الثالث والعشرون من محرم الحرام ذكرى تفجيرات سامراء الفاجعة

  alshirazi.net

 

مدينة بين شكر المنعم ونكران الجميل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد: الثالث والعشرون من شهر محرم الحرام ذكرى الفاجعة الأليمة والاعتداء الآثم على المرقد الطاهر للإمامين الهمامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السلام في مدينة سامراء المشرفة عام 1427 للهجرة.

 

تمهيد واستهلال:

إن شكر المنعم من أوجب الفروض الإلهية ويتم ذلك بطرق عدة منها المحافظة على النعمة والخضوع للمنعم وكسب رضاه سبحانه، وفي كثير من الأحيان تكون تلك النعمة مناط ابتلاء وامتحان وليعلم من يشكر ومن يكفر، ومن ابرز النعم ـ والتي لا يشعر بها العبد إلا بعد أن يفقدها ـ نعمة الأمان وما جرى على العراق خلال العقود الأخيرة لهو المثال الأوضح لما تقدم، وما حصل إلا نتيجة ابتعاد المجتمع عن شريعة السماء ومسلك الأنبياء وهدى الأولياء فمن تخلف عن النهج القويم والصراط المستقيم ورسالة خاتم النبيين وأوصياءه المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين ظل الطريق وورث الهوان والذل، فإنهم سفن النجاة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إن أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى» الوسائل: ج27 ص34.

إن الله سبحانه انعم على الأمة برسوله وآل بيته فالواجب شكر الله على نعمه فما دام رسول الله بين ظهرانينا لا نعذب قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) سورة الأنفال: الآية 33.

 

 أظهار النعم:

إن الله سبحانه وتعالى يحب إذا انعم نعمةً أن يراها ظاهرة على عبده ممتن لله سبحانه بذلك لا أن يهينها وينقص قدرها فان فعل ذلك فضلا عن ذم العقلاء لهكذا عمل فمن يفعل لا يلومن إلا نفسه.

هذا ما يخص سائر النعم، ويزداد الأمر أهمية كلما ازدادت ألنعمة قيمةً بل إن من النعم ماهو مقدس، أليس وجود ذات الرسول صلى الله عليه وآله نعمة مقدسة ومن فوائد وجوده كما تقدم إحلال الأمن ودفع البلاء ومن يتصفح التاريخ ينبهر بما حبا الله سبحانه وتعالى به أهل المدينة المنورة بعد أن نزلها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وما حلّ بها بعد أن ضيع أهلها امتداد الرسول صلى الله عليه وآله، المتمثل بآله المعصومين عليهم السلام وتخلفهم عن نصرتهم ومن ابرز العقوبات التي حلّت بهم أنهم ذلوا وهانوا حينما أبيحت المدينة في عهد يزيد بن معاوية لعنهما الله فسفكت الدماء وهتكت الأعراض وحدث ما حدث.

 

  نعمة أهل البيت عليهم السلام:

خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله المعصومون هم الامتداد الطبيعي ـ وبالجعل والتنصيب الإلهي ـ للوجود النبوي المقدس، وبموالاتهم تمت النعمة واكتملت الشريعة ولهم الولاية العظمى والنعمة الكبرى على أهل الأرض هم الأمان الذي لا ينبغي الغفلة عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب آل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون» تفسير البرهان:1/383 الحديث 11.

ولعمري إن في قوله صلى الله عليه وآله أهل الأرض أي جميع أهلها مسلميها وغيرهم بل كل ما عليها فأهل البيت سلام الله عليهم لجميع الناس شرط معرفه فضلهم ومكانتهم والاستفادة منهم وهم الشهداء عند ربهم يرزقون، نؤمن بأنهم يسمعون الكلام ويردون السلام.

  

سامراء والنعمة الإلهية:

قال الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام: «قبري بسر من رأى أمان لأهل الجانبين» التذكرة ج8 صـ455.

وقد فسر المجلسي الأول رضوان الله عليه «أهل الجانبين» بالشيعة وأبناء العامة.

إن من اكبر النعم الإلهية على أهل الأرض عموماً ولأهل سامراء على وجه الخصوص الوجود المبارك للمرقد المقدس للإمامين الهمامين الهادي والعسكري صلوات الله عليهما وآبائهم.

فالواجب كما تقدم أبداء شكر المنعم ومعرفه حقهما وعدم الرضا بالإهانة العظمى التي ارتكبت بحق مرقدهما الطاهر فإن الراضي بفعل قوم مشارك لهم فيه وبخاصة إن هذا المرقد الطاهر مذكِّر العالم اجمع بالعدالة السماوية التي وعد الله سبحانه وتعالى عباده بتحقيقها وإظهار الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون ليعمّ الدين الحق الدنيا بأسرها.

إضافة إلى ذلك فإن  بيت الإمام الهادي عليه السلام هو رمز من الرموز الإسلامية المهمة والمذكّرة بوجود الإمام المهدي المنتظر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.

