بواعث الثورة عند الإمام الحسين عليه السلام

alshirazi.net

   

 

:. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ...

وبعد: فإن العنصر الإجتماعي شديد البروز في ثورة الحسين عليه السلام، ويستطيع الباحث أن يلاحظه فيها من بدايتها حتى نهايتها، ويرى أن الحسين ثار من أجل الشعب المسلم: لقد ثار على يزيد باعتباره ممثلا للحكم الأموي، هذا الحكم الذي جوع الشعب المسلم، وصرف أموال هذا الشعب في اللذات، والرشا وشراء الضمائر، وقمع الحركات التحررية، هذا الحكم الذي اضطهد المسلمين غير العرب وهددهم بالافناء، ومزق وحدة المسلمين العرب وبعث بينهم العداوة والبغضاء هذا الحكم الذي شرد ذوي العقيدة السياسية التي لا تنسجم مع سياسة البيت الأموي وقتلهم تحت كل حجر ومدر، وقطع عنهم الأرزاق وصادر أموالهم هذا الحكم الذي شجع القبلية على حساب الكيان الإجتماعي للأمة المسلمة هذا الحكم الذي عمل عن طريق مباشر تارة وعن طريق غير مباشر تارة أخرى على تفويض الحس الإنساني في الشعب، وقتل كل نزعة إلى التحرر بواسطة التخدير الديني الكاذب كل هذا الإنحطاط ثار عليه الحسين، وها هو يقول لأخيه محمد بن الحنفية في وصية له:

«إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين».

تنبيه وإشارة:

فالإصلاح في أمة جده(صلى الله عليه وآله) وآله هو هدفه من الثورة وهنا شيء أريد أن أنبه عليه في قوله:

«.... فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق».

انه لم يقل: فمن قبلني لشرفي، ومنزلتي في المسلمين، وقرابتي من رسول الله، وما إلى ذلك ... لم يقل شيئاً من هذا إن قبوله يكون بقبول الحق فهذا داع من دعاته، وحين يقبل الناس داعي الحق فانما يقبلونه لما يحمله إليهم من الحق والخير لا لنفسه، وفي هذا تعالى وتسام عن التفاخر القبلي الذي كان رأس مال كل زعيم سياسي أو ديني في عصره عليه السلام.

 

ظهور آخر:

وظهر العنصر الاجتماعي في ثورة الحسين أيضاً حين التقى مع الحر بن يزيد الرياحي، وقد كان ذلك بعد أن علم الحسين بتخاذل أهل العراق عنه بعد بيعتهم له، وبعد أن انتهى إليه نبأ قتل رسوله وسفيره إليهم مسلم بن عقيل، وبعد أن تبين له ولمن معه المصير الرهيب الذي يتنظرهم جميعاً، فقد خطب الجيش الذي مع الحر قائلا:

«أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلا لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنه رسول الله، يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان، فلم يغير ما عليه  بفعل ولا قول كان حقاً على الله ان يدخله مدخله.

ألا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان تركوا طاعة الرحمن واظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، واحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا احق من غيرَّ، وقد أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم، وانكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فان تممتم عليَّ ببيعتكم تصيبوا رشدكم، فاني الحسين ابن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله نفسي مع أنفسكم،وأهلي مع أهليكم، فلكم فيَّ أسوة وإن لم تفعلوا، ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ماهي لكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم بن عقيل، والمغرور من اغتر بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم،ومن نكث فإنما ينكث على نفسه».

 

اسباب الثورة:

فهو هنا يبين لهم اسباب ثورته: انها الظلم، ولاضطهاد والتجويع، وتحريف الدين، واختلاس أموال الأمة ثم انظر كيف لمح لهم إلى ما يخشون، لقد علم أنهم يخشون الثورة لخشيتهم الحرمان والتشريد، فهم يؤثرون حياتهم على ما فيها من انحطاط وهوان على محاولة التغير خشية أن يفشلوا فيعانوا القسوة والضنك.

لقد علم هذا فقال لهم:

«وأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله».

فبين لهم مركزه أولا، ثم قال لهم:

«نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم في أسوة».

فيما قد يحدث من اضطهاد وحرمان ويقف المتأمل وقفة أخرى عند قوله:

«وأنا أحق من غيرَّ» فيها تعبير عن شعوره بدوره التاريخي الذي يتحتم عليه أن يقوم بأدائه.

