سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: إذا لم تحكم العالم ثقافة الغدير فستحكمه ثقافة معاوية

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، جمع من الجامعيين والمؤمنين والشباب الناشطين في المجال الديني والثقافي من مدينة كربلاء المقدسة، وذلك في بيت سماحته ا لمكرّم بمدينة قم المقدّسة، في يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام 1435 للهجرة، وألقى سماحته فيهم كلمة قيّمة، إليكم نصّها:

قال الإمام الحسين صلوات الله عليه في تبيين أهداف نهضته المقدّسة: «أسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهما».


أهمّ ثقافتين:

نستقبل في الأيام الآتية أكبر حدثين مهمين في تاريخ الإسلام، بل في التاريخ كلّه. الأول: الغدير، والثاني: عاشوراء.

الغدير ثقافة، وعاشوراء ثقافة. وحملة هاتين الثقافتين هم المؤمنون، وخصوصاً الشباب، حيث هم من ضمن الجمع الذين عليهم المسؤولية، بل ومسؤوليتهم أكبر.

الغدير هي ثقافة، وهي ثقافة الإسلام والإنسانية بجميع معانيها العالية والعميقة. وثقافة عاشوراء ثقافة التضحية من أجل الحق. وهاتان متلازمتان ولا تنفك إحداهما عن الأخرى. فالذي ضحّى من أجل الحق، وكان على جانب صحيح من الإنسانية المتمثلة في الإسلام هم أهل البيت صلوات الله عليهم. والذي يعتقد بالإسلام وبالإنسانية بجميع معانيها العالية والعميقة يضّحي من أجل الحق أيضاً.


ثقافة الغدير:

ثقافة الغدير تبدأ من قول مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، حيث قال: «وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُه». وقد صدق صلوات الله عليه وأثبت صدقه. فأمير المؤمنين صلوات الله عليه هو سيد البلغاء وسيد الفصحاء، وكل كلمة تخرج من فمه الشريف هي بدقّة وعمق. فهل هناك إنسانية أعمق من هذا الذي قاله الإمام صلوات الله عليه؟ وهل يوجد مثل للإنسانية أدقّ مما قاله الإمام صلوات الله عليه؟ وهل هناك معنى للإنسانية غي رما قاله الإمام صلوات الله عليه؟

وهذه هي ثقافة الغدير، وهذا شعار ثقافة الغدير، وهذا ابتداء ثقافة الغدير، وهذا روح ثقافة الغدير.

إذا أردنا نحن، بل إذا أراد أكبر فصحاء العرب، وأكبر البلغاء، أن يفسّروا كلمة الإنسانية، فهل يمكن لهم أن يفسّروها بأدقّ من كلمة أمير المؤمنين صلوات الله عليه؟ ولو ان عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه لم يقل هذه الكلمة، واجتمع كل فصحاء العرب لما استطاعوا أن يفسّروا الإنسانية بهذه الدقّة، طبعاً باستثناء المعصومين صلوات الله عليهم لأنهم سادة الفصحاء والبلغاء.


اعرفوا تاريخ أهل البيت:

أوصي الشباب جميعاً، خصوصاً الشباب المحترم في العراق الجريح اليوم، والمظلوم والمضطهد والصابر والمجاهد والمنتصر، اليوم وغداً، أكثر من ذي قبل بإذن الله سبحانه وتعالى، أوصيهم بقراءة التاريخ وعدم الاكتفاء بما يسمعون.

