سماحة المرجع الشيرازي يؤكّد: لا وحدة بين المسلمين إلاّ بالتمسّك بالقرآن وأهل البيت

بمناسبة ذكرى مولد سيّد الكائنات مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وذكرى مولد حفيده ناشر علوم الإسلام مولانا الإمام جعفر الصادق صلوات الله عليه، ألقى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله كلمة قيّمة، خلال درسه في الفقه ـ بحث الخارج ـ كتاب الحجّ ـ في مسجد الإمام زين العابدين صلوات الله عليه بمدينة قم المقدّسة، صباح اليوم الاثنين الموافق للسادس عشر من شهر ربيع الأول 1434 للهجرة، إليكم ماجاء فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه الليلة هي ليلة ذكرى مولد فخر التاريخ، وأشرف الأولين والآخرين، وسيّد الأنبياء والمرسلين، نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، وذكرى مولد حفيده أبي عبد الله مولانا الإمام جعفر الصادق صلوات الله عليه.

اُبارك هاتين المناسبتين العظيمتين إلى السادة العلماء، والأساتذة، والوعّاظ، والمؤمنين الأعزّاء، وكذلك اُبارك لجميع المؤمنين والمؤمنات في أطراف الدنيا، وللضعفاء، وللفقراء، والمظلومين في العالم. وأسأل الله تعالى بتعجيله في فرج مولانا بقيّة الله الإمام المهدي الموعود صلوات الله عليه وعجّل في فرجه الشريف، أن يرفع ويزيل قريباً، عن المؤمنين والمؤمنات والمظلومين كافّة، المشاكل المليئة بالمصائب، في الدنيا كلّها، بالأخصّ في الدول الإسلامية.

وقال سماحته: إنّ تاريخ نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، الذي نقله أهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم، هو تاريخ فريد. وإنّ اسلوب النبيّ صلى الله عليه وآله، أي قوله وعمله، هو اسلوب فريد أيضاً. وإنّ نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، هو القمّة في كل الأبعاد الفضيلة. ويكفي دلالة على عظمة النبيّ صلى الله عليه وآله ما قاله مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «أنا عبد من عبيد محمد». مع ان القرآن الكريم قد وصف الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بأنه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله، بقوله عزّ من قائل في آية المباهلة: (وأنفسنا).

كما إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله، هو أنجح إنسان في التاريخ، بلا استثناء، ومن بعده مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه هو الأنجح في التاريخ أيضاً، لأنه اتّبع النبيّ صلى الله عليه وآله. وإنّ المئات والمئات من الكفّار والملحدين قد أقرّوا بعظمة النبيّ صلى الله عليه وآله، ولو أردنا جمع تلك الإقرارات لملأ ذلك موسوعات وموسوعات.

وبيّن سماحته: نعم إنّ التاريخ الذي نسبه جمع من الأصحاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، من وصفهم القرآن الكريم بالمنافقين وأنزل سورة كاملة في ذمّهم، هذا التاريخ ليس التاريخ الحقيقي عن النبيّ صلى الله عليه وآله، بل فيه الكذب، والتناقض مع ما وصفه القرآن الكريم لنبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله.

وحول عظمة النبيّ صلى الله عليه وآله، قال سماحته: أنقل لكم عبارة من القرآن وكلمة عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بخصوص عظمة رسول الله صلى الله عليه وآله. فقد قال القرآن الكريم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ) آل عمران: 159. وقال الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «تأسّى متأسّ بنبيّه». هذا جانب.

الجانب الآخر: إنّ من أهم المسائل في الدنيا هي الحكومة. وقد حكم النبيّ صلى الله عليه وآله في وضع كان صعباً وعسيراً جدّاً، ولكن لم تؤخذ عليه صلى الله عليه وآله، حتى نقطة ضعف واحدة من قبل الأعداء. وأما ما ذكره بعض من ينتمون إلى الإسلام في كتبهم فهو الكذب، بل إنهم كذبوا حتى على الله سبحانه، ككذبهم بأن الله له جسم، ويجلس على كرسي من خشب، ويهتز الكرسي، وغيرها. والنبيّ صلى الله عليه وآله أكّد ذلك، حيث قال: «كثرت عليّ الكذّابة، وستكثر من بعدي».