 شاء الله سبحانه وتعالى إن يكون هذا الرمز وسط أعداءه العباسيين الذين قتلوا وظلموا المؤمنين وامامهم، ورغم ذلك لم يتجرأ احد منهم على تهديم ذلك الرمز، إلا إن المجرمين وبعد أكثر من ألف ومائة وخمس وسبعين عاماً اعتدوا على المرقد المقدس وقاموا بجريمة بشعة بتفجيرهم المرقد المطهر، فمازالوا يحملون الحقد الدفين، والكفر بأنعم الله فيهم، وبذلك استحقوا العذاب في الدنيا والآخرة وإنهم ظلموا أنفسهم قبل أن يظلموا غيرهم قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) سورة إبراهيم: الآية 42.

 

خلود سامراء برموزها:

اسم سامراء من الأسماء الآرامية المنتهية بحرف الالف المقصورة على نحو كربلاء وبعقوبا وغيرهما، ودخلت هذه الاسماء اللغة العربية فيما بعد وأضيفت لها الهمزة فأصبحت سامراء وكربلاء.

أما بالنسبة للتطور التاريخي، فيعود اكتشاف مدينة سامراء إلى عصور قديمة فقد ذكرها المؤرخ الروماني أميانس مرقلينس (320 – 390م) بصيغة (سومرا sumera) ونوه عنها المؤرخ اليوناني زوسيمس بصورة سوما (saoma) وفي التدوينات الآشورية جاء ذكر اسمها بصيغة (سرمارتا suurmrta) في حين ورد اسم سامراء في مصنفات السريان (شومرا).

وبعد ذلك في عهد المعتصم العباسي أمر ببناءها مجدداً، حيث قام ببناء القصور والدور وجلب للمدينة الجديدة أصناف الشجر المثمر من جميع البلدان فغرست البساتين في كل مكان. ولم تمضي زهاء ثلاث سنوات حتى أصبحت سامراء من المدن المهمة في عهد بني العباس وكان من ضمن العمران فيها أن شيد المعتصم ثكنات عسكرية لسكن (250) ألف جندي واصطبلات تستوعب (160) ألف حصان.

وفي عصر المعتز العباسي كثرت الاضطرابات في سامراء سنة 253هـ وصادف أن استشهد الإمام علي الهادي عليه السلام في سامراء وهو الخليفة الشرعي المنصّب من قبل الله سبحانه وتعالى وكان ذلك في السابع والعشرين من شهر جمادى الآخر سنة 254 هجرية فبعث المعتز بأخيه ابن أحمد المتوكل فصلى عليه «ظاهراً» في الشارع المعروف باسم شارع أبي أحمد وهو من شوارع سامراء الرئيسية آنذاك فلما كثر عدد الناس المشاركين في تشييع الإمام الهادي عليه السلام وكثر بكاؤهم واشتد على مفارقة الإمام عليه السلام، أصدر المعتز أمراً برد النعش إلى دار الإمام عليه السلام فدفن فيه، ومن ذلك اليوم أصبحت سامراء مهوى أفئدة المؤمنين ومقصدهم ينظرون إليها مدينة مقدسة ويقصدونها من كل حدب وصوب.  

 

إضافة: التاريخ يعيد نفسه..

تفيد بعض المعلومات التاريخية أن المعتصم لما وقع اختياره برغبة شديدة على موقع سامراء أمر بأن يستقل الأتراك من مماليكه في أماكن خاصة من المدينة وأمر أن لا يختلطوا بعناصر قد تفسد طاعتهم له وهلك المعتصم سنة 227 هجرية وتولى ولده هارون الواثق بعده وتوفى سنة 232 هجرية فارتقى المتوكل بن المعتصم وكان هذا قد أمر سنة 236 هجرية بهدم قبر الإمام الحسين بن علي عليه السلام في كربلاء وهدم ما يحيطه من منازل وأبنية ومنع الناس من زيارته مما يعتبر أن الكفرة موجودون في كل زمان، سواء كانوا في مناصب عُليا أو كانوا بين الناس العاديين إذ أن تعريض وانتهاك الرموز المقدسة والأضرحة الشريفة جريمة عظمى يقوم بها من يدعّي الإسلام زوراً وبهتاناً.

 

خاتمة ودعاء:

إن المنظور القرآني للظالم يحدّه بمن ارتكب أدنى ذنب فضلاً عن مرتكب جرمة كبرى كجريمة تفجير المرقد الطاهر فهو ظالم بل هو في قمة الظلم وكل من رضي بذلك فهو كذلك وكل من وقف حيال إعادة البناء واستمراره وتطويره فهو كذلك وذات الأمر ينطبق على كل من عرقل أو تباطئ أو ساوم على ذلك فقدم أي أمر على هذا الأمر الجلل.

وختاماً نذّكر مرة أخرى فيما ورد عن الإمام العسكري: «قبري بسر من رأى أمان لأهل الجانبين» التذكرة ج8 ص455.

ونعمة الأمان وضرورة التعايش السلمي حاجة ملحة للحياة السعيدة، فمن أرادها فليعمل لها وإلا فحياة الكره والبغضاء والحقد والتعصب الأعمى ليست بحياة حقيقةً.

 اللهم أرنا الطلعة البهية والغرة الحميدة وأكحل أبصارنا بنضرة منا إليه، اللهم انتقم من كل ظالم ظلم حق محمد وآل محمد من الأولين والآخرين، والحمد لله رب العالمين.