سماحة المرجع الشيرازي دام ظله لجمع من أهل العلم: المشاكل التي يتعرض لها الشيعة هي في مراحلها النهائية

:. أشار المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظلّه إلى الآية الشريفة التالية: (ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة) في توجيهاته القيّمة بجمع من أهل العلم، وقال: الشر، يشمل الصعوبات، والمشاكل، والأمراض الجسديّة والنفسيّة، والاضطرابات والأزمات الاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة. وقد جعل الله تعالى هذه المشاكل لاختبار وامتحان الناس. إلّا أنّ المشاكل اليوم تتفاوت وتختلف عن المشاكل الّتي كانت في الأزمنة السابقة.

وقال سماحته: هناك مطلب مهم يجب أن لا نغفل عنه وأن لا ننساه وهو أنّ الشيعة وعلى مرّ التاريخ وبالذات في زمن الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم وفي فترة حكم بني العبّاس كانوا يعانون من المشاكل والضغوطات السياسيّة، وقد استمرّت هذه المشاكل والصعوبات على الشيعة في العراق، حيث أنّ الشيعة قد ابتلوا بصدّام وظلمه، وقد واجهوا أنواع البلاء والمشاكل من قبله أيضاً. وهذه المشاكل مستمرة على الشيعة، بالخصوص على شيعة العراق منذ خمسين عاماً وإلى يومنا هذا.

وأوضح سماحته: أنا لا أتحدّث عن الغيب، ولكن استنتاجي وعقيدتي من هذا الأمر، هو أنّ المشاكل قد اقتربت من مراحلها النهائيّة، وذلك بالرغم ممّا نشهده في هذه الأيّام من مظالم ومصائب من الجماعات التكفيريّة .علماً بأنه جاء في الرواية الشريفة عن مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه في كتاب الكافي الشريف حول المصائب التي ابتلي بها المؤمنون من قبل أنهم: (كانوا ينشرون بالمناشير)، أي كانوا يقطّعون المؤمنين بالمنشار إرباً إرباً .ومن الممكن تحمّل سماع مثل هذا الأمر، لكنّه في الواقع يصيب الإنسان بالذهول والرعب. واستناداً إلى قول الإمام صلوات الله عليه، فإنّ المؤمنين كانوا متمسّكين بعقيدتهم إلى آخر رمق من حياتهم. فحقّاً كانوا يتحلّون بعزم وإرادة محكمة وقويّة.

وقال سماحته في جانب آخر من حديثه بأنّ: الإنسان عندما تواجهه الصعوبات، فيجب أن ينظر إلى صعوبات ومشاكل الآخرين، إذ أنّه في هذه الحالة ستصغر مشاكله بعينه، وسيمتنع عن الاعتراض والجزع لما أصابه.

ثمّ أشار سماحته إلى ظلم حزب البعث في العراق، وقال: لقد كنت شاهداً على بعض المشاكل والمصائب والجرائم الّتي ارتكبها حزب البعث. فعلى سبيل المثال قضيّة سجن أخي المرحوم، الشهيد السيّد حسن الشيرازي. فقد قام حزب البعث بإلقاء القبض عليه في الثاني من شهر ربيع الأوّل ولغاية شهر رجب، وافتقدنا الأخبار عنه لمدّة أربعة أشهر. وفي السادس عشر من شهر رجب وصلتنا رسالة منه، جاء فيها: (إنّي متواجد في سجن بعقوبة وتستطيعون المجيء لزيارتي). وقد قضى المرحوم أخي مدّة طويلة في السجن كانت قرابة عشرة أشهر. حيث أمضى حوالي أربعة أشهر في سجن قصر النهاية (المرعب)، ومدّة في سجن بعقوبة.

ثمّ أضاف سماحته: عندما ذهبت لرؤيته برفقة إخواني، كنت حينها متخفّياً عن الأنظار، بسبب صدور مذكّرة إلقاء القبض عليّ، فسألني الضابط البعثي: من أنت؟ وعندما عرّفته نفسي، قال: أخ العميل الأميركي!!! ثمّ دخلنا وانتظرنا هناك. وعندما جاء المرحوم أخي لم أستطع التعرّف عليه منذ الوهلة الأولى، وكذلك لم تستطع المرحومة والدتي أن تستوعب بأنّ هذا الشخص هو ولدها فعلاً، وذلك لتغيّر ملامحه الظاهريّة بسبب التعذيب.

