سماحة المرجع الشيرازي: من يعرقل الشعائر الحسينية أو يشكّك فيها يحرق تاريخه بيديه

   

:. توافدت الجماهير المؤمنة مساء يوم الخميس الموافق للعاشر من شهر محرّم الحرام 1432 للهجرة (ليلة الحادي عشر من محرّم) على بيت سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، لتقديم التعازي بمناسبة عاشوراء وليلة الوحشة «ليلة الغُربة على أهل البيت صلوات الله عليهم بعد استشهاد الإمام الحسين صلوات الله عليه»، فألقى سماحته كلمة قيّمة، إليكم نصّها الكامل:

بسم الله الرحمن الرحيم

عظّم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بالإمام أبي عبد الله الحسين صلوات الله عليه، وجعلنا الله وإيّاكم من الطالبين بثأره مع ولده الإمام المهدي من آل محمّد عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

ورد في الخبر أنّ السيدة زينب سلام الله عليها في اليوم الحادي عشر من شهر محرم الحرام سنة 61 للهجرة كانت تواسي الإمام زين العابدين صلوات الله عليه بعد استشهاد الإمام الحسين صلوات الله عليه وتحدّثه بالعهد الذي أخذه الله عزّ وجلّ على أهل البيت صلوات الله عليهم، والحال أنّه ـ أي الإمام السجاد صلوات الله عليه ـ كان عالماً بما جرى وما سيجري أكثر منها، ولكن حديثها كان من باب التذكير. ومن ضمن الكلام الذي ذكرته السيدة زينب سلام الله عليها للإمام السجاد صلوات الله عليه، قول النبي صلى الله عليه وآله: «وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء، لايُدرس أثره، ولا يعفو رسمه» (1).

وبيّن سماحته معنى (الطف) وقال: الطف إمّا هي اسم لأرض كربلاء أو اسم لخصوص البقعة التي استُشهد فيها الإمام الحسين صلوات الله عليه مع أهل بيته وأصحابه يوم العاشر من محرّم سنة 61 للهجرة.

أما معنى الطف لغةً: فهو المكيال الذي لم يكمل (2) ولكن من المقرّر أن يكمل، فيكون المراد من كلامه صلى الله عليه وآله أنّ استشهاد الإمام الحسين صلوات الله عليه لم تُختم زماناً ومكاناً، بل هي مستمرة إلى أن يظهر الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف وينتقم لدمه صلوات الله عليه، أو أنها ستستمر إلى يوم القيامة.

إنكم أيها الحضور الكرام من أهل الفضل، وفيكم المثقّفون والأساتذة والمفكّرون، فيجدر بكم أن تراجعوا المصادر التاريخية لتعرفوا حقيقة عاشوراء، وتأمّلوا في كلام الإمام الصادق صلوات الله عليه فيما يخصّ إحياء الشعائر الحسينية. ففي ثواب من يحيي شعيرة من شعائر الإمام الحسين صلوات الله عليه يقول الإمام الصادق صلوات الله عليه: «رُفِعَ لَهُ مِنَ الدَّرَجَاتِ مَا لا يَنَالُهُ الْمُتَشَحِّطُ فِي دَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (3).

وعقّب سماحته موضّحاً: إن من يشارك في حرب مشروعة بإخلاص ـ كالقتال بين يدي المعصوم صلوات الله عليه أو تالي تلو المعصوم ـ ويُقتل يقال له: متشحط بدمه في سبيل الله، علماً أنّ من المتشحطين بدمائهم في سبيل الله أصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذين قاتلوا معه واستشهدوا في معركة بدر وأُحد وحنين. ومعنى كلام الإمام الصادق صلوات الله عليه أن الذي يقوم بإحياء ولو شعيرة واحدة من شعائر الإمام الحسين صلوات الله عليه فمقامه أعلى من مقام الذي استشهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، وأعلى من مقام الذي استشهد بين يدي الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ولا يخفى انّ الإمام الصادق صلوات الله عليه لايبالغ في كلامه، بل إنّ كلام المعصوم حجّة، لذا فقوله صلوات الله عليه: «ما لا يناله المتشحّط في سبيل الله»، يكشف عن إحدى الخصائص الحسينية العظيمة.

