سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يؤكّد:

دور المرجعية في إنقاذ الأمة الإسلامية وضرورة تأسيس الفضائيات لتبليغ الغدير

بمناسبة حلول عيد الله الأكبر، أفضل أعياد الإسلام وأعظمها، عيد الغدير الأغرّ، الذي نصّب فيه مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، بأمر من الباري تبارك وتعالى، مولانا الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين، وليّاً وإماماً، تطرّق المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، إلى هذه الذكرى العظيمة، في درسه الخارج في الفقه، في مسجد الإمام زين العابدين صلوات الله عليه، بمدينة قم المقدّسة، صباح يوم الأحد الموافق للسابع عشر من شهر ذي الحجّة الحرام 1435 للهجرة (12أيلول/أكتوبر2014م)، وألقى كلمة قيّمة مهمة، إليكم نصّها:

بسم الله الرحمن الرحيم

أقدّم التهاني والتبريكات بمناسبة أعظم أعياد الإسلام، عيد الله الأكبر، عيد الغدير الأغرّ، للسادة العلماء، والوعّاظ، والمدرّسين، ولسائر المؤمنين في أطراف الدنيا، وسائر المسلمين، وسائر المستضعفين والضعفاء من غير المسلمين، حيث أن عيد الغدير هو بشارة الخير كلّه والحسن كلّه لجميع البشرية، في الماضي والحاضر والمستقبل. وأسأل الله تعالى بلطفه وبرعاية مولانا بقيّة الله الإمام المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف أن يجعل هذا العيد السعيد، عيد الغدير الأغرّ، مورداً للخير والسعادة، للعالمين أجمع، أكثر وأكثر.


وجوب تبليغ ولاية أمير المؤمنين:

يقول القرآن الكريم: (ياأيها الرسول بلّغ) وهذا التبليغ أشار إليه النبي صلوات الله عليه وآله في خطبته الغديرية المفصّلة وقال: (فليُبلّغ) بلام الأمر، وهو واجب كفائي، أي يجب تبليغ الغدير على كلّ من يعتقد برسالة النبي صلي الله عليه وآله وبنزولها من قبل الله تعالى، وكذلك جميع البشر، حيث قال صلى الله عليه وآله: (أيها الناس). فالنبي الأكرم صلي الله عليه وآله هو نبي للناس كافّة.

وهذا التبليغ (أي تبليغ الغدير) الذي أمر به الله تبارك وتعالى لنبيّه صلى الله عليه وآله بقوله تعالى: (ياأيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك)، وطبقاً لروايات متواترة عند جميع طوائف المسلمين تؤكد أن المراد منه هو واقعة الغدير، وهو تصريح علني شامل، جاء بعد إعلان متعدّد للنبيّ صلى الله عليه وآله لولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه، في مواطن ومواقف عديدة. وهذا الإعلان هو تكويني وتشريعي، حيث انّ النبي صلى الله عليه وآله له الولاية التكوينية، كما في قوله صلى الله عليه وآله: (من كنت أنا أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه).

هذا الواجب الكفائي أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله في واقعة الغدير وبحضور جماهيري غفير وحاشد بلغ مائة وعشرون ألفاً، من الرجال والنساء والشباب والشيوخ، حيث ألقى النبي خطبته أمام هؤلاء. وكما نقلت لنا الروايات والأحاديث أن صوت النبي لم يك يصل إلى الجميع، فأوكل النبي صلى الله عليه وآله مهمة إيصال الصوت للناس بفواصل منظّمة، فكان هؤلاء الأشخاص يقفون على مرتفع مناسب ويكرّرون ما يقوله النبي جملة بجملة، ليصل الكلام إلى جميع الحاضرين.

بهذه الطريقة بلّغ النبي صلى الله عليه وآله، وبعده بلّغ الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم للغدير، وبلّغت مولاتنا الزهراء عليها السلام في خطبها وأحاديثها، كما ورد تبليغ ذلك في خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام نفسه، وفي خطب الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم، حيث ان كل واحد منهم صلوات الله عليهم كان قد بلّغ بطريقته الخاصة وبما يتلاءم مع ظروف ذلك الزمان.

