حوزة كربلاء المقدسة تعقد ندوةً فكرية وتوجيهيةً بمناسبة ابتداء العام الدراسي الجديد

بمناسبة ابتداء العام الدراسي الحوزوي الجديد 1435 ـ 1436 هجرية، عقدت حوزة كربلاء المقدسة ـ مدرسة العلامة الشيخ احمد بن فهد الحلي رحمه الله ـ ندوةً فكريةً توجيهيةً ـ كما هو دأبها كل عام ـ بمشاركة أساتذة الحوزة وطلبتها.

استهلت الندوة بتلاوة قرآنية مباركة ومن ثم ألقى سماحة العلامة الحجة السيد مهدي الشيرازي كلمة استمدها من قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) سورة الذاريات: 56.

وقد تمحورت كلمته في موضوعين:

الأول/ وقد افرده للحديث حول أهمية المعرفة ودورها في التكامل الذاتي لطالب العلم، حيث بيّن أن بعض المفسرين ذهب في تفسير قوله تعالى: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي ليعرفون، وكذا ورد في الأحاديث الشريفة انه على معرفة الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام دارت القرون الأولى، وفي زيارة سيد الشهداء عليه السلام ورد: «من زار الحسين عليه السلام عارفاً بحقه فكأنما زار الله في عرشه».

ومن ثم اخذ ببحث الطرق والوسائل والقنوات الموصلة إلى المعرفة مؤكداً امتلاك مدرسة أهل البيت عليهم السلام لتراث معرفي ضخم جدير بطالب العلم الاغتراف منه بقدر استطاعته، وان هذا الأمر يختلف من شخص الى آخر قال تعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةُ بِقَدَرِهَا) سورة الرعد: 17، فحث على أهمية التدبر في الروايات الشريفة مبيناً أهمية بعض المصادر الأساسية ككتاب الكافي الشريف وبحار الأنوار للعلامة المجلس وكتاب تحف العقول للشيخ الجليل ابن شعبة الحراني.

أما المحور الثاني/ فقد تحدَّث حول السلوك الأخلاقي الواجب إتباعه من قبل طلبة العلم مؤكداً ان الناس يرون ان الطالب الحوزي امتداد لأهل بيت العصمة والطهارة وممثل لهم، فيراقبوا تصرفاته وكلامه وبدقة كبيرة، فجدير به ان يكون داعياً للمعصوم عبر عمله وسلوكه غير منفر للناس، وليكن مقتدياً برسول الله صلى الله عليه واله في تعامله الاجتماعي قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى‏ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) سورة آل عمران: 159.

ثاني كلمات الندوة كلمة سماحة العلامة الشيخ علي الفدائي وقد استهلها بقوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن  قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) سورة آل عمران: 164.

فعّقب قائلاً: إن المنَّ أمر غير ممدوح إذا صدر من الإنسان، بل هو سبب لبطلان العمل قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى‏) سورة البقرة: 264، لكن إذا صدر هذا الأمر من المنعم سبحانه لا يكون كذلك والحكمة فيه لكي يذكِّر الله سبحانه المؤمنين بعظم النعمة التي أعطاها لهم ببعثه رسول الله صلى الله عليه واله.

بعد ذلك أخذ ببيان وظيفة رسول الله صلى الله عليه واله وفق الآية المتقدمة متحدثاً حول التزكية والتعليم لقوله تعالى: (وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمَهُمُ) لافتاً الأنظار إلى أن الله سبحانه قدم مسألة التزكية على مسألة التعليم، ومن هنا اخذ ببحث اثر التزكية في بناء شخصية طالب العلم ورجل الدين وان الهدف من الدراسة الحوزوية هو تزكية مع علم وليس الاقتصار على العلم فقط.

وفي الختام قدم اقتراح للطلبة بضرورة إعداد برنامج خاص للتزكية يرافق البرنامج الخاص بالتعلم لاسيما وهم في أول العام الدراسي.

* وفي اليوم التالي ألقى سماحة آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري كلمة أخلاقية استمدها من قول الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله حيث قال: «انما العلم ثلاثة: آية محكمة أوفريضة عادلة أوسُنّة قائمة وما خلاهنّ فهو فضلٌ».

وأضاف: إن المقصود بالآية (العلامة المحكمة) وهي إشارة إلى علم العقائد، فالعلم الذي يصحح الاعتقاد وفيه الآيات المحكمات على إثبات المبدأ والمعاد وما بينهما من أفعال الله والنبوّة والإمامة .

والفريضة العادلة إشارة إلى الفرائض من الواجبات والمحرمات وما يلحق بهما فعلى الإنسان أن يؤديها باعتدال أي بالطريق الصحيح.

وأما السنة القائمة إشارة إلى علم الأخلاق  الذي هو عبارة عن السنن والآداب والصفات الحميدة وتهذيب النفس. فهذه هي العلوم التي لا بدّ منها في حياة الإنسان، وبنيت الحوزات العلمية على هذه الأركان الثلاثة، وما سواها من العلوم فهي مقدّمات، وإنّها فضل بمعنى الزيادة.