لقد نقل الأخ المرجع الراحل أعلى الله درجاته في تأليفاته الفقهية بمناسبة ما، وكذلك ذكر نجله الفقيه الفقيد السيد محمد رضا أعلى الله درجاته في محاضراته، تلك الرواية أكثر من مرّة، وتعرّضا إلى مضامينها الرفيعة، وذكروا أنّ تلك الرواية تبيّن خصيصة من خصائص الإمام الحسين صلوات الله عليه لا نجدها لسائر المعصومين صلوات الله عليهم.

بالطبع ليس المراد مما ذكرناه آنفاً أنّ مقام الإمام الحسين أعظم من مقام المعصومين الأربعة السابقين له صلوات الله عليهم أجمعين، لأن الإمام الحسين صلوات الله عليه قد صرّح أنه ما خرج إلاّ لكي يسير بسيرة جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وبسيرة أبيه الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وفي موضع آخر قال صلوات الله عليه: «جدّي خير منّي، وأبي خير منّي، وأمّي خير منّي، وأخي خير منّي»(4)، وإنما المراد أنّ الله اختص الإمام الحسين صلوات الله عليه بخصائص لم يجعلها لباقي المعصومين صلوات الله عليهم.

وفي السياق نفسه ذكر سماحته رواية أخرى تبيّن عظمة مقام من يحيي الشعائر الحسينية، وقال:

إن العديد من محدّثي الشيعة وعلمائهم عدّوا كتاب «الكامل في الزيارات» من أصحّ الكتب، حتى أصحّ من كتاب «الكافي»، فهو ـ أي الكامل في الزيارات ـ خلاصة عمر ابن قولويه أستاذ الشيخ المفيد قدّس سرّه، ومدفون جنب مرقد الشيخ المفيد، أي على بعد أمتار من المرقد الطاهر للإمامين الجوادين صلوات الله عليهما، ولكن بعض الأشخاص في الدول الإسلامية نراهم ينقلون الكثير عن العديد من الكتب بما فيها من كتب غير المسلمين، لكنهم قليلاً ما ينقلون عن هذا الكتاب، أو لا ينقلون عنه أصلاً، وهذا مما يدعو إلى الأسف.

في هذا الكتاب الشريف يقول الإمام الصادق صلوات الله عليه حول من يحيي شعيرة من الشعائر الحسينية إذا سمع بشارة الملائكة له: «لأقَمْتَ عِنْدَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ صلوات الله عليه»(5)، مع العلم بأن السلطات الجائرة آنذاك ـ وهم الأمويون والعباسيون وشرطتهم ـ كانت تتربص بالزوّار لتفتك بهم، ولكن مع ذلك كله كان الإمام الصادق صلوات الله عليه يحثّ ويشجّع على زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه، لما لهذه الزيارة من الأجر العظيم، والمقام الرفيع عند الله تعالى.

وفي الخبر أنّ الإمام الهادي صلوات الله عليه مرض أيام إقامته في سامراء- وربما كان في أيام المتوكل- فأعطى لأحد أصحابه مالاً وأمره بأن يبعث به أحد الأشخاص إلى كربلاء ليدعو له عند قبر الإمام الحسين صلوات الله عليه، كما روى أبو هاشم الجعفري حيث قال: «دخلت على أبي الحسن علي بن محمد صلوات الله عليهم وهو محموم عليل، فقال لي: ياأبا هاشم ابعث رجلاً من موالينا إلى الحائر يدعو الله لي، فخرجت من عنده فاستقبلني علي بن بلال فأعلمته ما قال لي وسألته أن يكون الرجل الذي يخرج، فقال: السمع والطاعة ولكنني أقول إنه أفضل من الحائر إذ كان بمنزلة من في الحائر، ودعاؤه لنفسه أفضل من دعائي له بالحائر، فأعلمته صلوات الله عليه ما قال، فقال لي: قل له كان رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل من البيت والحجر وكان يطوف بالبيت ويستلم الحجر وإن لله تعالى بقاعاً يحبّ أن يُدعى فيها فيستجيب لمن دعاه، والحائر منها»(6).