 

خطبة أخرى:

ومرة ثالثة حدَّث الحسين أهل العراق عن ثورته ومبرراتها وكانت خطبته هذه في الساعات الأخيرة التي سبقت اشتباك القتال بينه وبين الجيش الأموي قالوا إنه عليه السلام ركب فرسه، فاستنصتهم فلم ينصتوا، حتى قال لهم:

«ويلكم ما عليكم أن تنصتوا، لي فتسمعوا قولي، وانما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين ومن عصاني كان من المهلكين، وكلكم عاص لأمري، غير مستمع لقولي، فقد ملئت قلوبكم من الحرام، وطبع عل قلوبكم ويلكم، ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟».

فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم، وقالوا:

أنصتوا له: فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله ، وصلى على محمد وعلى الملائكة والأنبياء والرسل، وأبلغ في المقال.

ثم قال:

«تبا لكم أيها الجماعة وترحاً، أحين استصرختمونا والهين، فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً أوقدناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم إلباً على أوليائكم، ويداً عليهم لأعداتكم بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم، إلا الحرام من الدنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه، من غير حدثٍ كان منا، ولا رأي تفيّل لنا فهلا ـ لكم الويلات ـ إذ كرهتمونا وتركتمونا، تجهتموها والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لما يستحصف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش، فسحقاً لكم ياعبيد الامة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفئة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرفي الكتاب، ومطفئي السنن، وقتلة أولاد الانبياء، ومبيدي عترة الأوصياء، وملحقي العهار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمة المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم وفي العذاب هم خالدون.

«وأنتم ابن حرب وأشياعه تعضدون، وعنا تخاذلون، أجل والله، الخذل فيكم معروف، وشجت عليه أصولكم، وتآزرت عليه فروعكم، وثبتت عليه قلوبكم غشيت صدوركم، فكنتم أخبث ثمرة:

شجى للناظر، وأكلةً للغاصب، ألا لعنة الله على الناكثين الذي ينقضون الأيمان بعد توكيدها ـ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ـ فأنتم والله هم.

«ألا وإن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات من الذلة، ويأبى الله لنا ذلك ورسوله والؤمنون، وجدود طابت، وحجور طهرت، وأنوف حمية ونفوس أبية، لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ... ألا وإني قد إعذرت وأنذرت، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة، مع قلة العدد وكثرة العدو، وخذ لان الناصر،.

ثم قال:

فان نهزم فهزامون قدماً           وان نغلب فغير مغلبينا

وما ان طبنا جبن ولكن           منايانا ودولة آخرينا

إذا ما الموت رفع عن أناس           كلاكله أناخ بآخرينا

فافنى ذلكم سروات قومي       كما افتى القرون الغابرينا

فلو خلد الملوك اذن خلدنا       ولو بقي الكرام اذن بقينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا       سيلقى الشامتون كما لقينا

 

استنتاج وفائدة:

في هذه الخطبة حدثهم الإمام الحسين عليه السلام عن أنفسهم،وعن واقعهم، وعن زيف حياتهم: حدثهم كيف أنهم استصرخوه على جلاديهم ثم انكفأوا مع هؤلاء الجلادون عليه، هؤلاء الجلادين الذين لم يسيروا فيهم بالعدل، وإنما حملوهم على ارتكاب الحرام في مقابل عيش خسيس: خسيس في نفسه، قليل دون الكفاية، خسيس لأنه يعمل على مد الأجل بحياة حقيرة ذليلة، خسيس باعتباره أجراً لعمل خسيس حدثهم عن مواقفهم المتكررة من الحركات الإصلاحية، إنهم دائماً يظهرون العزم على الثورة والرغبة فيها ... يظهرون العزم على تطوير واقعهم السيء، حتى إذا جد الجد انقلبوا جلادين للثورة بدل أن يكونوا وقوداً لها، حدثهم عن أعدائه باعتبارهم أعدائهم أيضاً، ولكنهم يزيفون حياتهم بأيديهم، يحاربون محرريهم، من يعلمون أنهم المحرون، مع من؟ مع أعدائهم ومذليهم، وظالميهم.

 

خاتمة:

هذه الخطبة ـ بهذا الأسلوب الثائر، وبما فيها من تقريع، وبما فيها من فضح لهم ـ كانت ملائمة تمام الملائمة للجو النفسي السائد آنذاك على الجيش الاموي إن محاربي ذلك الجيش كانوا على علم بمن يحاربون، فأراد أن يشعرهم بفداحة الأثم الذي يقارفونه، وعظم الامر الذي يحاولونه، وأراد أن يسمع المجتمع الإسلامي هذا المجتمع الخاضع، صوته المدوي وبهذا اللون من البيان جعل الحسين من كل مسلم بركاناً مدمراً على أهبة الانفجار.