الإمام الحسين عليه السلام وإرهاصات الثورة مواقف كتبت بالدم

alshirazi.net

   

 

:. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله المنتجبين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين..

وبعد: مات معاوية حين مات، وكثير من الناس، وعامة أهل العراق بنوع خاص، يرون بغض بني أمية، وحب أهل البيت لأنفسهم ديناً.

فقد اكتشف المجتمع الإسلامي ما فيه الكفاية من عورات الحكم الأموي، وذاق طعم عذابه وخبر ألواناً من تعسفه وظلمه في الأرزاق والكرامات، وانزاحت عن بصيرته الغشاوة التي رانت عليه من أول عهد معاوية.

ولم يكن يزيد في مثل سياسة أبيه، حزمه وكتمانه للأمور، ولم يلتزم أسلوب أبيه في الاحتفاظ بنوع غطاء ديني مسدلا على أفعاله وتصرفاته.

ولم يكن بين الحسن والحسين من جهة وبين يزيد من جهة أخرى أي عهد أو ميثاق.

 البيعة الخاصة:

وهكذا فقد انزاحت ـ بموت معاوية ووعي المجتمع الإسلامي ـ جميع الأسباب التي كانت تحول بين الإمام الحسين وبين الثورة في عهد معاوية، وبدا الطريق إلى الثورة على الحكم الأموي ممهداً أمام سيد الشهداء عليه السلام.

وقد عجل تلهف يزيد على أخذ البيعة له من كبار زعماء المعارضة ـ وعلى رأسهم الحسين عليه السلام ـ في تتابع الأحداث.

فقد كان أكبر همه حين آل الأمر إليه بعد موت أبيه هو بيعة النفر الذين أبَوا على معاوية بيعة يزيد، فكتب إلى الوليد بن عتبه والي المدينة كتاباً يخبره فيه بموت معاوية وكتاباً آخر جاء فيه:

«أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله ابن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذاً ليس فيه رخصة، حتى يبايعوا والسلام».

ولقد آثر الحسين أن يتخلص من الوليد بالحسنى حين دعاه إلى البيعة، فقال له:

«مثلي لا يبايع سراً، ولا يجتزئ بها مني سراً، فإذا خرجت للناس ودعوتهم للبيعة، ودعوتنا معهم كان الأمر واحداً».

ولكن مروان بن الحكم قال للوليد:

«لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، ولكن احبسه فان بايع وإلا ضربت عنقه».

فوثب الإمام الحسين عليه السلام عند ذلك وقال:

«ويلي عليك يا بن الزرقاء، وأنت تأمر بضرب عنقي؟ كذبت ولؤمت»

 إعلان الثورة:

ثم أقبل الإمام على الوليد فقال: «أيها الأمير، إنَّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد فاسق، فاجر شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق والفجور، مثلي لا يبايع مثله».

بهذه الكلمات أعلن الحسين ثورته على الحكم الأموي الفاسد على عظمته وجبروته وقسوته في مؤاخذة الخارجين عليه فقد مات معاوية وانقضى العهد والميثاق، وأصبح وجهاً لوجه أمام دوره التأريخي الذي يتحتم عليه أن يصنعه، وانه لعلى يقين من أن حكم يزيد لن يأخذ صفة شرعية ما دام هو ممسكاً عن بيعته، أما إذا بايعه فانه حينئذ يكون قد أكسب الطاغية الجديد الذي ابتليت به الأمة صفة قانونية شرعية، وهذا شيء لا يفعله عليه السلام.

 ملاحظة وتنويه:

إن ثمة فرقاً عظيماً بين أن تكون الأمة راضخة لحكم ظالم ولكنها تعلم أنه حكم بغير حق، وأنه حكم يجب أن يزول وبين أن تخضع الأمة لحكم ظالم وترى أنه حكم شرعي لا بد منه ولا يجوز تغييره.

إن الأمة في الحالة الثانية ترى أن حياتها تعسة مسلوبة الاختيار وأن التشريد والجوع والحرمان والذل هو قدرها الذي لا مفر لها منه وهو مصيرها المحتوم الذي لا بد أن تصير إليه وحينئذ يقضى على كل أمل في تغيير الأوضاع، ويضمحل كل أمل في الثورة، وحينئذ تتبع الأمة جلّاديها بدل أن تثور عليهم، وحينئذ يصار إلى الرضا بما هو كائن بحسبانه ما ينبغي أن يكون.

أما حين تخضع الأمة وهي تعلم أن الحاكم لا حق له فحينئذ يبقى الأمل في التغيير حياً نابضاً، وتبقى الثورة مشتعلة في النفوس، وحينئذ يكون للثائرين مجال للعمل لأن التربة معدة للثورة.

 النهوض بالمسؤولية:

وكان على الحسين وحده أن ينهض بهذا الدور، لقد كانت الثورة قدره المحتوم، أما الآخرون الذين أبوا البيعة ليزيد فلم يكن لهم عند المسلمين ما للحسين من المنزلة، وعلو الشأن أما ابن عمر فسرعان ما سلم قائلاً: «إذا بايع الناس بايعت» وأما ابن الزبير فقد كان الناس يكرهونه ويتهمونه في إبائه البيعة بأنه يريد الأمر لنفسه فلم تكن دوافعه دينية خالصة، وإنما كان يدفعه الطمع في الخلافة، وما كان الناس يرونه لذلك أهلا.

 في مكة المكرمة:

ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن الحسين لما خرج وابن الزبير من المدينة إلى مكة، وأقاما بها، «عكف الناس على الحسين: يفدون إليه ويقدمون عليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه وينتفعون بما يسمعون منه، ويضبطون ما يروون عنه» ومغزى هذا الخبر بيّن فقد اتجهت أنظار الناس إلى الحسين وحده، فانقطعوا إليه، وهذا يدلك على مركزه في نفوس المسلمين إذ ذاك قال أبو الفرج الأصفهاني:« إن عبد الله ابن الزبير لم يكن شيء اثقل عليه من مكان الحسين في الحجاز، ولا أحب إليه من خروجه إلى العراق، طمعاً في الوثوب بالحجاز، وعلماً منه بأن ذلك لا يتم له إلا بعد خروج الحسين».

وكان الحسين يعي هذا أيضاً، فقد قال يوماً لجلساًئه: «إن هذا ـ  يعني ابن الزبير ـ ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر شيء معي، وان الناس لم يعدلوه بي فود أني خرجت منها لتخلو له».

وقال عبد الله بن عباس له وهو يحاوره في الخروج إلى العراق: «لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه الحجاز، والخروج منها وهو اليوم لا ينظر إليه احد معك».

كل هذا يكشف عن مدى تعلق جماهير المسلمين بالحسين باعتباره رجل الساعة ويقيناً لو أنه بايع يزيد لما كان لابن الزبير وأضرا به وزن في المعارضة لأنهم حينئذ ما كانوا ليجدوا أنصاراً على ما يريدون.

وإذن، فقد وجد الحسين نفسه وجهاً لوجه أمام دوره التاريخي: الحكم الأموي بكل ما فيه من فساد، وانحطاط ورجعية وظلم، والأمة المسلمة بذلها وجوعها وحرمانها.

ومركزه العظيم في المسلمين، كل ذلك وضعه وجهاً لوجه أمام دوره التاريخي، وخطط له المصير الذي يتحتم عليه أن يصنعه لنفسه وعند ذلك أعلن ثورته بهذه الكلمات التي مرت عليك، وقد أجمل فيها أسباب هذه الثورة: التهتك، والتطاول على الدين، والاستهتار بحقوق الشعب، هذه هي أسباب ثورة الحسين.

 محاولة لإخماد الثورة:

ويبدو أن يزيد بن معاوية أراد أن يخنق ثورة الحسين قبل اشتعالها وذلك باغتياله في المدينة وقد وردت إشارتان إلى ذلك في كتاب أورده اليعقوبي في تأريخه عن ابن عباس إلى يزيد ابن معاوية صريحتان في الدلالة على أن يزيد دس رجالا ليغتالوا الحسين عليه السلام في المدينة قبل مغادرته إياها إلى العراق.

ولعل هذا ما يكشف لنا عن سبب خروج الحسين من المدينة بصورة سرية.

والحمد لله رب العالمين.