وأضاف سماحته: فكل حكومة عادةً لها مشكلتان: إحداهما: الطغيان. بأن يصير حاكمها طاغية، كما خاطبت السيّدة زينب الكبرى سلام الله عليها يزيد بذلك. فالحاكم عندما يصير طاغية يصبح عنيفاً وخشناً وقسيّ القلب.

ولكن النبيّ صلى الله عليه وآله مع غض النظر عن عصمته التي نعتقد نحن بواقعيتها، لن يمكن أن تنسب إليه صلى الله عليه وآله حتى حالة واحدة من الطغيان ولو قيد شعرة، وذلك لأنه كان (ليناً) كما وصفه القرآن الكريم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ) آل عمران: 159.

إنّ لين النبيّ صلى الله عليه وآله في تعامله، في أيام حكومته، هي من معاجزه الكبرى. والقرآن يقول: (لَقَدْ كَانَ  لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الاحزاب:21. وهذا خطاب موجّه للبشرية كافّة وليس للمسلمين فقط، وبالأخصّ للحكّام. وكذلك قال الإمام أمير المؤمنين: تأسّى متأسّ بنبيّه.

وأشار سماحته إلى نماذج من الاسلوب العظيم والفريد للنبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله، وقال: لقد حفظ التاريخ عن النبيّ صلى الله عليه وآله، قصصاً مختلفة، أنقل لكم بعضها، وحاولوا أن تقارنوها مع الواقع اليوم، ومع ما سمعتموه وشاهدتموه في دنيا اليوم عن الحكّام، سواء في الحكومات الإسلامية وغير الإسلامية، ولكي تعرفوا أنه لماذا بقيت حكومة نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله مشرقة وخالدة، مع كل ما رافقها من المشكلات والمنعطفات، ولماذا زالت وتزول باقي الحكومات في دنيا اليوم، بتاريخ مليء بالفظاعة والمظالم الكثيرة، كما حدث لحكومة بني امية وبني مروان وبني العباس وغيرهم ممن حكموا باسم الإسلام، وغيرهم من الحكومات الاُخر. فسبب زوال كل تلك الحكومات هو الطغيان.

جاء في التاريخ ان النبيّ صلى الله عليه وآله كان راجعاً من الحجّ، وكان أمامه ـ عقبة ـ المرور في طريق ضيق حيث كان في أحد أطراف هذا الطريق الجبال وبطرفه الآخر واد عميق. ووصل النبيّ هذا الطريق مساء، وكان الجو مظلماً، وكان مع النبيّ صلى الله عليه وآله حذيفة وسلمان وعمّار رضوان الله عليهم، فأمرهم أن يطلبوا من الناس الذين رافقوا النبيّ، أن يتوقفوا فعلاً حتى يأذنوا لهم بالعبور بعد مرور النبيّ صلى الله عليه وآله من هذه العقبة. فتآمر جمع من المنافقين من الأصحاب بأن يكمنوا في أعلى الجبال، ويقوموا بدحرجة دباب محشّاة بالحصيات عند وصول النبيّ صلى الله عليه وآله في هذا الطريق، كي ينفر الجمل الذي يحمل النبيّ, ويؤدّي إلى سقوط النبيّ صلى الله عليه وآله في الوادي، وبالتالي يؤدّي إلى موت النبيّ صلى الله عليه وآله! وهذا ما نقرأه في الدعاء الشريف: «ودباب دحرجوها». ولكن الله تعالى كان للمنافقين بالمرصاد، وأفشل محاولتهم اغتيال النبيّ صلى الله عليه وآله، وأنجى نبيّه صلى الله عليه وآله. وقد عرف كل من حذيفة وسلمان وعمّار من قام بهذه المؤامرة حيث شاهدوهم عن قرب وعرفوهم من وجوههم.