إذن ألا يدل ما طلبه الإمام الهادي صلوات الله عليه ـ وهو حجّة الله على الخلق ـ على ما اختص الله به الإمام الحسين دون بقية المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وهي إجابة الدعاء عند مرقده الطاهر وتحت قبّته الشريفة؟

بعدها تطرّق المرجع الشيرازي في كلمته إلى الحديث عمن يحارب الشعائر الحسينية أو يسعى في عرقلتها أو منعها أو التشكيك فيها وقال:

بعد أن أشرنا إلى ثواب إحياء الشعائر تعالوا لننظر ماذا صنع الله عزّ وجلّ بأعداء الإمام الحسين صلوات الله عليه. ففي تفسير الإمام العسكري صلوات الله عليه نقرأ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله دعا الله تعالى وقال: «ألا ولعن الله قتلة الحسين ومحبّيهم وناصريهم، والساكتين عن لعنهم»(7).

إنني لم أجد انّ رسول الله صلى الله عليه وآله دعا على أحد بمثل ذلك في غير قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه. وهذا الحديث له إطلاق، أي يشمل من لا يلعن قاتل الإمام الحسين كابن العربي الذي يدّعي الاحتياط في لعن يزيد، ويشمل كذلك من يسكت عن لعن قتلة الإمام الحسين صلوات الله عليه، وكذلك يشمل كل من يحارب الشعائر الحسينية كالمتوكل العباسي.

ذكرت الروايات الشريفة عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه ذكر أحوال سلاطين بني العباس، وقال عن المتوكّل: «وعاشرهم أكفرهم»(8)، ولكن مع ذلك يصرّح ابن عربي في كتابه (الفتوحات المكية) أنّ مجموعة من الحكّام كانت لهم الخلافة الظاهرية والباطنية، ومنهم رسول الله صلى الله عليه وآله، ومنهم المتوكل العباسي!!!

لعمري إن ابن عربي بقوله هذا يريد إضلال من؟؟؟

علماً أنّ الكثير قد انخدعوا به، ولكن هل يعذرون على ذلك؟

إن مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله يلعن الساكت عن قتلة الإمام الحسين صلوات الله عليه، لكن ابن عربي يصرّح أنّ مثل المتوكل خليفة الله ظاهراً وباطناً؟!

لذلك ينبغي لنا أن لا نستغرب وأن لا نتعجّب من إعراض الكفّار - الذين بلغ عددهم اليوم خمسة مليارات وفيهم المثقفون والعلماء- عن الإسلام، لأنّ الإعلام المضلّل والمغرض يعرض لهم سيرة أمثال المتوكل ويصفهم بأنهم خلفاء لله عزّ وجلّ، فإذا كان حال الذين حكموا ويحكمون باسم الإسلام كحال المتوكل، فهل من المعقول أن يقبل الكفّار بالإسلام كدين لهم ويعتنقونه؟

وأضاف سماحته: إن المتوكّل تأسّى بأبيه هارون في الإجرام والظلم والفساد، فمنع زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه، وكان يحبس ويعذّب ويقتل كل من يذهب إلى زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه، حيث كان قد أعلن أنّ من زار الإمام الحسين صلوات الله عليه أودعناه في الحبس (المُطبق)، وهو سجن كان تحت الأرض، وكان فيه بئر عميق لا يرى فيه النور، وكان السجين الذي يودع في هذا السجن لا يُسأل عنه سواء عاش أو مرض أو مات، وكان السجين يعلّق من رجليه أو يديه داخل البئر الموجود في ذلك السجن أياماً طويلة، إذا اعترض على سوء المعاملة. وذكر التاريخ انه بعد هلاك المتوكل فُتحت أبواب ذلك السجن فعُثر على بعض السجناء أحياء وكانوا يشبهون الحيوانات حيث غطّى الشعر كلّ بدنهم.

وأردف سماحته: مع كل تلك الجرائم والمظالم التي لحقت بالمؤمنين في زمن المتوكّل وزمن من كان قبله وبعده، لم يتخل زوّار الإمام الحسين صلوات الله عليه عن الزيارة. فقد شاء الله عزّ وجلّ أن تقام شعائر الإمام الحسين صلوات الله عليه مهما كان الثمن، ومهما كثرت الاعتراضات.