كان المرحوم أخي يقول: يتمّ هنا تعريض السجناء إلى أنواع قاسية من التعذيب، وأصعبها وضع السجين من رجله إلى رقبته في حوض للمياه الثقيلة المحتوية على نجاسات وعذرات الإنسان. وبعدها يبدؤون بضربه بواسطة عصا خشبيّة على رأسه حتّى يفقد وعيه. وكان هدفهم من الإقدام على هذا الفعل الظالم هو الحصول على اعتراف من السجين وتوقيعه عليه. ولم يتحمّل الكثير من السجناء هذا النوع من التعذيب فاعترفوا وأقرّوا على أنفسهم بالإجبار ولكي ينجوا من هذا التعذيب. علماً بأن أعداد من السجناء تحمّلوا التعذيب ولم ينبسوا ببنت شفة. وكان هناك أسلوب آخر من أساليب التعذيب وقد استسلم له الجميع باسثناء شخص واحد وهو أنا. وهذا الأسلوب كان عبارة عن حقن الشخص بإبرة معيّنة تسبّب له حكّة في كلّ جسده، لكنّها لا تؤدّي به إلى الموت، وذلك لكي يشعر هذا الشخص بالألم المستمر. وعندما سألت المعذِّب عن الشيء الّذي يريد أن أعترف به، جاء إليّ بقائمة وكان اسمي مدرجاً فيها، وأراد أن أعترف وأقرّ بأني وجميع الأشخاص الواردة أسماؤهم في هذه القائمة لدينا ارتباط بأميركا وأنّنا نأخذ الأوامر والتعليمات منها.

وأضاف سماحته أيضاً: بناء على قول المرحوم أخي كانت تتضمّن تلك القائمة الأسماء التالية: آية الله العظمى الحاج السيّد محمّد الحسيني الشيرازي، وأولاد المرحوم آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم، وبعض أولاد المرحوم آية الله العظمى السيّد محمود الشاهرودي، والمرحوم آية الله العظمى الخوئي، والشيخ شريعت الباكستاني، والفلسفي الطهراني، وعدد آخر من العظماء، وغيرهم من الشخصيّات الشيعيّة الأخرى.

ثم واصل سماحة المرجع الشيرازي حديثه عن قضيّة سجن الشهيد آية الله السيّد حسن الشيرازي قدّس سرّه، وقال: من المثير للدهشة أنّ جميع من كان مسجوناً مع المرحوم أخي قد أعدموا إلاّ هو، وعاش بعد إطلاق سراحه من السجن عيشة مباركة خلال عشر سنوات، إذ أنّه خلال هذه السنوات العشر أسّس الحوزة العلميّة الزينبيّة (بجوار مرقد السيّدة زينب سلام الله عليها)، وألّف موسوعة (الكلمة)، وقدّم خدمات عديدة في القارة الأفريقية، وأسّس مدرسة الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف في بيروت في منطقة (برج البراجنة)، الّتي خرّجت مئات المبلّغين والعلماء، وهي ليومنا هذا تخدم الدين والمذهب.

وأردف سماحته: عندما يسمع الإنسان هذه المصائب والابتلاءات أو يقرأ عنها يفهم بأنّ الابتلاءات الّتي نشهدها اليوم لا تمثّل شيئاً قبال المشاكل التي عانى منها من كانوا قبلنا، وأنّها قابلة للتحمّل.

يقول القرآن الكريم: (ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة). لهذا فإنّ أيّ شيء يتعرّض له الإنسان، سواء كان خيراً أو شرّاً، فهو في الحقيقة يعتبر امتحاناً له.