بعدما انتهت حرب الجمل التي فرضت على الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، والتي لم يكن الإمام صلوات الله عليه يريدها حيث طالما كرّر وكرّر بأن لا تقع الحرب، والتي قتل فيها بالألوف، وجواب هذه الدماء هي على من بدأوا هذه الحرب، صنع أمير المؤمنين صلوات الله عليه ما لم يصنع أحد في التاريخ، إلاّ أخوه رسول الله صلى الله عليه وآله من ذي قبل، وهو أنه تعامل صلوات الله عليه وكأنه لم تكن حرب. فالإمام صلوات الله عليه لم يصنع أي شيء بقيادات الحرب وبالذين أثاروا الحرب وبالذين أشعلوا نار الحرب، ولم يعاقبهم أية عقوبة. فقد ذكر التاريخ أنه بعد انتهاء حرب الجمل: دخل الإمام صلوات الله عليه في بيت عائشة، وقد لجأ إليه قيادات حرب الجمل، فصاحت النساء (من المعاندات للإمام ومن اللاتي أثاروا الحرب وأشعلوا نارها)، وقلن ياقاتل الأحبّة. فقال الإمام صلوات الله عليه: لو كنت قاتل الأحبّة لقتلت مَن في هذه الغرف، وأشار إلى تلك الغرف، وقد اختفى فيها مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر والوليد بن عقبة وولد عثمان بن عفّان وغيرهم من بني أُميّة. فالإمام صلوات الله عليه كان يعلم بأن الذين أثاروا الحرب وقادوها قد التجأوا إلى الغرف، ولكن لأنهم تركوا الحرب ووضعوا أسلحتهم، لم يعمل بهم أي شيء. وهذه هي ثقافة الغدير. فهل تجدون مثل هذا التعامل في التاريخ، وفي هذا اليوم؟ وحتى في البلدان التي يُدّعى وجود بعض الحريات فيها، هل تجدون في حروبها مثل هذا التعامل؟ أي هل تركوا قادة الحروب وأخلوا سبيلهم ولم يصنعوا بهم شيئاً؟

إنّ الغدير جاء في القرآن الكريم مكرّراً، والقرآن ذكر الغدير في آيات متعدّدة. والغدير ليس مجرّد قصّة تاريخية، وليس مجرّد حدث، وإن كان هو وعاشوراء أهمّ حدثين في التاريخ، ولكن الغدير هو ثقافة، وهي ثقافة الإنسانية، وكلمة الإنسانية أضعف وأقلّ من أن تكون مبيّنة لمعنى قول الإمام صلوات الله عليه: (أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة). فاعرضوا كلمة الإنسانية على أنفسكم وعلى الشعوب وعلى الفصحاء والبلغاء، فهل يفسّروها كما بيّن الإمام صلوات الله عليه؟


العفو.. شيمة أهل البيت عليهم السلام:

أما ثقافة عاشوراء، فهي ثقافة التضحية. فلماذا ضحّى الإمام الحسين صلوات الله عليه، ومن أجل من ضحّى؟ فالإمام صلوات الله عليه قال: أسير بسيرة جدّي وأبي، فكيف كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وكيف كانت سيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليه؟ فما ذكرناه من تعامل الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه آنفاً هو جزء من ألوف من مناطق الإشراق، ومن المناطق النوراء من سيرة عليّ صلوات الله عليه، وكلّ سيرة عليّ صلوات الله عليه نوراء.

لقد كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله هي: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). ففي خلال عشرين سنة قام المشركون بقيادة قريش في مكّة بمحاربة رسول الله صلى الله عليه وآله بشتى أقسام الحروب، وخلال تسع سنوات فرضوا على رسول الله صلى الله عليه وآله عشرات الحروب. ولكن عندما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكّة منتصراً، أعطى عفواً عاماً للجميع وأمر أن ينادوا: اليوم يوم المرحمة. فهل تجدون لهذا نظيراً في التاريخ؟

ثقافة الإجرام والقتل:

الإمام الحسين صلوات الله عليه في قصّة عاشوراء أعلن أنه يسير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليه. والسبب في قول الإمام (أسير بسيرة أبي) هو لأن الذين جاءوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وقبل أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبعده، كانوا قد شوّهوا صورة الإسلام. فبعضهم سمّى نفسه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله، ومنهم معاوية، حيث قام وخلال يوم أو يومين أو ثلاثة وعبر رسوله بسر بن أرطاة إلى اليمن، بذبح أكثر من ثلاثين ألفاً من الأبرياء في اليمن، كان فيهم الرضّع والشيوخ والحوامل والأطفال. وقد قتل هؤلاء الأبرياء لا في حرب بل لأنهم كانوا يعتقدون بعليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه بأنه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله فقط.

إذا لم تحكم العالم ثقافة الغدير فستحكمه ثقافة معاوية. وماتشاهدونه اليوم في العراق وفي غيره من أمثال داعش وغيرهم ومن قبلهم وفي اليوم، هؤلاء هم ليسوا على ثقافة الغدير.