إن البعض وجرّاء الأعمال الإرهابية في العراق كالتفجيرات، يفتي بحرمة الذهاب إلى كربلاء والعياذ بالله، في حين أننا نسمع من وسائل الإعلام ونقرأ في الصحف المحلية أنه في طريق زيارة الإمام الرضا صلوات الله عليه يموت الكثير من الزائرين إثر حوادث الاصطدام وغيرها، فهل من الصحيح الإفتاء بحرمة الذهاب إلى زيارة الإمام الرضا صلوات الله عليه؟!

لقد أبى الله تعالى إلاّ أن يعاقب أعداء الإمام الحسين صلوات الله عليه، فبعضهم يلاقون عقابهم في الدنيا، وحال هؤلاء أَهْوَن لأنّ الدنيا تنتهي على كل حال، أمّا الذين يؤخّر الله عقابهم للآخرة فهؤلاء يصعب أمرهم لأنّ عالم الآخرة عالم البقاء والخلود.

إني رأيت صورة للبهلوي الأول (رضا شاه) في صحيفة (إطلاعات) الإيرانية الصادرة في إحدى أيام بداية حكمه، وكان قد لطّخ هامته بالطين وهو يتقدّم المعزّين، ولكن هذا الشخص وبعد أن استتب له الحكم بدأ يحارب الشعائر الحسينية الواحدة تلو الآخرى.

هنا أذكر لكم واحدة من محاولات البهلوي الأول في محاربته للشعائر الحسينية التي رأيتها بنفسي شخصياً. فقبل سبع وخمسين سنة تقريباً قضيت كل شهر محرّم الحرام في مدينة مشهد المقدسة، وفي صباح اليوم العاشر ذهبت لزيارة الإمام الرضا صلوات الله عليه، وكانت حكومة البهلوي قد منعت في تلك السنة إحياء إحدى شعائر الإمام الحسين صلوات الله عليه، ولما دخلت الصحن الشريف وبالتحديد (صحن العتيق) رأيت أمراً غريباً وخلافاً لما هو معهود في سائر الأيام وهو حضور العديد من الشرطة، ولما سألت عن السبب، قيل لي: إنّ البعض يريدون أن يقيموا تلك الشعيرة التي منعتها الحكومة وهؤلاء الشرطة حضروا ليمنعوا إقامتها، وفي هذه الأثناء رأيت جموع المعزّين يقبلون مهرولين وهم يهتفون برفيع أصواتهم: واحسين..واحسين، فتوجّه الشرطة إليهم، وعندما رأى المعزّون توجّه الشرطة نحوهم توجهوا هم إلى الشرطة أيضاً، فإذا بالشرطة ينهزمون ولاذوا بالفرار، ثم تركهم المعزّون وأقاموا تلك الشعيرة وبعدها تفرّقوا.

كما كتب لي بعض المؤمنين قبل أيام من إحدى البلاد المجاورة رسالة شكا فيها من حكومة بلاده التي حدّدت إقامة بعض شعائر الإمام الحسين صلوات الله عليه في ساعات معينة فحسب.

هنا أتساءل: ياترى: أين صار حكم البهلوي الأول؟ وأين صارت دولته التي منعت شعائر الإمام الحسين صلوات الله عليه؟ وأين صار شرطته؟ وأين صار المعزّون؟

إن جواب ذلك هو قول الله تعالى: «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ»(9).

قد يتسنّى للبهلوي ومن على شاكلته ولفترة زمنية أن يعرقلوا أو يمنعوا بالقوة وببطش السلاح بعض الشعائر الحسينية، ولكن هل يمكنهم محوها؟

إن الشعائر والقضية الحسينية لو كانت تمحى بالقوة لمحاها هارون والمتوكّل العباسي، ولمحاها البعثيون. فقد حارب البعثيون في العراق شعائر الإمام الحسين صلوات الله عليه ثلاثين عاماً، والله يعلم كم عدد الذين قتلوا وعذّبوا من أجل الشعائر الحسينية، وكم من الدماء أريقت من أجل ذلك؟ حيث لازالت إلى ساعتنا هذه تكتشف المقابر الجماعية في العراق...ومع ذلك أين هم البعثيون؟

إن العزاء على الإمام الحسين صلوات الله عليه انتشر وينتشر في العالم كله، ففي إستراليا وقبل ثلاثين سنة لم تكن هناك حتى حسينية واحدة، أمّا اليوم فهناك العديد من الحسينيات، وفي أميركا يقام العزاء الحسيني قرب البيت الأبيض، وفي روسيا يقام العزاء الحسيني قرب الكرملين.

