدّ مرتبة من الضرر، مع انه مع الدقّة العقلية، لا يعدّ خوف الضرر، ضرراً. وهذا لم يقل به كل الفقهاء، ولكنه يبدو متيناً. لأن دليل (لا ضرر) هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وينفي الحكم الضرري، ويقول: لم يشرّع الحكم الضرري في الإسلام، ولسان (لا ضرر) لا يشمل عرفاً الخوف العقلائي للضرر، إضافة إلى ان العقلاء لا يقدمون على العمل بوجود خوف الضرر فيه. عقلائية خوف الضرر المطلب الآخر في هذه المسألة هي ان الفقهاء ومنهم صاحب العروة، قال: يجب أن يكون الخوف عقلائياً. ويعني انه لا يكفي فيه الاحتمال العقلي، بل يجب أن يكون الاحتمال عقلائياً أي معتنى به عند العقلاء. إذن، إن كان الشخص له خوف الضرر، وعدّه العقلاء من الوسوسة، وهو لا يعتقد بأنه من الوسوسة، قالوا ان الملاك هو تشخيص العقلاء. ولكن يبدو ان الخوف يجب أن يكون عقلائياً، والخوف الشخصي ليس ملاكاً، أي ليس بنحو المطلق التام. بلى إن كان الشخص يخاف الضرر، وعدّه العقلاء من الوسوسة، وهومقرّ بالوسوسة، فهنا يجب أن لا يترتب الأثر على خوفه. وأما إذا لم يعدّه من الوسوسة، فحسب القاعدة، يكون تشخيص الشخص نفسه حجّة، وعند التضارب بين تشخيصه وتشخيص الآخرين في موارد الضرر، فالملاك تشخيصه هو، لأن الشارع قال بـ(لا ضرر) في خطابه للمكلّف. ومن باب: (تُعرف الأشياء بأشباهها ونظائرها) يمكن الإشارة إلى مسألة تشخيص المريض وتشخيص الطبيب، حيث قال صاحب العروة: إذا شخّص المريض ان الصوم يضرّه، وقال الطبيب بعدم الضرر، أو كانت القضية بالعكس، فقالوا ان الملاك هو تشخيص المريض نفسه. تشخيص ولي أمر الطفل ومن المسائل الأخرى المطروحة بهذا الصدد، ولعل لها حكماً مشكلاً، هي انه هل يعتبر حجّة تشخيص البنت البالغة سنّ التكليف جديداً، أم تشخيص وليّ أمرها، أم الباقين ممن يديرون أمورها؟ أي هل بإمكان هؤلاء أن يشخّصوا مقدار الضرر للبنت، وهل تصوم أم لا؟ تقول القاعدة الفقهية: مع البلوع والرشد، تنقطع ولاية الأب. بلى إن شك في البلوغ والرشد، فهنا يجري استصحاب الولاية. ولكن الكلام هو في مرحلة قبل الشك، فهل لدينا دليل في هذه الموارد يشمل ولاية الأب مثلاً. قال أحد الحاضرين في الجلسة: إن كان البنت رشيدة وبلغت سنّ الرشد، فالملاك هو تشخيصها. معنى الرشد قال سماحته: الرشد في الأموال. فصاحب العروة في باب النكاح، تناول الرشد وعدم الرشد النكاحي. ولكن أشكل عليه بعض الفقهاء بأن الرشد في الأموال. على كل حال: إن لم يكن لهذه البنت، البالغة من العمر عشر سنوات، الرشد في الأموال، ولكن عندها الرشد في أمور أخرى وليست سفيهة، فالملاك هو تشخيصها، أو يكفي تشخيص أبيها؟ مع ان الأدلّة العامة للتكاليف هي خطاب للمكلّفين، وهذه البنت هي مكلّفة، فالمقتضى ان تشخيص البنت هو الملاك. مع انه أحياناً يمكن القول بان الأدلّة منصرفة عن البنت من فئة العشر سنوات، لأنه ليس من المعلوم ان البنت نفسها قادرة على التشخيص بأن الصوم يضرّها أو لا؟ وهكذا هي سيرة العلماء، إجمالاً، وهي ان الأب والأم لا يتدخّلون في مثل هذه الأمور بالنسبة لأطفالهم، وتصدّيهم هو بعنوان أنها مسألة ترتبط بالدين، ولهذا يقرّران لطفلهما، لأنهم قالوا بأن الطفلة في عمر عشر سنوات أو إحدى عشر سنة، فاقدة للتشخيص في باب ضرر الصوم وعدم ضرره. اتصال السيرة بزمن المعصوم عليه السلام سأل أحد الفضلاء: هل يجب أن يكون محرزاً اتصال السيرة بزمن المعصوم عليه السلام؟ قال سماحته: كلا. لا يلزم أن تتصل السيرة بزمن المعصوم عليه السلام، بل إذا صار محرزاً، ان المتشرّعة والمتدينيين ـ ويقال لنا متشرّعين ومتدينيين ـ لهم مثل هذه السيرة والطريقة، فهذا بنفسه طريق عقلائي، وله الكاشفية عن الحكم الشرعي. ويؤيّده ان الكثير من سير الفقهاء التي يستندون عليها، ليست محرزة باتصالها بزمن المعصوم عليه السلام. وسأل آخر: لعل اعتبار تشخيص الأب والأم لبنتهما، من باب انهما من أهل الخبرة، وليس من باب الولاية؟ قال سماحته: عادة الأب والأم ليسا أهل خبرة كالطبيب. بلى إن كانا أهل خبرة، فلهما الاعتبار من جهة الخبروية. وأما إن لم يكونا من أهل الخبرة فهذه هي السيرة.
تشخيص الوالدين في التقليد: سأل أحد الفضلاء: إن كان الملاك عند سماحتكم هو تشخيص الولي، فهل تقولون بهذا في مورد تعيين مرجع التقليد. قال سماحته: بلى أقول بأن تشخيص الأب والأم له الاعتبار عند البنت، وبإمكانها أن تعتمد على كلامهما، ودليله هي السيرة نفسها التي تم بيانها. وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سورة البقرة: الآية184. (2) المقصود من تلف القوة، هو تلف إحدى القوة التي وهبها الله تعالى للإنسان في باطنه، مثل قوة الإنجاب والحصول على الأطفال. فتلفها كليّاً من الضرر البالغ ولا يجوز إتلافها. وكذلك الخوف العقلائي هو أحد الأضرار الثلاثة أيضاً، ولذا حسب رأي سماحته ومشهور الفقهاء انه يشمله حكم الضرر، ويتنافى مع دليل (لا ضرر).
|
|||
|
|