سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يؤكّد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اليوم واجب عيني

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، جمع من المؤمنين والمؤمنات من دولة الكويت، وذلك في بيت سماحته المكرّم بمدينة قم المقدسة، يوم السبت المصادف للخامس عشر من شهر رجب الأصبّ1437للهجرة (23/4/2016م)، واستمعوا إلى إرشاداته القيّمة، حيث قال سماحته دام ظله: جاء في القرآن الحكيم، حكايةً عن قول إبليس لعنه الله: (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ). سورة الأعراف: الآيتان 16 و 17. 

هكذا قال لله تعالى إبليس، وتحدّى الله تعالى بهذا القول بالنسبة إلى البشر المسكين والمسكين جدّاً.
وأوضح سماحته:  كل إنسان مبتلى بمصيبتين عظيمتين جدّاً، إلاّ من عصم الله. وكل واحدة من هاتين المصيبتين، هي أشدّ على الإنسان من الجلطة القلبية، وأشدّ من السرطان، والعياذ بالله، وأشدّ من الجلطة الدماغية، وأشدّ من الأمراض المردية التي تأتي بموت الإنسان قريباً. فالأمراض المردية تعجّل بموت الإنسان، أي تقلّل عمره من الثمانين مثلاً إلى الأربعين أو الثلاثين.

هاتان المصيبتان، هما:

الأولى:  النفس الأمّارة بالسوء من الداخل. والثانية: إبليس من الخارج.

 وهاتان المصيبتان تأتيان على دنيا الإنسان وآخرته. ولكن الله سبحانه وتعالى، بعدله وبفضله وبرأفته على عباده جعل صمام الأمان للإنسان أيضاً، وهو العقل من الداخل، ومن الخارج هم الأنبياء والأوصياء صلوات الله عليهم وسلامه. والمهم على الإنسان أن لا يغفل، ويستفيد من صمام الأمان، وإلاّ سيفنى. 

وبيّن سماحته: الحياة الدنيوية هي مسيرة كل إنسان بالدنيا، سواء كان رجلاً أو امرأة، وعالماً أو جاهلاً، وطبيباً أو مهندساً، وطالباً أو موظّفاً، وعاملاً أو كاسباً، وغير ذلك. ويمكن تشبيه هذه المسيرة بقيادة الإنسان للسيارة وسيره في طريق جبلي. فعلى جانب هذا الطريق الجبال، وعلى آخره الوديان، وعرض الطريق أو الشارع عريضاً، وسكّان السيارة بيد الإنسان، فالمهم على هذا الإنسان هو أن لا يغفل، لأن الغفلة نصف ثانية تؤدّي به إما إلى السقوط في الوادي، أو الارتطام بالجبل، وسيكون مؤدّى ذلك موته وموت من معه، أو إصابته بصدمات عنيفة تبقى معه عشر سنين أو عشرين أو ثلاثين، كإصابته بالإغماء أو الشلل أو الإعاقة وغيرها. وهكذا يكون حال الإنسان إذا ابتلي في دنياه، فكيف سيكون إذا ابتلي في آخرته؟ 

وأضاف سماحته: إنّ ارتقاء الإنسان وسموه وارتفاعه وتحليقه حتى يصبح رفيقاً لأهل البيت صلوات الله عليهم، لا يكون بالمجان أبداً، بل يتطلّب ارتفاع في المختبر وهي الدنيا، وفي الفترة التي يعيش الإنسان فيها بالدنيا.