بل إنّ العزاء على مصاب الإمام الحسين صلوات الله عليه يقام في الجنة، ففي زيارة الناحية المقدّسة يقول مولانا الإمام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف: «ولطمت عليك الحور العين»(10). وهذه من الاستثناءات التي جعلها الله تعالى للقضية الحسينية المقدّسة. ومن هذه الاستثناءات أيضاً أنه:

ذكرت كتب الفقه أنّ من جملة المحرّمات خمش الإنسان وجهه على فقدان عزيز له، وذكرت الرسائل العملية أن لهذا الفعل كفّارة، أمّا خدش الوجه على مصاب الإمام الحسين صلوات الله عليه فقد ذكرت الروايات الشريفة باستحبابه. فما سرّ هذا الاستثناء الذي يجعل الحرام مستحبّاً، بل وفي بعض الأحيان وبالعنوان الثانوي يصبح واجباًكفائياً أو عينياً؟!

إن الميرزا النائيني قدّس سرّه وجرّاء بعض الأحداث التي وقعت في مدينة النجف الأشرف أصدر فتواه الشهيرة بخصوص الشعائر الحسينية وتبعه على ذلك تلامذته وتلامذة تلامذته، وإلى عهدنا الحالي، حيث أيّد الكثير من الفقهاء فتوى النائيني، ومنهم الأخ المرجع الراحل أعلى الله درجاته، وقد جيء لي بالفتوى المذكورة قبل سنين، وأفتخر بأنني أيّدت تلك الفتوى. وحول ذلك ذكر صاحب موسوعة «أعيان الشيعة» في الجزء العاشر منها أنّه شاع في النجف الأشرف حينها أنّ بعض الشعائر غير جائزة. وكان ممّا ذكره السيد الأمين رحمه الله أنه قال: ذكر لي شخص بأنه شاع في النجف الأشرف أنّ المؤيدين للشعائر كانوا يسمّون بالعلويين، بينما صار المخالفون للشعائر يسمّون بالأمويين، وأنا منهم!

وتساءل سماحته: إن ذلك الشخص الذي نقل لصاحب أعيان الشيعة ما جرى في النجف الأشرف كان يصلّي وكان يصوم أي كان متديّناً وكان مثقّفاً وصاحب مؤلّفات وأنا شخصياً أعرفه ورأيته عن قرب، لكن لماذا صرّح بقوله: (وأنا منهم أي من الأمويين)؟ وإن كان لا يقصد بأنه في الواقع من بني أمية. وما الذي حدا به لأن يقول تلك الكلمتين؟ وما ومن الذي جعله يكتبها بقلمه؟

أليس بقوله هاتين الكلمتين قد حرق تاريخه بيديه؟!

أقول في الجواب عن هذا التساؤل: هذه من استثناءات القضية الحسينية.

إنني أشكر الله تعالى على أنني منذ أن فتحت عينيّ على الدنيا فتحتهما على هذا الطريق، أي طريق تعلّم علوم أهل البيت صلوات الله عليهم والأخذ عنهم لا من غيرهم، وتعلّمت وأخذت من الفقهاء العظام والعلماء الكبار رحمهم الله تعالى الذين أخذوا عن أهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم.