 

ثقافة عاشوراء:

إنّ الإمام الحسين صلوات الله عليه في عاشوراء أعلنها ثقافة رسول الله صلى الله عليه وآله وثقافة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وأعلنها سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليه. والعالم اليوم بحاجة إلى هاتين الثقافتين أكثر من السابق، أي ثقافة الإنسانية وثقافة التضحية من أجل الحقّ. وشريحة الشباب عليهم المسؤولية الكبرى في هاتين الثقافتين، أي التعرّف على هاتين الثقافتين بأعماقهما وبأبعادهما وبسعتهما، ونشر هاتين الثقافتين في العالم.

ابحثوا وابحثوا وابحثوا، فهل تجدون على وجه الكرة الأرضية حكومة ودولة ليس فيها سجين سياسي واحد؟ حتى في الدول التي تتشدّق بالحرية وتتشدّق بأن حكم الإعدام لا يوجد في قانون عقوباتها؟ ولكن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه حكم من العراق أكثر من خمسين دولة من دول اليوم خلال قرابة خمس سنوات، ورغم كل العداء الذي كان له، ورغم كل الأعداء الذين كانوا له وكل الذين نصبوا العداء له وفرضوا عليه حروب عظيمة، رغم كل ذلك، لم يذكر التاريخ عن الإمام صلوات الله عليه أنه كان عنده سجين سياسي، ولو ليوم واحد. فهذه الثقافة جديرة بان تحمل للعالم، فالعالم غائب عن هذه الثقافة ولا يعرفها.


سعادة العالم في الغدير وعاشوراء:

يقول الإمام الرضا صلوات الله عليه: (لو أن الناس عرفوا محاسن كلامنا لاتّبعونا). فالعالم إذا اتّبع ثقافة الغدير وثقافة عاشوراء لكان آنذاك هو العالم السعيد. ولكن اليوم لا سعادة في العالم، بل الشقاء قد ملأ العالم في كل مجال. نعم هناك في بعض البلدان بعض الحريات أكثر من بعض البلدان الأخرى، أما هل فيها سعادة، وهل يعيش فيها الإنسان مرتاحاً ولا يخاف المستقبل؟ ولكن هذا الأمر يوجد في ظل ثقافة الغدير وفي ظل ثقافة عاشوراء.

إنّ الشعائر الحسينية المقدّسة ضمان لمستقبل الدنيا، كما ان ثقافة الغدير ضمان لمستقبل الدينا أيضاً. ولا شكّ ومؤكّداً سترون ذلك في القريب العاجل، وأسأل الله تعالى ان يكون ذلك بظهور سيدنا ومولانا بقيّة الله المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف وصلوات الله عليه.


المسؤولية الكبرى:

المسؤولية الكبرى عليكم أنتم أيها الشباب، وخصوصاً أنتم شباب العراق، لأنكم خلال عقود من الزمن في زمن الحومات الغابرة، وخلال العقد الذي مضى، مع شديد الأسف رأيتم الضنك والظلم ولمستم المظالم بأساليب أخرى وألوان أخرى. وبالمقابل، أي مقابل هذه المظالم، هناك ثقافة بيّنها الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في قوله: «عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُه» وصدق سلام الله عليه في ذلك وعمله صدّق ذلك. فقد قال الإمام صلوات الله عليه ـ كما في نهج البلاغة ـ: (مَا كَذَبْتُ). ففي أي تاريخ قال شخص أو استطاع أن يقول ما كذبت؟

قبل كم سنة قرأت في جرائد إحدى العواصم الإسلامية، عنواناً بهذه الكلمات: أربعة آلاف كذبة. وكانت عنواناً لإحصائية على رئيس تلك الدولة، حيث أحصوا عليه خلال كم سنة أربعة آلاف كذبة!

أيها الشباب! تحمّلوا هذه المسؤولية واعملوا من أجل هذه المسؤولية، وتفهّموا هذه المسؤولية، واجعلوا أنفسكم في مستوى هذه المسؤولية. فهذه المسؤولية هي ليست مسؤولية إنقاذ العراق فقط، أو إنقاذ المنطقة فقط، بل إنقاذ العالم على المدى البعيد. وهذه مسؤولية شباب العراق من العراق، وشباب غير العراق،كل من بلده.

أسأل الله تعالى أن يوفّق الجميع لتعلّم ونشر ثقافة الغدير وثقافة عاشوراء.