مكتب سماحة المرجع الشيرازي في دمشق يقيم مجلساً تأبينياً

بمناسبة أربعينية آية الله السيد محمد رضا الشيرازي  

 

:. أربعون ليلة .. مضت على رحيل الفقيه السعيد آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره) ومازال ذلك الحدث المباغت غضاً بألمه وملتهباً بعواطفه .. أربعون صباحاً قضت دون أن يغيب ذكره الطيب وعمله الصالح, وأربعون يوماً انصرمت, وملايين الناس تتوثب, أكثر فأكثر على اقتناء محاضرات الفقيه الذي رحل دون وداع أخير, ورحل دون أن ينسى من أحبهم وأحبوه فأورثهم أغنى ما عنده حيث أوصى بما اوصى به النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله ـ (الثقلين: كتاب الله وعترتي) فهما سبيل الإيمان والطريق الى الحرية والرفاه والسلام والفضيلة, وفي تلك اللحظات الأخيرة (العصيبة) لم تخذله إنسانيته المرهفة من تقديم (الاعتذار) خشية من أن يكون قد أخطأ بحق من يعرفهم أو بحق من يعرفوه  فـ (الموعد) قد حان مع الرحلة الأخيرة من دار الهموم والابتلاء والعناء الى الرفيق الأعلى .. رحلة ليس من بعدها عودة .. وكما كان في سني حياته: هادئاً ومتواضعاً وشفافاً, كان وفياً .. كل الوفاء .. في لحظة الوداع – الـ لاوداع .. لقد أبلغ فأوجز, وأعطى أكثر ما يمكن أن يعطي, وإنا لله وإنا إليه راجعون, العاقبة للمتقين.

بالقرب من المرقد الشريف للسيدة الحوراء زينب (عليها السلام) .. ولمرور أربعين يوماً على رحيل العالم الرباني آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (قدس سره) النجل الأكبر للمرجع الديني المجدد آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه) أقام مكتب سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في العاصمة السورية دمشق مجلساً تأبينياً, وذلك في مساء يوم الأربعاء الواقع في السادس من شهر رجب/1429هـ في حسينية الحوزة العلمية الزينبية بحضور جمع كبير من العلماء وممثلي مكاتب المراجع العظام والإعلاميين وتجمعات ثقافية, ومؤسسات حسينية وخيرية, وحشد من الجاليات العراقية والأفغانية والإيرانية والآذرية والهندية والباكستانية المقيمة في سوريا كما حضر المجلس التأبيني زوار السيدة الحوراء زينب (عليها السلام) من الدول الخليجية فضلاً عن حضور الأخوة من البلد المضيف سوريا.

 

 

استهل المجلس التأبيني بتلاوة آيات من الذكر الحكيم رتلها فضيلة المقرئ الشيخ عباس النوري ثم كلمة الافتتاح للإعلامي الأستاذ زكي النوري (مقدم الحفل التأبيني) التي أشار فيها الى جوانب من حياة الفقيد الراحل, وقال: لقد كان الفقيه الراحل آية الله السيد محمد رضا الشيرازي كما تحدث عنه سماحة السيد المرجع (دام ظله) حيث يقول: "لقد كان الفقيد السعيد آية الله السيد محمد رضا الشيرازي من النماذج الذي اهتدى بقوله وبعمله وتعليمه وأسلوبه في الحياة الكثير من أقربائه أو من تلامذته أو ممن التقى به .. فإنني عشت معه منذ ولادته، ولم أر منه غير ما ينبغي للذين آمنوا وعملوا الصالحات، الذين وصفهم القرآن الكريم بهذا الوصف .. لقد كان يمثّل الإيمان والعمل الصالح .. وكان في درجات العدالة بلا شكّ .. ولكنّ الله تعالى شاء له ولنا هذا الذي ترون، ولا رادّ لقضاء الله، رضىً بقضائه ورضىً بقسمته .. هذه القسمة مرّة، ولكنّها إرادة الله تعالى فتكون مرضاته لنا رضىً" .. ثم قرأ الأستاذ النوري على الحضور الكريم عدداً من الأبيات الشعرية التي تتحدث عن العمق الولائي في شخصية الفقيد الفقيه العلمية والأخلاقية.