رحم الله والدي، فقبل أربع وخمسين سنة تقريباً أتذكر أنّه في الليلة الثامنة من شهر محرم الحرام ذهب لزيارة الروضة الحسينية المقدّسة، وعند دخوله الصحن الشريف تلقّاه أحد الأشخاص وقال له: هل يجوز لبس السواد على الإمام الحسين صلوات الله عليه؟ وكان ذلك الشخص قد رأى الوالد مرتدياً الرداء الأسود، لكن ولأنّ أحدهم ولشبهة ما كان يشكّك في جواز لبس السواد قصد الوالد ليسأل منه عن ذلك، فأجابه الوالد: نعم يجوز. فقال الرجل: إن فلاناً لا يجوّز ذلك؟ فوقف الوالد وتأمّل لحظات ثم قال: رأيت فلاناً- وذكر اسم أحد الأعلام- وهو لا يقلّ علماً وتقوى عن ذلك الشخص الذي ذكرتَه، يلبس السواد على الإمام الحسين صلوات الله عليه.

إن من الشبهات التي أثيرت حول القضية الحسينية منذ مئات السنين ولازالت تثار من قبل البعض وخصوصاً في العراق اليوم، هي قولهم: إن الإمام الحسين صلوات الله عليه قد انتصر، فعلام هذا البكاء وهذا الحزن وهذه المجالس وهذه الشعائر؟

أقول: نعم، إن الإمام الحسين صلوات الله عليه انتصر، وكما نقرأ في زياراته صلوات الله عليه: «أشهد أنك قد أقمت الصلاة»(11)، وكما في القول المشهور: الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء، ولولا النهضة الحسينية لمحا بنو أمية الإسلام ولا نكاد نجد حتى مسلماً واحداً، ولكن بأي ثمن انتصر الإمام الحسين صلوات الله عليه؟ وأية فجائع حدثت له صلوات الله عليه فانتصر؟

ثم ألم يكن الله تعالى عالماً بانتصار الحسين صلوات الله عليه، فلماذا أقام العزاء على مصابه وأمر جبرئيل أن يهبط إلى آدم ويقيم له العزاء؟

ألم يكن رسول الله صلى الله عليه عالماً بذلك فلماذا بكى على الإمام الحسين صلوات الله عليه والإمام لا يزال صغيراً أو قبل أن يأتي إلى الدنيا؟ ولماذا أقام العزاء عليه في بيت الإمام أمير المؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليهما ليلة زواجهما؟ وهذه من السنن الحسنة التي آمل من الشباب الأعزاء أن يعملوا بها ليلة زواجهم كي ينالوا البركات الكثيرة في حياتهم الزوجية.

ثم ألم يكن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه عالماً بانتصار ولده الحسين صلوات الله عليه، فلماذا بكى بعد أن قال: «هاهنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم وهاهنا مهراق دمائهم»(12) عندما وصل أرض كربلاء في طريقه إلى صفين؟

ألم يكن أهل البيت صلوات الله عليهم يعلمون بذلك، فلماذا أمروا بالبكاء وبالجزع وبالعزاء على الإمام الحسين صلوات الله عليه؟

كما إن الإمام صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف يعلم أن جدّه الإمام الحسين صلوات الله عليه قد انتصر، ولكن يقول صلوات الله عليه: «ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً».

إنّ محاربة الشعائر الحسينية مسألة غير مقتصرة على التقصير بل تشمل حتى القصور، وهذا الأمر وإن كان عن قصور ولم يعاقب عليه صاحبه في الآخرة، فإنه لا شك يحرق تاريخ صاحبه كله، سواء كانت كلمة واحدة مقصودة وغير مقصودة، أو كانت أكبر من ذلك. وبعبارة أخرى إن الذي يتعرّض للقضية الحسينية حتى بمقدار رأس إبرة، فإنه يحرق تاريخه كله بيديه.

لذا يجدر بالمؤمنين أن لا تنطلي عليهم الحيل وأن لا ينخدعوا ببعض الكلمات، وعليهم أن ينبّهوا أصدقاءهم إلى ذلك، وعليهم أن يراجعوا التاريخ وكتب الروايات الشريفة ويتأمّلوا ويتدّبروا فيها حتى يتعرّفوا على الحقيقة أكثر وأكثر، فما ذكرته آنفاً هو غرفة من البحر ليس إلاّ.