وأوضح سماحته، أيضاً: إنّ الله تعالى أجرى الشيطان في بني آدم مجرى الدم، يعني في كل مكان بالإنسان، حتى في المخ، وذلك للاختبار. والشيطان تحدّى الله تعالى بالنسبة للبشر بقوله: (لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم. و(لأقعدنّ) كلمة تأكيد، وفيها تأكيدين هما اللام والنون. والله تعالى ذكر لنا هذا التحدّي لنعلم أننا في مواجهة مع إبليس. و(صراطك المستقيم) يعني مع الذين سلكوا الطريق الذي يؤدّي إلى الله تعالى في آخره ونهايته. ويعني أيضاً، ان إبليس لا عمل له ولا شغل له مع الذين لا يعرفون الله، ولا مع المتوجّهين إلى غير الله، ولا مع عبّاد الأوثان والبقر والجرذان والشمس، ولا مع المنغمسين في الشهوات، ولا مع الظالمين. فهؤلاء كلّهم لا عمل لإبليس معهم، لأنه قد انتهى أمرهم بإشارة واحدة من إبليس. بل عمله مع مثلي ومثلكم. ومثل عمل إبليس في هذا الخصوص، هو مثل شخص يحمل سلاحاً، وقد اختبأ في الطريق، وينتظر مرور الإنسان في الطريق لكي يرميه. أي يتربّص بالمتوجّهين إلى الله تعالى، الذين قبِل الله تعالى عقيدتهم وأخلاقهم وعبادتهم. 

وشدّد سماحته بقوله:  يوجد قول متّخذ من بعض الأحاديث، وهو: (لو كان للعلم من غير التقى شرف لكان أشرف الخلق إبليس). وهذا يعني ان إبليس، باستثناء المعصومين صلوات الله عليهم، هو أعلم الكل. والإنسان المسكين إذا لم يواظب حتى بمقدار لحظة واحدة، وغفل غفلة واحدة فسينتهي أمره والعياذ بالله. فإبليس لا يترك الإنسان المسكين إلى آخر لحظة من عمر الإنسان. فقد يهدم الإنسان كل ماضيه، قبل موته بلحظات أو بلحظة، والعياذ بالله. ولا فرق إن كان هذا الإنسان طبيباً أو مهندساً أو ذكياً، وغير ذلك. 

وذكر سماحته مثالاً على إغواءات الشيطان للإنسان، وقال:  كان الزبير بن العوام ابن عمّة رسول الله صلى الله عليه وآله، وابن عمّة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ومن بني هاشم، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومع أمير المؤمنين صلوات الله عليه في الأزمات، ولكن في آخر عمره صار حصب جهنم، والعياذ بالله. فقد ذكروا أنه بعد معركة الجمل، أتوا بسيف الزبير إلى الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فنظر إليه وقال: (سيف طالما كشف الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله). فالذي جعل هكذا عاقبة الزبير هو إبليس. 

كما ان الكثير قد صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله، أي كانوا من الصحابة، وعاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان يستمعون إلى مواعظه وأحاديثه الشريفة يومياً، بعد كل فريضة، وفي مواقف ومواطن عديدة. ولكن الكثير منهم صاروا من المنافقين، بحيث أنزل الله تعالى بحقّهم سورة سمّاها (المنافقون) وحذر فيها النبيّ صلى الله عليه وآله منهم، بل أكّد له بأن العدو هو ليس المشركين والكفّار، بل هم هؤلاء المنافقون، حيث قال تعالى: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) سورة المنافقون: الآية4. وهؤلاء صاروا من المنافقين بسبب إبليس. 

وبيّن سماحته، أيضاً، قائلاً: بلى إن إبليس موجود في كل مكان، في المسجد والحسينية، وفي ليلة عرس الزوجين عندما يتنازعان، وعند التجّار الشركاء، وحتى مع كل مصلّي يوجد شيطان، لكي يلعب بفكر الإنسان. فالمجال مفتوح لإبليس في كل مكان. وهذا ما جعله الله تعالى لإبليس وجعله ميسّراً له جزاء لإبليس على عبادته لله تعالى قبل أن يعصي في قضية السجود لآدم. فقد ورد في الحديث الشريف ما مضمونه: إن إبليس، وقبل أن يطرد لعصيانه أمر الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام، صلّى لله تعالى ركعتين بأربعة آلاف سنة! 