 وفي رثاء الفقيد, ألقى الخطيب الحسيني فضيلة الشيخ عبد الأمير النصراوي (دام عزه) قصيدة تناول فيها استقراء حميماً لشخصية الفقيد (قدس سره) حيث معرفته به منذ أيام طفولته وصباه وحتى بلوغه المرتبة العلمية الكبيرة في الحوزات العلمية ومجال تأليف الكتب التخصصية, وقد قال فضيلة الشيخ النصرواي في مطلع قصيدته:

خرّت لفقدكَ من عليائها الشهبُ                حقّاً تموتُ وتخفي جسمك التربُ

يا سيّداً سادَ في الدنيا بطلعتهِ                     بدرُ السماء فلا يخفى ويحتجبُ

أعطيتَ عُمركَ للإسلامِ تنشرهُ                     لمْ تُبقِ شيئاً بحبِّ الله إذ تهبُ

ما حانَ وقتكَ كي تمضي على عجلِ          لمْ يُثنِ شخصكَ لا جهدٌ ولا تعبُ

لكن رحلت إلى العلياءِ مبتهجاً               أنت الرضا من رضاكَ اللهُ تقتربُ

وفي مقطع آخر أشار فضيلة الشيخ النصراوي الى الحضور الأخلاقي والرسالي السامق للفقيد (رضوان الله تعالى عليه), قائلاً:

يا منبع العلمِ والأخلاقُ تعرفهُ          نجمُ النجوم ومن تعلو به الرتب

يا زاهداً طلّقَ الدنيا وزخرفها       لا فضةٌ أغرتهُ في الدنيا ولا ذهبُ

طاوي الحشاشة قد يمضي بليلته       صُلبَ الإرادة لا يكبو بهِ سغبُ

 

 

وقبل أن يقرأ الخطيب الشيخ كمال معاش (دام عزه) كلمة الأسرة الشيرازية الكريمة, تحدث فضيلته عن الرحيل الأليم للفقيد الفقيه, قائلاً: لقد غادرنا الفقيه السعيد آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره) في صبيحة الأحد السادس والعشرين من شهر جمادى الأولى من العام الهجري الجاري .. غادرنا، ونحن بأمّس الحاجة إلى علمه وورعه، وتقواه ودعائه، وخلقه الكريم وطلعته المشرقة البهية، وكلماته الطيبة، وعمله الصالح، ووجوده اللطيف المبارك .. غادرنا .. دون وداع .. حيث كان الموت أسرع, وكان أمر القدر أقضى .. غادرنا .. ذلك العبد الصالح إلى العالم الآخر .. عالم النور والحق .. حيث الوفود على ربٍ كريم.

وأكدت رسالة أسرة الفقيد الراحل الى "إن الحديث عن شخصية الفقيد السعيد، حديث متشعب وله جوانب متعددة لا يمكن إحصائها وحتى الإشارة إليها في سطور مختصرة ولكننا – من الممكن – أن نتحدث عن بعض الجوانب .. فقد كان الفقيد السعيد عالماً متشرعاً، حيث قضى جلّ عمره في تحصيل علوم أهل البيت (عليهم السلام) تلك العلوم التي أخذوها عن جدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبينوها للناس، سواء في الفقه أو الأصول أو التفسير أو الحديث. فصرف وقته في الفقه والأصول حتى بلغ مرتبة سامية من الفقاهة في مقتبل عمره الشريف فأجازه بالاجتهاد عدة من الفقهاء والمراجع ولكنه لشدة تواضعه ما كان يظهرها لأحد، إلى أن تم العثور على ثمانية منها في أوراقه بعد وفاته, وألّف في الأصول كتاب (الترتب)، وهو في العقد الثالث من عمره الشريف كما ألّف من القطع إلى نهاية البرائة مباحث درسه للخارج ولعله تبلغ خمسة مجلدات ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لطبعها".

وجاء في الرسالة, أيضاً: "لقد كان (قدس سره) كان كثير الأنس بأحاديث رسول الله وأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، فكان يحفظ الكثير بالنص أو بالمضمون وخاصة كتاب الكافي الشريف الذي لم يؤلف مثله قط في الإتقان والسعة. وقد حباه الله تعالى بقدرة فائقة على البيان، فكان في محاضراته المباركة يبين تلك المضامين العالية في الروايات الشريفة ومن أقوال فقهاء أهل البيت عليهم السلام ببيان سلس بحيث يفهمها حتى عامة الناس مع حفظ عمق المضمون وهذه موهبة نادراً ما تحصل في شخص، فالبحوث المعمقة التي لم يكن يعيها إلا القليل في الحوزات العلمية بيّنها بأسلوب سلس من السهل الممتنع بحيث فهمها الجميع".

 

 

وقد استهلت أسرة المرجع الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) رسالتها وختمت بتقديم الشكر الجزيل لجميع الأخوة والأخوات الذين واسوا وعزوا والذين تحملوا عناء السفر والحضور الى مجالس العزاء التي أقيمت في العديد من بلدان العالم.