روى ابن رياح قال: لقيت رجلاً أعمى قد حضر قتل الحسين عليه السلام، فسُئل عن ذهاب بصره؟ قال: كنت عاشر عشرة غير أني لم أضرب ولم أرمِ، فلما رجعت إلى منزلي وصلّيت فأتاني آت في منامي فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وآله. فقلت: مالي وله؟ فأخذني يقودني إليه، فإذا هو جالس في صحراء حاسر عن ذراعيه آخذ بحربة ومَلَك قائم بين يديه وفي يده سيف من نار، فقتل أصحابي، فكلما ضرب ضربة التهبت أنفسهم ناراً. فدنوت وجثوت بين يديه وقلت السلام عليك يارسول الله، فلم يردّ عليّ، ومكث طويلاً ثم رفع رأسه وقال: ياعدو الله انتهكت حرمتي وقتلت عترتي ولم ترعَ حقّي. فقلت: يارسول الله والله ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم. قال: صدقت ولكنك كثّرت السواد، ادن منّي، فدنوت فإذا طشت مملوء دماً، فقال: هذا دم ولدي الحسين، فكحّلني منه، فانتبهت لا أرى شيئاً(13).

وأكّد دام ظله: إن قضية الإمام الحسين صلوات الله عليهم قضية لا يُدرَك غورها أبداً، وإن العلماء بالنسبة إلى القضية الحسينية المقدسة هم جهلة حتى أكابرهم وأعاظمهم. فهي قضية عظمى واستثنائية لا يعلم أسرارها وعظمتها إلاّ الله تعالى والمعصومون صلوات الله عليهم، فالإمام الصادق صلوات الله عليه يقصد من قوله الذي ذكرته آنفاً (مَا لا يَنَالُهُ الْمُتَشَحِّطُ فِي دَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هو أن مقام شهداء بدر ليس مثل مقام من يعظّم الشعائر الحسينية ويحييها، يعني أنه أرفع مقاماً من شهداء بدر.

وختم المرجع الشيرازي كلمته مخاطباً الحضور وجميع المؤمنين والمؤمنات: إنني وانطلاقاً من واجبي الشرعي أشكركم على إقامتكم العزاء في الأيام العشرة الأولى من المحرّم، وأشكر كل المؤمنين والمؤمنات في جميع نقاط العالم على إقامتهم العزاء الحسيني والشعائر الحسينية وما تعرّضوا له من الأذى في ذلك وتحمّلوا المشاكل التي لا تعادل المشاكل التي تحمّلها المؤمنون في زمن الإمام الصادق والإمام الهادي صلوات الله عليهما من قبل سلاطين بني أمية وبني العباس، وأدعوا لكم ولهم بأن يديم الله تعالى هذا الفخر وهذه العزّة وهذه الفضيلة وهي إقامة الشعائر الحسينية التي فيها خير الدنيا والآخرة، أسأله تبارك وتعالى أن يديمها عليكم وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات، وأن يجعلها في ذريّتكم وذريّة جميع المؤمنين والمؤمنات.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.


1) بحارالأنوار: ج28/ باب 2 إخبار الله تعالى نبيّه وإخبار النبي صلى الله عليه وآله أمته بما جرى على أهل بيته صلوات الله عليهم.../ص552.

2) لسان العرب: المجلّد 9/ ص222.

3) مستدرك الوسائل: ج10/ باب57 أقلّ ما يُزار فيه الحسين صلوات الله عليه/ص343/ح1.

4) العوالم/ الإمام الحسين صلوات الله عليه/ ص246.

5) مستدرك الوسائل: ج10/ باب45 استحباب زيارة الحسين صلوات الله عليه بالزيارة المأثورة/ص299/ح2.

6) الكامل في الزيارات: الباب التسعون إن الحائر من والمواضع التي يحبّ الله أن يُدعى فيها/ ص274.

7) تفسير الإمام العسكري صلوات الله عليه: ثواب الحزن والبكاء على الحسين صلوات الله عليه/ ص369.

8) المناقب: ج2/ فصل في إخباره بالمنايا والبلايا و.../ ص276.

9) سورة الشورى: الآية7.

10) بحارالأنوار: ج98/ باب 24 كيفية زيارته صلوات الله عليه/ ص322.

11) مفاتيح الجنان: زيارة وارث الشريفة.

12) وقعة صفين: طريق الجيش إلى صفين/ ص142.

13) مثير الأحزان: رواية ابن رياح في قتل الحسين صلوات الله عليه/ ص80.