وبيّن سماحة المرجع الشيرازي دام ظله بقوله: ورد في الرواية الشريفة بأنّه: أيّ شخص يحبس لأجل أهل البيت صلوات الله عليهم «لكلّ يوم فرحة إلى يوم القيامة، ولكلّ ضربة حوراء» أي لكلّ يوم يحبس فيه يعوّض عنه بفرحة إلى يوم القيامة، ولكلّ ضربة يتلقّاها له حوريّة عوضاً عن الضربة. (كامل الزيارات، ب 44، ح 2، ص 133و ص134). وقد أشار القرآن الكريم إلى الحسرة في يوم القيامة، الّتي لا يستثنى منها حتى الصالحين والمتّقين، لذا يجب علينا أن نعلم بأنّ الصعوبات الّتي نتعرّض لها في الدنيا تمنع عنّا الحسرة في يوم القيامة. وفي يومنا هذا إذا كنّا نواجه الصعوبات والمشاكل، فإنّ سبب ذلك يكمن في إيماننا ببعض معتقداتنا ولتمسّكنا بشعائر أهل البيت صلوات الله عليهم. ولا شكّ فإنّ أهل البيت صلوات الله عليهم، بعلوّ مقامهم وكرمهم، يثمّنون لنا هذه المواقف.

وقال سماحته: هنا أرى من المناسب بيان إحدى الوقائع، وهي: كان المرحوم آية الله العظمى البروجردي (الّذي كان المرجع الأعلى للشيعة في زمانه) في يوم من الأيّام متوجّها إلى الدرس، وإذا بطالب يعطيه رسالة. فقرأ السيد الرسالة وعلم بأنّ هذا الشخص بحاجة إلى المساعدة، فقال له: أنا الآن ذاهب إلى الدرس، فتعال إليّ بعد انتهاء الدرس لكي أنظر في حاجتك. فذهب ذلك الطالب معه إلى الدرس. وعلى الظاهر ان ذلك الطالب كان من الفضلاء، فخطر بباله إشكال وأراد أن يطرحه على السيّد البروجردي. فقال الطلبّة الّذين كانوا جالسين بجنبه: إنّ سمع السيّد ضعيف، فمن الأفضل لك أن تقف وتطرح إشكالك بصوت عال. فنهض هذا الطالب لكي يطرح إشكاله، لكنّ المرحوم البروجردي بمجرّد رؤيته لهذا الشخص تصوّر أنّه يريد أن يستغلّ الفرصة ويطلب منه حاجته مجدّداً، فقال له: عزيزي، قلت لك بأن تأتي بعد انتهاء الدرس لكي أنظر في حاجتك .فتألّم الطالب من هذا الموقف وجلس في مكانه. وبعد انتهاء الدرس قال بعض الطلبة للسيّد البروجردي: إنّ هذا الطالب كان يريد أن يطرح سؤالاً وإشكالاً، ولم يك يريد الحديث عن شيء آخر. ونقل أحد الأشخاص الحاضرين في ذلك الدرس بأنّ السيّد البروجردي حزن وتألّم كثيراً، فطلب ذلك الطالب عنده، فجاء واعتذر منه كثيراً. ثم أخذ الطالب إلى بيته وأعطاه هديّة كبيرة، حيث أعطاه 150 توماناً، علماً بأنّ المرتّب الشهري للطالب في ذلك الزمن كان 3 توماناً. ففرح ذلك الطالب واندهش من هذا المبلغ، وقال: لو كنت أعلم بأنّي سوف أحصل على هذا المبلغ من المال، لما حزنت من تصرّف السيّد الحاد معي، بل كنت أفرح لذلك.

وعقّب سماحته بقوله: هذا هو الجزاء الدنيوي للفعل غير الملائم. فالدنيا ليس لها أيّ قيمة عند الله تعالى، وقد ورد في الرواية الشريفة: «إنّ الله تعالى لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا، وإنّه لم ينظر إليها منذ خلقها». (جامع السعادات، ج 2، ص 27). فهذه الرواية الشريفة تبيّن بأنّ الله لا يعتني بالدنيا، وأنّ الله تعالى يتنفّر من الدنيا (في نفسها)، وأنّ الآخرة هي الّتي لها قيمة عند الله تعالى.

لهذا يجب على الإنسان أن يتأمّل في الجزاء الأخروي الّذي هيّأه الله تعالى للصابرين على مشاكل الدنيا وصعوباتها. وعلى الإنسان، في حال إبتلائه بالمشاكل والمصائب، أن يأخذ بعين الاعتبار المنافع الأخرويّة لهذه المشاكل والمصائب أيضاً.

وفي ختام حديثه دعا سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، الله تبارك وتعالى بالنصر للشيعة وخلاصهم من المظالم وبتعجيل ظهور مولانا المفدّى الإمام صاحب العصر والزمان أرواحنا له الفداء وعجّل الله تعالى في فرجه الشريف.