سادس وسابع أيام مجالس العزاء الحسيني في مكتب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

:. واصل مكتب سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في كربلاء المقدسة عقد مجالسه الحسينية بمناسبة ذكرى شهادة سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام لهذا العام 1435 هجرية ولليوم السادس والسابع على التوالي.

مجلس اليوم السادس استهل بتلاوة قرآنية معطّرة وقراءة زيارة عاشوراء المباركة، ليعتلي المنبر المبارك فضيلة الخطيب الشيخ ضياء الزبيدي مستمداً بحثه من قوله تعالى: (إِذْ قَالَ الْحَوارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّماءِ قَالَ اتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ*قَالُوا نُرِيدُ أَن نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) سورة المائدة: الآيتين 112و113.

وقد بحث عبرها مسألة مهمة في مسألة التشريع ـ على رأي بعض المذاهب الفقهية ـ وهي مسألة النخبة المحيطة بالرسول او النبي حيث ادعى البعض عدالة جميع الصحابة، لكن الواقع وكما اخبر القرآن الكريم ان مجرد الصحبة للنبي أو الرسول لا تعني أن الإنسان الكمال والعصمة وفي قصة المائدة خير شاهد على ذلك.

حيث قال: إن الحواريون وعددهم كما تذكر المصادر أثنى عشر حوارياً مثّلوا النخبة من أتباع كلمة الله وروحه عيسى بن مريم على نبينا وعليه السلام وكانوا تلاميذ له عليه السلام لا يفارقوه أبداً وقد عاهدوه على النصرة لذا سموا النصارى، ورغم ذلك نجدهم في مسألة المائدة يسيئون  له عليه السلام، فبعد إيمانهم وما رأوا من المعجزات على يديه من إحياء الموتى وشفاء الأكمه والأبرص بل خلق من الطين كهيئة الطير فأصبح طيراً بأذن الله تعالى لكن رغم ذلك طالبوا بمعجزة أخرى وهي إنزال المائدة وما كانت حججهم ـ كما اخبر القرآن العظيم هي:

أولاً/ نريد الأكل منها.

ثانياً/ لأجل أن تطمأن قلوبنا.

ثالثاً/ نعلم عبرها انك صادق.

رابعاً/ نكون على هذه المعجزة من الشاهدين.

إلا أن عيسى عليه السلام قال لهم: (قَالَ اتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ) فهل بعد الإيمان واليقين يكون الشك والتزلزل لتطالبوا بمعجزة تورثكم الاطمئنان.

وأضاف: كذلك نجد ان في أسلوب مخاطبتهم لرسول الله وكلمته منافاة للأدب حيث خاطبوه باسمه هكذا: (يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) فيما أدبنا القرآن العظيم قائلاً: (لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً) سورة النور: 63، ورغم ذلك نجد البعض كان غير مؤدب مع الرسول الأعظم صلى الله عليه واله قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) سورة الحجرات: 4.

وعليه فإن رسول الله صلى الله عليه واله كان يتأذى من أصحابه أكثر من أعدائه وهو القائل: «ما أُوذي نبيٌ مثلما أُذيت»، فهل يمكن أن نجعل من أقوام بعضهم مؤذي لرسول الله صلى الله عليه واله عدول على نحو الموجبة الكلية طبعاً لا.

كما وان هذا الأمر أي إيذاء النخبة والأصحاب جرى أيضاً مع الإمام الحسن عليه السلام حتى خاطبه البعض منهم ـ وكان من أصحابه ـ: «السلام عليك يا مذل المؤمنين» على إثر صلحه مع معاوية، لكن الأمر مختلف مع سيد الشهداء عليه السلام حيث قال: «لم اعلم أصحاباً خيراً من أصحابي»، ومن هنا اخذ بسرد بعض المواقف المشرّفة لأصحابه رضوان الله عليهم وكيف ضربوا أروع أمثلة الصمود العقائدي والتضحية في سبيل المبدأ حتى مضوا شهداء سعداء بالغين المراتب العالية واليوم يتمنى كل مؤمن أن يكون معهم حيث تخاطبهم الزيارة الشريفة: «يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً».

:. أما مجلس اليوم السابع فقد تحدث حول قوله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ  اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا  الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى‏ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) سورة النساء: 77.

فقد بحث ابتداءً حول الأسلوب القرآني ومخاطبة الرسول الأعظم صلى الله عليه واله مقرراً أنه الأسلوب المعروف: «إياك اعني واسمعي يا جاره»، والا فننا نجد الكثير من الآيات المهددة للرسول صلى الله عليه واله وهو فوق ذلك قال تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ*لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ*ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) سورة الحاقة: 44 إلى 46، والهدف من ذلك توعية المجتمع الإسلامي وتهديد الذين لا يعلمون مع الحث القرآني الشديد على التفكر والتدبر في القرآن من اجل ذلك قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى‏ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) سورة محمد: 24.

وأضاف مبيناً مستوى أتباع الرسول صلى الله عليه واله مؤكداً أنهم لم يكونوا على درجة واحدة فمنهم من كان يخشى القتال وعدم الصبر عليه ومنهم عكس ذلك لذا فالقرآن العظيم ضرب لهم الأمثال وبعثهم على التدبر في أصناف الخلق وممن معهم من الذين يخشون القتال ويطلبون من المسلمين عدم القتال وان يعتكفوا على العبادة فقط خوفاً من الناس لذا قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا  أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ  اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) بل كانوا يعترضون على الله سبحانه محتجين بضعفهم وأنهم بحاجة إلى وقت أطول من اجل أن يتقووا وكأنهم لا يؤمنون بحكمة الله حينما فرض عليهم القتال قالوا: (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا  الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ).

بعد ذلك تحدث حول الصنف الآخر من المسلمين المؤمنين الثابتين على الحق والمسلّمين لرسول الله صلى اله عليه واله ومصداقهم الأكمل أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي ملئ التاريخ بطولة وفخراً وبجهاده انتصر الإسلام وأذل الله رقاب الكفار بعد ان كان المسلمون قليلين أذلة قال تعالى واصفاً حال المسلمين في يوم بدر: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة آل عمران: 123.

 ومن ثم استطرد في بحث بطولات أمير المؤمنين عليه السلام وبطولات ومواقف المولى أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين عليهما السلام وما خلّد من مواقف يوم الطف في كربلاء الشهادة والتضحية والفداء، إلى أن استشهد سلام الله عليه ليصبح من سادة الشهداء ولينير الدرب للأجيال جيلا بعد جيل.