علماء التشيّع والتبليغ:

ثم استمر التبليغ فيما بعد عن طريق الكتب وعن طريق الخطب والحوارات الفردية، وقد أدّي هذه المسؤولية علماء الإسلام والمفكّرين والمؤمنين والمؤمنات، كلّ بحسب طاقاته وقدراته، أي أدّوا ذلك الواجب الكفائي. وكان في السابق تكتب الكتب باليد وبنسخة واحدة فكانوا يكتبون خطبة الغدير كل مرّة نسخة واحدة لتكون في اختيار الناس. ولكن بعد أن توفّرت وسائل الطباعة والنشر، قبل قرون، استفاد علماء الإسلام من هذه الوسائل الجديدة مع كل المشاكل التي كانت تحيط بهم آنذاك، استفادوا منها للترويج للغدير، وذلك لإتمام الحجّة علي الناس ولتكون موعظة وإرشاد للذين يؤمنون بالغدير.

لو تأملتم اليوم لوجدتم ان رسائل العلماء، ومنها رسالة الحاج الكلباسي وكذلك صاحب الجواهر والشيخ الأنصاري والمرحوم النراقي، كانت تطبع في مختلف الدول، وفي ذلك الزمان لم تك وسائل الطباعة متوفّرة في جميع البلاد، فكانوا يرسلون كتاب (نجاة العباد) إلى الهند لطباعته. وكانت هذه العملية التي تبدأ بالكتابة وتنتهي بالطباعة وجلب الكتب إلى البلاد الإسلامية (بالخصوص الشرق الأوسط) كالعراق وايران والخليج ودول المنطقة، كانت هذه العملية لها تكاليف باهظة ومخاطر عديدة، فمثلاً كان من يُبعث لطباعة كتاب (نجاة العباد) لصاحب الجواهر أو (صراط النجاة) للشيخ الأنصاري أو (النخبة) للحاج الكلباسي إلى الهند، كان ذلك يتم عبر سُفن شراعية تخوض المحيطات والبحار، وبالنتيجة كان بعضهم لا يصل إلى مقصده ويتعرّض للخطر، ومنهم من كان يموت بسبب الوباء والأمراض أو يتعرّض للغرق.

فلماذا كل هذا الإصرار؟ ولماذا كان صاحب الجواهر رضوان الله عليه ينفق المال ويبعث أشخاصاً إلى الهند ويعرّضهم للمخاطر؟

لقد كان الهدف من ذلك هو تحقيق الواجب الكفائي وإيصال الأحكام الشرعية إلى الناس، لأن الواجب الكفائي، كما تعلمون أيها السادة، هو في البداية واجب علي الجميع، ومن يقوم به فإنه قد قام بالواجب، فإذا كان من فيه الكفاية سقط عن الباقين، وفي الغالب لا يتحقّق الواجب الكفائي بشكل كامل ويبقي الوجوب قائماً.

من ثمرات موسوعة الغدير:

قبل أربعين سنة أو أكثر أو أقل التقيت بأحد المهندسين الممتازين، وكان منحرفاً عن أهل البيت عليهم السلام، وكان من مدينة أغلبها من المعاندين لأهل البيت عليهم السلام. وكان يحضر عندي باستمرار ويسألني عن واقعة الغدير. وقد سألته ذات مرّة: كيف أصبحت من المستبصرين؟ فأجابني: كنت ذاهباً إلى إحدي الدول الأوروبية لدراسة الهندسة، فالتقيت بصديق، وذهبت ذات مرّة إلى بيته فوجدت عنده كتاباً تحت عنوان (الغدير). وكنت قد سمعت ان (الغدير) قد أثار مسألة من المسائل الخلافية بين طوائف المسلمين، وهذا الكتاب لفت نظري فاستأذنت صاحب البيت بأن يعطيني إجازة في أخذ هذا الكتاب واستعارته، فأخذت الجزء الأول من الكتاب وبدأت بمطالعته، فقرأته وسلمته، ثم أخذت الجزء الثاني والثالث وهكذا إلى آخر جزء من الموسوعة حيث قرأتها كلّها.

هذا المهندس كانت له جلسات مع القضاة والعلماء من العامة وكان يتباحث معهم، وأحياناً كان يأتي عندي ويسألني عن بعض الأمور والملابسات والتفاصيل في الغدير. وكان ذلك في زمن مرض العلاّمة الأميني رضوان الله عليه ورقوده في المستشفى، حيث توفّي أثر ذلك، ودفن في النجف الأشرف.