وتضمن المجلس التأبيني كلمة الشام التي شهدت مجالس العزاء في أكثر من مدينة, والكلمة كانت للأستاذ الشاعر صفوان البيضون حيث قال في مطلع قصيدته الموسومة بـ "أزهـار شيـراز":

شاءَ الإلهُ بأنْ تَشُدَّ رِكابــــــا                  مُتعجِلاً نحوَ السماءِ ذهابـــا

لولا القضاءُ ففي النفوسِ تساؤلٌ           يُدمي الفؤادَ ، ويستحيلُ جوابا

فَلِمَ هَرَعْتَ إلى الغيابِ مُبَكِّراً                   ولمََِ رحلْتَ مُيَتِماً أحبابـــــا

ما ملَّتِ الأبصارُ محرابَ السنا             بلْ خافَ أعداءُ السنا المحرابا

ما ملَّتِ الأكوابُ من صفوِ الندى         بلْ خافَ مَنْ كَرِهَ الندى الأكوابا

ما العذرُ أنْ تمضي وقلبُكَ يافعٌ          ويحَ اعتراضي إنْ شكا أو لابـــا

أجْهدْتَ عينَكَ بالسناءِ فلمْ تجدْ             برءً سوى أنْ تُطْبقَ الأهدابــــا

أمْ ضاقَ قلبُكَ بالعلومِ لوفرةٍ                 فتفجَرَ القلبُ الكبيرُ شهابــــــا

تشتاقُ أعتابَ الحسينِ فترتقي             ركْبَ النعوشِ ، مُيَمِماً أعتابـــا

منعتْكَ أسبابُ الحياةِ زيارةً              فاختَرْتَ أسبابَ الردى أسبابـــــا

ومن مملكة البحرين, كانت مشاركة قدمها فضيلة الشيخ جمال البحراني (دام عزه) الذي تحدث في كلمته عن "ملائكية" الفقيه السيد محمد رضا الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه) مشيراً الى السمو الإيماني والنفسي والأخلاقي للفقيد الراحل مؤكداً فضيلته على مراتب الورع والتقوى الرفيعة التي يتمتع بها (قدس سره), وفي نفس الوقت, فقد بين فضيلة الشيخ البحراني وعبر سرده لعدد من المشاهدات الشخصية والمروية كلها تؤكد في بيان واضح وقاطع على أن السيد محمد رضا الشيرازي آية في التواضع مثلما هو آية في الفقه.

وكانت كلمة الختام والمجلس الحسيني لفضيلة الخطيب الشيخ فاضل الحيدري (دام عزه) حيث ابتدأ حديثه بالآية الشريفة: " مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مّن قَضَىَ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُواْ تَبْدِيلاً" الأحزاب/23, وذكر فضيلته الفقيد الراحل ومصاحبته له منذ الطفولة في مدارس القرآن الكريم في مدينة كربلاء المقدسة حيث تربى (قدس سره) في ظل والده الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) وتهذّب بأدبه وتعلّم من أخلاقه وعلمه, وقد حفظ القرآن الكريم كاملاً وهو في السابعة من عمره, وقد عوده والده وهو في السنة الثالثة من عمره على القيام لصلاة الليل حيث تعهدها منذ ذلك الوقت وحتى  ليلة رحيله من عالم الدنيا إلى عالم الملكوت.

 

 

وأشار فضيلة الشيخ الحيدري الى بداية الفقيه الراحل العلمية حيث التحق بالحوزة العلمية في كربلاء المقدسة, ودرس مقدمات العلوم الدينية لدى أساتذتها الكبار ثم هاجر بصحبة والده إلى الكويت, وذلك بعد الضغوط الكبيرة التي لاقته أسرة الإمام الشيرازي من قبل طغاة النظام البائد في العراق، وفي الكويت واصل دراسته العلمية فقرأ الرسائل والمكاسب على يد عمّه المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، ثم هاجر إلى إيران وحل بمدينة قم المقدسة حيث استمر في دراسة السطوح حتى أكملها، وبدأ دراسته العالية لدى والده الإمام الشيرازي الراحل وعمّه السيد المرجع (حفظه الله تعالى) وكبار فقهاء الحوزة فنال مرتبة الفقاهة والاجتهاد.

وقال الشيخ الحيدري: كان الفقيه الراحل من أساطين الأستاذة في حوزة قم المقدسة حيث بدأ بتدريس المقدمات والسطوح العالية، ومن عام 1408 هـ شرع بتدريس بحث الخارج في الفقه والأصول على فضلاء الحوزة، وكان مستمراً في تدريسه وعطائه العلمي حتى وافته المنية، وكان (رضوان الله تعالى عليه) قمة في الأخلاق    والتواضع، وقد تربّى على يديه العديد من التلامذة والفضلاء وهم اليوم أساتذة في الحوزات العلمية في مختلف أرجاء العالم، وقد ترك ما يقرب من خمسة آلاف العربي, وقد بث عدد منها عبر شاشة عدد من الفضائيات.

وفي ثنايا المجلس التأبيني وزع على الحضور كتاب (الإصلاح ما استطعت) الذي صدر في أربعينية الفقيد الراحل والذي تناول أهم محطات مراجع وعلماء الأسرة الشيرازية فيما يسلط أضواءه على حياة الفقيه الراحل (قدس سره) ورؤيته في التغيير والإصلاح الاجتماعي, والكتاب صادر عن مكتب سماحة المرجع الديني آية العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في دمشق. كما تم تغطية الاحتفال من قِبَل عدد من وسائل الإعلام الفضائية والالكترونية.