ثم إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله غضّ الطرف عن أصحاب هذه المؤامرة ولم يفضحهم، أي انه صلى الله عليه وآله استعمل اللين مع الأعداء بالداخل، الأعداء الذين تظاهروا بالإسلام وأبطنوا النفاق. وهذا التعامل من النبيّ صلى الله عليه وآله يدلّ على العقل الكبير للنبيّ صلى الله عليه وآله. وهذه هي أخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله، أي الأخلاق ثم الحكومة. وليس كما يقال: الحكومة ثم الأخلاق، أو الحكومة مطلقاً وبلا أخلاق. فنبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله جعل الأخلاق هي أساس الحكومة.

وعقّب سماحته متسائلاً: انظروا إلى التاريخ وإلى دنيا اليوم، هل تجدون ولو حاكماً واحداً يتعرّض لمحاولة اغتيال ويقوم بالعفو عن صاحب المحاولة؟

وأشار سماحته إلى نموذج آخر من عفو النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله عن أعدائه، فقال: إنّ مصيبة عظمى أصابت النبيّ صلى الله عليه وآله، وكانت ثقيلة عليه، هي مصيبة استشهاد عمّه حمزة رضوان الله عليه. فقد قُتل حمزة قتلاً فظيعاً، كما في الرواية الشريفة عن الإمام زين العابدين صلوات الله عليه, حيث قال: «ما من يوم أشدّ على رسول الله صلى الله عليه وآله من يوم اُحد، قُتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطلب أسد الله واسد رسوله صلى الله عليه وآله». وكان قاتله وحشي بأمر من هند آكلة الأكباد. فأعلن النبيّ صلى الله عليه وآله بهدر دم قاتل حمزة. فقرّر وحشي أن يسلم بالظاهر فقط، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وترجّى العفو. فعفى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله.

وتساءل سماحته: لماذا عفا النبيّ صلى الله عليه وآله عن وحشي مع أنه صلى الله عليه وآله كان قد أمر بقتله؟

إنّ السبب هو لين النبيّ صلى الله عليه وآله. فلم يستعمل النبيّ صلى الله عليه وآله (القاطعية) كما يقال فيما أمر به من قتل وحشي، مع انه صلى الله عليه وآله لم يأمر بقتل وحشي اعتباطاً.

إنّ هذا التعامل من النبيّ صلى الله عليه وآله هو (اللين) الإلهي، بل إنّ عدم العفو هو السيّئ.

إنّ كل قول وتصرّف وعمل يخالف قول وعمل النبيّ صلى الله عليه وآله، فهو المدان.

وشدّد سماحته بقوله: من هذا المنطلق وبهذه المناسبة العظمى، ذكرى مولد نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله والإمام الصادق صلوات الله عليه، اُوجّه خطابين، واحد للأمة الإسلامية، سواء للحكومات ولغيرهم، وآخر لغير المسلمين. فأقول للمسلمين: خذوا الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وآله ـ لا من غيره ـ في كل مجال من الاقتصاد والسياسة والاجتماع والعائلة والفرد والأخلاق، وغير ذلك.

بل حتى الاتحاد الإسلامي فخذوه من رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: «كتاب الله وعترتي أهل بيتي». وهذا هو محور الاتحاد الإسلامي، الاتحاد في إطار (القرآن الكريم والعترة الطاهرة).

وعقّب سماحته بقوله: أنا شخصياً ومنذ أكثر من خمسين سنة أسمع بالوحدة الإسلامية وإلى يومنا هذا. ولكن لماذا لم تتحقّق ولم تتقدّم حتى خطوة واحدة؟

أتعرفون السبب؟

السبب هو عدم الالتزام والتمسّك بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو: القرآن الكريم وعترته الطاهرة. ولهذا نرى أنه لم تتحقق الفائدة المرجوّة من المطالبة والمناداة بهذا الاتحاد الإسلامي. وانظروا إلى وضع المسلمين، ترونه اسوأ مما مضى، فهو إلى الوراء دوماً.

وأكّد سماحته، موجّهاً خطابه للمسلمين كافّة: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً». فلا يصلح حال المسلمين إلاّ بهذين الشرطين. وسيكون وضعهم أسوأ ويبقون على هذه الحالة حتى إلى مائة سنة اخرى، ما لم يتمسّكوا بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله.