في ذلك الوقت قُلت لبعض الأصدقاء، تأمّلوا، لما لهذا الكتاب من أجر وثواب. فقد جاء شخص من بلاد معادية لأهل البيت عليهم السلام، وذهب إلى بلاد الغربة من أجل الدراسة، فاهتدى بكتاب العلاّمة الأميني. في حين ان العلاّمة الأميني كان مريضاً وعاجزاً عن التكلّم والحركة وراقداً في المستشفي، لكنه (أي الأميني) صار سبباً في هداية هذا الشخص وفي هداية غيره من الكثير من الناس، وهذا هو الواجب الكفائي. فعلى من تقع مسؤولية هداية من هو منحرف عن طريق أهل البيت عليهم السلام؟

إنّ العلامة الأميني لم يك متواجداً في البلاد النائية، ولكن بما انه تحمّل مسؤولية التأليف وجمع المطالب، وتحمّل غيره إرساله وطباعته ونشره، صار هذا الكتاب سبباً للاطلاع على حادثة الغدير والهداية. وكان هذا هو دور الكتاب، في ذلك الزمان. وكان الناس في ذلك الزمان يؤدّون المسؤولية، كلٌّ حسب قدرته وطاقته.

أهميّة القنوات الفضائية:

أما اليوم فالدور هو للقنوات الفضائية، وهي الوسيلة الأفضل اليوم لإيصال الفكرة. وكما بيّن لي بعض الأخوة في الخارج انه هناك الألوف من القنوات الفضائية في العالم، تقوم ببثّ الأفكار الضالة وتروّج الفساد والإباحية والظلم، وتسعى إلى القضاء على الفضائل والقيم الأخلاقية.

إنّ هذه الوسيلة الإعلامية بإمكانها أن توصل واقعة الغدير إلى العالم والناس البالغ عددهم سبعة مليار، وهذا من الواجب الكفائي؟ نعم هو واجب على الجميع إلى أن تتحقّق الكفاية، فإذا كانت القدرات غير موجودة فلا يكون الوجوب كفائياً، لأن القدرة من شروط عموم التكليف. ولكن علي الجميع كل حسب طاقاته، وعلي المستوي الفردي والجماعي، أن يتعاونوا على هذا الأمر لأنه مقدمة وجود الواجب المطلق، وكوجوب طباعة كتاب نجاة العباد، وإيصال الأحكام، وكذلك مثل طباعة رسالة صراط النجاة للشيخ الأنصاري. فهؤلاء الفقهاء كانوا ينفقون الأموال في زمن وفي بلد وهو العراق، كان فيه ألوف الفقراء والمحتاجين. فلماذا كانت تنفق الأموال في الهند في هذا المجال؟ والعجيب ان الفقهاء الأتقياء كالشيخ الأنصاري والكلباسي كانوا ينفقون المبالغ الطائلة، لأنهم كانوا يشعرون بأهمية هذا الواجب.

يجب علي الإنسان صاحب القدرة المالية والكلامية وغيرها من الإمكانات أن يسعى إلى أداء الواجب الكفائي الذي هو اليوم بصراحة واجب عيني، وأن يجهد في تحقّقه.

نعم هناك عدد من القنوات الفضائية التي يديرها جمع من المؤمنين ويقومون من خلالها بتبليغ عقائد أهل البيت عليهم السلام وأخلاق أهل البيت عليهم السلام وأحكام الإسلام، ولكنها قليلة خصوصاً قبال تلك القنوات المنحرفة، وقياساً إلى قدرات وإمكانات المؤمنين والمؤمنات. وهذه القنوات منتشرة، ولله الحمد، في العديد من البلاد الإسلامية، ومع انها ليست بالمستوي المطلوب، لكنها بالنتيجة هي بمثابة مركز نور وإشعاع. وهكذا الحال بالنسبة لكل من يقوم بتبليغ ونشر أحكام الإسلام وثقافة أهل البيت صلوات الله عليهم، سواء كان مسجداً أو حسينية أو مكتبة أو دار نشر أو قناة فضائية.

مسؤولية الجميع:

إنّ مسؤولية تبليغ الغدير، هي مسؤوليتنا جميعاً بلا أدنى شك أو ريب أو شبهة، وأداء هذا الأمر هو بمثابة مصداق بارز من مصاديق الأمر بالمعروف على المستوي الإيجابي، والنهي عن المنكر علي المستوي السلبي. والمهم هو القدرة على التأثير، واحتمال التأثير هو القطع والجزم بالتأثير في هذه الأيام. واحتمال التأثير هو احتمال التأثير بالإجمال، ففي السابق كانت هناك مشاكل كثيرة تعترض التبليغ، فبسبب نقل رواية واحدة كان راوي الرواية يتعرّض للقتل، وأحياناً كان بعضهم يُقتل بسبب وجود كلمة (علي) عليه السلام في رسالة كان يحملها.