وقال سماحته: هذا شهر رجب، وأمامه شهر شعبان، وبعده شهر رمضان المبارك، فعلينا أن لا تصيبنا غفلة، وأن لا نغفل عن قول أهل البيت صلوات الله عليهم، وهو: (ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كل يوم). وهذا الحديث أنا قرأته قد ورد عن الإمام أمير المؤمنين والصادق والكاظم والرضا صلوات الله عليهم أجمعين. فيجب علينا، ولا بدّ، أن نجعل وقتاً، ولو لدقائق معدودة، كل يوم، نحاسب فيه أنفسنا، عن شهرنا الفائت وعن سنتنا الفائتة، وعن يومنا الفائت، حتى لعله بفضل الله تعالى وببركة أهل البيت صلوات الله عليهم، ننجوا في هذا المعترك الغريب من الشيطان ومن النفس الأمّارة بالسوء. فإذا صدقت نيّة الإنسان فالله تعالى سيأخذ بيد هكذا إنسان. 

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (اسألوا الله بنيّات صادقة). فإذا صدقت نيّاتنا، وخطونا في طريق الله، وحاسبنا النفس كل يوم، فسيأخذ الله بأيدينا. والله تعالى قد جعل لنا أهل البيت صلوات الله عليهم، وخلقهم ليكونوا نجاة لنا، فنتوسّل بهم إلى الله سبحانه. فالقرآن الحكيم يقول: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) سورة الحشر: الآية7. والرسول صلى الله عليه وآله قال: (كتاب الله وعترتي أهل بيتي). فلا نخرج عن هذا الإطار. 

وأردف سماحته: هذا الأمر بحاجة إلى اهتمام وتوجّه من كل واحد منّا. كما علينا أن نمسك بأيدي أولادنا، وشبابنا وفتياتنا، ونهديهم ونوجّههم، لا بالأمر والنهي فقط، بل بالمداراة والرفق واللين والعطف وبرعاية أكثر، حتى لا ينتهي أمرهم إلى ما لا يرضي الله تعالى، والعياذ بالله. فقد ورد في مضمون الروايات الشريفة انه: في آخر الزمان تتعجّب الملائكة إذا رأت إنساناً واحداً صالحاً من بين الألوف من الموتى الذين يموتون يومياً وهم غير صالحين، وتتساءل: كيف فلت (من الشيطان) وصار صالحاً؟! وهذا يعني ان الكثير من الناس في آخر الزمان، مبتلون بالشيطان، ويقعون في فخّه وشَرَكه، والعياذ بالله. 

وأكّد سماحة المرجع الشيرازي: علينا أن نواظب أكثر، وأن نوصل كلام الحق للجميع، وليس لأبنائنا ومن هم حولنا فقط. وكلام الحق هو كلام الله تعالى، ورسوله، وأهل البيت صلوات الله عليه وعليهم أجميعن. ولا نوصله فقط بل يجب أن يقترن أو نقرنه بالبلاغ المبين. أي ان لا نقول للطرف المقابل بأن (واجبي هو أن أقول لك فقط) بل علينا أن نربّي الطرف المقابل، وخصوصاً أبناءنا وجارنا وزملاء عملنا ووظيفتنا، وزملاء السفر، وفي المسجد والحسينية، وفي كل مكان. وهذا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو واجب كفائي على الجميع، رجالاً ونساء. ويكون واجباً عينياً إن لم يوجد من فيه الكفاية، والآن وحالياً لا توجد هذه الكفاية، لأنها لو كانت لما وجد هذا الكمّ الهائل من المظالم والمفاسد في العالم اليوم. فواجب عيني الآن أن نقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن لا يقدر على ذلك فهو معذور، ولكن من يقدر، عليه أن لا يقصّر. 

وختم دام ظله، كلمته القيّمة، بقوله: أسأل الله سبحانه وتعالى ببركة أهل البيت، رسول الله والعترة الطاهرة صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، أن ينقذنا ويخلّصنا من هذه الدنيا بخير وعافية وبحسن عاقبة. وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.