اعلموا إنّ الملاك والمعيار هو نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله ـ وما عمل به الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهو عين ما عمل به رسول الله صلى الله عليه وآله ـ فإن عملتم بذلك فستوفّقون.

وعن خطابه لغير المسلمين، قال سماحته: أما خطابي لغير المسلمين، فأقول: إن كنتم حقّاً تريدون معرفة الحقيقة، وأردتم أن تقرأوا شيئاً عن نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، أو تكتبوا عنه، وإن أردتم أن تعرفوا صلاة النبي وصومه وسياسته واقتصاده وأخلاقه، فخذوا ذلك من أهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم، من الإمام أمير المؤمنين والسيّدة الزهراء ومن الحسن والحسين ومن باقي الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم، لا من غيرهم، مهما كانوا. (فأهل البيت أدرى بما في البيت).

وعقّب سماحته، بقوله: إنّ سبب كل الكتابات والرسوم والإساءات التي صدرت في بلاد الغرب، تجاه مقام وشخصية رسول الله صلى الله عليه وآله، سببها وجذورها يعودان إلى ما كتبه غير أهل البيت صلوات الله عليهم عن النبيّ صلى الله عليه وآله.

ثم وجّه سماحة المرجع الشيرازي دام ظله خطابه إلى مراجع التقليد والفقهاء الأعلام، أدام الله ظلهم، وقال: تواضعاً وخضوعاً، أطلب من المقام الشامخ والمعظّم لمراجع التقليد الجامعين للشرائط، وهو: إذا أراد أهل الغرب وغيرهم أن يعرفوا شيئاً عن نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، فمن أين يمكنهم ذلك؟ فالكتب والمجلاّت ووسائل الإعلام الموجودة ـ من إذاعات وتلفزات وفضائيات ـ اليوم معظمها تنقل عن النبيّ صلى الله عليه وآله مستنداً إلى غير أهل البيت صلوات الله عليهم. فقد سمعت ان حكومة إحدى الدول الإسلامية قامت بصرف الكثير من الأموال في ترجمة كتاب تاريخ الطبري إلى الإنجليزية وطبعته بلا أيّ تعليق عليه. أي طبعوه بما فيه. مع إنّ تاريخ الطبري مليء بالباطل تجاه أهل البيت صلوات الله عليهم. فالطبري هو أوّل من كتب بأن الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا  لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى‏ حَتَّى‏ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) النساء: 43, بأنها قد نزلت بحقّ عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه, والعياذ بالله!!! ومنه أخذ صاحب الدر المنثور وغيره. ولا شكّ أن الطبري كتب ذلك كذباً وزوراً. فكيف ستكون إذاً نظرة ورؤية الغربيين للإمام عليّ صلوات الله عليه وهو نفس النبيّ صلى الله عليه وآله بنصّ القرآن الحكيم، عندما يقرأون مثل هذه الأكاذيب والموضوعات؟

فمن عليه أن يقوم بملئ هذا الفراغ؟

وأكّد سماحته: إنّ مراجع التقليد الجامعين للشرائط هم الأفضل في هذا المجال، بالأخصّ المراجع الذين لهم الكثير من المقلّدين في العالم. فيجدر الاستفادة من كافّة وسائل الإعلام، بالأخصّ القنوات الفضائية، وهو لا شكّ واجب كفائي، وهو واجب على الجميع أيضاً، ولكن مراجع التقليد هم الأولى بهذا، لأنهم أكثر اتّباعاً للنبيّ ولأهل البيت صلوات الله عليهم. حتى تعرف البشرية الصورة المشرقة والحقيقة لرسول الله صلى الله عليه وآله التي بيّنها العترة الطاهرة صلوات الله عليهم.

وختم سماحة المرجع الشيرازي دام ظله كلمته القيّمة بقوله: أسأل الله تبارك وتعالى أن يعجّل في فرج مولانا بقيّة الله الإمام المهدي الموعود صلوات الله عليه وعجّل في فرجه الشريف، وأن يرفع ويزيل كل المشاكل، قريباً وكاملاً. وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين.