سماحة المرجع الشيرازي للعلماء والمبلّغين:

جعل الله الكون وما فيه مسؤولاً تجاه قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه

   

:. بمناسبة قرب حلول شهر محرم الحرام، وذكرى عاشوراء الخالدة واستشهاد مولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه، وكالسنين السابقة، ألقى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، كلمة مهمة وقيّمة بجمع من العلماء والفضلاء وأساتذة الحوزة العلمية والمبلّغين الذين وفدوا من طهران وأصفهان وقم المقدسة على بيت سماحته للاستفادة من توجيهاته القيّمة، وذلك يوم الأربعاء الموافق للثامن والعشرين من شهر ذي الحجّة الحرام 1430 للهجرة، جاء فيها:

سنستقبل نحن وأنتم وجميع المؤمنين والمسلمين في كل مكان والعالم، سنستقبل شهر محرم الحرام وذكرى عاشوراء الإمام الحسين صلوات الله عليه، فمن يصمم ويعزم على أن يستفيد ويفيد بتقديم الخدمة في مجال القضية الحسينية المقدسة فسيكون موفّقاً وتقلّ حسرته في الدنيا وفي الآخرة، ومن يقصّر في ذلك فستكون حسرته في الدنيا وفي الآخرة أكثر.

وقال سماحته: لقد شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه قضية استثنائية وكونية، ولكن لا يُعلم متى أراد الله تعالى ذلك. فهل أراد الله ذلك عندما عرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء ورأى مكتوب على يمين العرش: «إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة»(1)، أم في زمن النبي إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام عندما أراد أن يقدّم النبي اسماعيل عليه السلام قرباناً فجاءه الوحي وخاطبه: «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»(2)، أم عند قول آدم عليه السلام لجبرئيل عليه السلام: «ياأخي جبرئيل في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي»(3) عندما أراه الله تعالى أنوار النبي والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين؟ أم قبل أن يخلق الكون والدنيا والإنس والجن؟

لا أحد يعلم ذلك، ولكن المعلوم هو إن الله تعالى جعل قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه قضية استثنائية تكويناً وتشريعاً، فمنذ أن استشهد الإمام الحسين صلوات الله عليه بل وقبل ولادته وإلى يومك هذا دخل الكثير من الناس الجنة بسبب الإمام الحسين صلوات الله عليه، وكثير منهم دخل النار. فقد خصّ الله تعالى قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه بأن جعل لمن يعمل في إحياءها وتعظيمها استثناءات خاصة وواسعة بحيث باتت البشرية منبهرة تجاهها. فكم من الناس قضيت حوائجهم بفضل الإمام الحسين صلوات الله عليه، وكم منهم من حُلّت مشاكلهم، وكم منهم من تيسّرت أمورهم، وكم وكم، فذلك كثير جداً ويصعب عدّه وإحصاؤه.

واعتبر سماحته نصوص زيارت الإمام الحسين الواردة عن المعصومين صلوات الله عليهم بأنها جزء من ثقافة الإسلام وقال: ورد في إحدى زيارات الإمام الصادق للإمام الحسين صلوات الله عليهما، وهي زيارة معتبرة وصحيحة السند:

«وأشهد أنك ثار الله في الأرض حتى يستثير لك من جميع خلقه»(4). فمعنى ثار الله هو: إن الله تبارك وتعالى هو المنتقم للحسين صلوات الله عليه، كما إنه تعالى هو المنتقم للمعصومين صلوات الله عليهم وللإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه حيث إن المقصود في قول الإمام صلوات الله عليه: «وابن ثاره» من عبارة: «السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره» الواردة في زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه هو الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

وأضاف سماحته مبيّناً معنى مقطع الزيارة المذكور أعلاه وقال: إن الله سبحانه وتعالى ألقى مسؤولية دم الحسين صلوات الله عليه على جميع ما خلق أي الإنس والجن والحيوانات والنباتات والجمادات والشمس والقمر وكل ما موجود في الكون. وهذا يعني أننا نحن أيضاً وآباؤنا وأبناؤنا وأجيالنا اللاحقة ممّن سيعيش على هذه الأرض، جميعاً مسؤولون تجاه قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه، وكذا من يعيش اليوم وغداً في أقصى نقاط العالم.

فإنّ الله أعطى للحسين ما لم يُعطِ أحداً من العالمين؛ إذ ربط دمه بعالم التكوين، فألقى مسؤولية دمه على كل ما خلقه.

وأكّد دام ظله: إن من المسؤولية تجاه قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه وحسب ما يستفاد من الأدلة المعتبرة هي:

الأولى: قال الإمام الرضا صلوات الله عليه: «كَانَ أَبِي عليه السلام إِذَا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ لا يُرَى ضَاحِكاً، وَكَانَتِ الْكَآبَةُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى تَمْضِيَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْعَاشِرِ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَحُزْنِهِ وَبُكَائِهِ وَيَقُولُ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ عليه السلام»(5). فأيام العشرة الأولى من المحرم هي أيام العزاء والحزن والمصائب، فعلى الجميع أن يقيموا مجالس العزاء وأن يحيوا الشعائر الحسينية ويعظّمونها كل حسب علمه وقدرته، وبالقلم واللسان، وأن لا نقصّر في ذلك، وأقل ما يمكن أن نقوم به وكما ورد في الرواية التي ذكرتها آنفاً هو اجتناب الضحك في هذه الأيام.

الثانية: تعريف نهضة الإمام الحسين صلوات الله عليهم للبشرية جمعاء، ورد الشبهات المثارة تجاه قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه وشعائره المقدسة، ودحض أقوال المشكّكين، وذلك بشتى الطرق والإمكانات، وعبر مختلف وسائل الإعلام وبالأخص عبر الإذاعة والتلفاز والقنوات الفضائية.

فمن الشبهات المثارة أن الجزع حرام فلماذا كل هذا الجزع على الحسين صلوات الله عليه؟

والردود على هذه الشبهة كثيرة ومنها قول الإمام الصادق صلوات الله عليه: «كُلُّ الْجَزَعِ وَ الْبُكَاءِ مَكْرُوهٌ سِوَى الْجَزَعِ وَ الْبُكَاءِ عَلَى الْحُسَيْنِ»(6).

ومن أقوال المشكّكين: لماذا تقيمون الشعائر الحسينية والحكّام يتوعدونكم بالمعاقبة، ولماذا تزورون الحسين والأوضاع الأمنية في العراق خطرة جداً؟

والردّ على هذا التشكيك كثير أيضاً ومنها قول الإمام الصادق صلوات الله عليه لابن بكير: «أما تحبّ أن يراك الله خائفاً فينا»(7). فالشعائر الحسينية ومنها زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه مع أن المشهور عند فقهاء الشيعة استحبابها ـ لا وجوبها ـ لا تسقط حتى مع الخوف، أي لا يسقط استحبابها فضلاً عن جوازها.

وختم سماحته كلمته القيّمة بقوله: علينا أن نؤدّي المسؤولية تجاه قضية الإمام الحسين صلوات الله عليه حتى لا نكون مشمولين بقول الإمام الصادق صلوات الله عليه: «حتى يستثير لك من جميع الخلق»، وهذه المسؤولية على أهل العلم أكبر من غيرهم وثواب أداء حقّها أكبر، وكذلك عقاب التقصير بحقّها أشدّ وأكبر.

جدير بالذكر، أنه بعد كلمة سماحة المرجع الشيرازي دام ظله قرأ أحد الفضلاء من الضيوف الكرام فضيلة الشيخ حسن الزهري أبيات من الشعر الشجي في مصاب الإمام سيد الشهداء صلوات الله عليه.


1) الصراط المستقيم/ ج2/ ص161.

2) سورة الصافات: الآية 107.

3) بحار الأنوار/ ج44/ باب 30 إخبار الله تعالى أنبياءه ونبينا بشهادته/ ص245.

4) الكامل في الزيارات/ ص216.

5) وسائل الشيعة/ ج14/ باب 66 استحباب البكاء لقتل الحسين/ ص504/ ح 19679.

6) المصدر نفسه/ ج3/ باب 87 جواز البكاء على الميت و.../ ص282/ ح3657.

7) الكامل في الزيارات/ الباب الخامس والأربعون ثواب من زار الحسين وعليه خوف/ ص125.