لقد شاهدتم وسمعتم بقصص كثيرة، وأنا لا أريد التفصيل في هذا المجال. من هنا فإنّ المسؤولية تقع علينا جميعاً، فهي مسؤولية التجّار ورجال السياسة من المؤمنين والمؤمنات ومسؤولية المثقّفين والجامعيين والحوزات العلمية المقدّسة ومسؤولية الكسبة والشباب ومسؤولية الرجال والنساء ومسؤولية الشيوخ، وهي من ضروريات الإسلام، لكن هذه المسؤولية وحدودها هي بمقدار طاقات الفرد. فالكاسب ـ مثلاً ـ مسؤوليته أكبر في الإنفاق وبذل المال لتبليغ الغدير، وأصحاب الثروات لهم مسؤولية أكبر من الباقين. وهكذا من له فهم أكثر وعلم أكثر أو من هو متكلّم أكثر، أو كاتب أو أديب، كل واحد من هؤلاء له مسؤولية بمقدار كفاءاته في تحصيل مقدّمات وجود واجب المطلق، ولا يوجد إشكال في وجود واجب المطلق، ولا في مقدمات وجود واجب المطلق، فتحصيلهُ واجب عقلي وهو منجّز، فإذا لم تكن القدرة، فالشخص معذور.

في هذا المجال، نحن أهل العلم ونظراً للفارق العلمي الموجود فإنّ مسؤوليتنا تختلف، كلّ حسب طاقاته، فطالب العلم المبتدئ له مسؤولية تختلف عن مسؤولية مراجع التقليد والعلماء.

المرجعية أسّسها أهل البيت:

لقد اتّبع أهل البيت عليهم السلام أسلوباً في التاريخ الشيعي وللأحداث التي ستجري علي الشيعة من بعدهم، حيث اختاروا المرجعية الدينية لتكون من بعدهم من أهم القدرات والسلطات الدينية، وهذا ما ظهر في التاريخ الماضي والحاضر، حيث ان المرجعيات كانت لها سلطات عُليا، وأشير هنا إلى اثنين منها من باب المثال.

الأولى: قصة المرحوم الميرزا الشيرازي الكبير رضوان الله تعالى عليه وقصة التبغ التي أنقذت إيران آنذاك من استعمار كان يعدّ ذلك اليوم من أكبر المستعمرين في العالم.

والقصة الثانية: هي قصة المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي رضوان الله تعالى عليه الذي أنقذ العراق من الاستعمار نفسه وهو الاستعمار الإنجليزي، بفاصلة قليلة عما حدث في إيران.

في ذلك اليوم، كانت بريطانيا تسمى ببريطانيا العظمى، حيث كانت هي العظمى علي الكرة الأرضية، لأن اثنين من مستعمراتها في ذلك الوقت وهي الصين وكانت 600 مليون والهند وكانت 400 مليون نسمة. وهذا يعني أن ألف مليون في ذلك الزمان، من دون باقي المستعمرات الأخرى، كانوا في قبضة الاستعمار الإنجليزي. وكان هذا الاستعمار متواجداً في إيران تحت ذريعة تجارة التبغ المذلّة. وكان متواجداً في العراق بقوّة السلاح والحرب. لكن المرحوم الميرزا الكبير رحمة الله عليه حقّق وبواسطة ثورة بيضاء وفتواه الشهيرة ضد الإنجليز، حقّق أهدافاً كبيرة.

المرجعية ملاذ المسلمين:

أحد تلاميذ المرحوم الميرزا الكبير الذي كان يتباحث ولمدّة عشر سنوات مع الميرزا النائيني وهو أستاذ العلاّمة السيد عبد الحسين شرف الدين، هذا التلميذ كان قد كتب كتاباً حول تجارة التبغ في إيران، فكتب أنه: بهذا الأسم حاول الاستعمار من إيجاد شبكة أخطبوطية في إيران، لكنه وبفضل فتوى المرجع الميرزا الشيرازي الكبير والدماء التي سالت في هذا الطريق استطاعت إيران أن تنجو من الاستعمار.

ثم لم يمضي نصف قرن على تلك الواقعة حتي هجم البريطانيون على العراق، وخاض الشعب العراقي الأبي والشجاع بفتوى الإمام الثائر المجاهد آية الله العظمي الشيخ محمّد تقي الشيرازي قدّس سرّه، الشهيرة، حرباً ضروساً مع الاستعمار، وراح ضحيتها الألوف من الطرفين، وانتفض الشعب العراقي المقدام بكافّة فئاته من الحوزات العلمية إلى الجامعات الأكاديمية وإلى العشائر الغيورة وسائر أفراد الشعب وراء هذا الإمام القائد.

هذه المرجعية الشيعية التي أسّسها أهل البيت الأطهار عليهم السلام. فقد ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام أنّ المرجعية في زمن الغيبة الصغري هي مرجعية جامعة لشرائط التقليد ويجب الامتثال بأوامرها. وهذه المرجعية هي التي قامت بدحر وطرد الاستعمار الإنجليزي من إيران والعراق. فقد استطاع الميرزا محمد تقي الشيرازي بفتواه الشهيرة وباتّباع الحوزات العلمية، التي كانت قائمة آنذاك، له، وبفضل العشائر الغيورة، وبفضل الكسبة والتجّار، وبفضل النساء والرجال، استطاع الميرزا أن ينقذ العراق من الاستعمار.

ولا شك ان الاستعمار اليوم يستخدم أساليب ماكرة ويستفيد منها، وبسبب استجابة البعض إليه، لا زال له تأثير مباشر على دولنا.

علي كل حال استطاعت المرجعية الشيعية في أقلّ من نصف قرن أن تحرّر الدولتين الشيعيتين العراق وإيران مع قلّة نفوسهما آنذاك وقلّة إمكاناتهما.

أما الحوزات العلمية التي ننتسب إليها اليوم وأسأل الله تعالى أن يتقبل أعمالها، وأن يرضي مولانا بقيّة الله الأعظم عجّل الله تعالي فرجه الشريف، عنها، وأن يرعاها بدعائه وخيره وبفضله وكرمه، هذه الحوزات هي قدرات قويّة يمكن تفعيلها. فالميرزا الشيرازي من حيث الجسم كان ضعيفاً، ومن حيث الوزن لم يك يتعدّي الخمسين أو الستين كيلو غراماً، لكنه استطاع بفتوى واحدة أن يقهر قوّة استعمارية كانت هي الأكبر في العالم.

إنها المعادلة التي أسّس لها الأئمة الأطهار عليهم السلام، وبنوا عليها بنيانهم، فقد وضعوا القوة المادية والمعنوية تحت اختيار المراجع العظام الأتقياء من الشيعة ليحقّقوا الأهداف.

إنّ العراق آنذاك قد حقّق الانتصار بقوة الإسلام وبقوة التشيّع والمرجعية الشيعية، وكذلك باتّباع أهل البيت عليهم السلام. وإنّ الغدير تبلور وتجسّد في إيران آنذاك فأخرج الاستعمار الإنجليزي منها بفتوى واحدة من المرجعية.

أفضل وسيلة للتبليغ اليوم:

يقول القرآن الكريم: (ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حي عن بيّنة) فيجب أن تتجسّد هذه الآية، والوسيلة المتاحة لذلك هي إيصال الغدير للعالم أجمع. وحالياً الوسيلة الأمثل لبلوغ هذا الهدف هي القنوات الفضائية. فعلينا جميعاً أن نسعى في هذا المجال، كلُّ حسب إمكاناته. فمن تجمّع القطرات يأتي السيل العرم، ومن حبّات الرمل الصغيرة تتشكّل الصحراء القاحلة ـ (فأوّل السيل قطرٌ ثمّ ينهمر). فبإمكان كلّ واحد منّا، سواء كان غنياً أو فقيراً، أن يكون جزءاً في هذه الماكنة، أو أن يكون مشوّقاً ومرغّباً لهذا العمل الكبير.


كما ذكرت لكم آنفاً هناك الألوف من الفضائيات المضلّلة والمروّجة للفساد والإلحاد والكفر، وهنا قنوات خاصة تقوم ـ والعياذ بالله ـ بسبّ النبي صلي الله عليه وآله، وتبثّ الأكاذيب المختلقة وتنسبها للنبي صلي الله عليه وآله، وتنسب له تعابير مشينة، وهذه الفضائيات كثيرة وتعمل بلغات مختلفة، كما نقل لي بعض الإخوة المختصّين في هذا المجال. فما هي مقدمات وجود العمل في هذا الخصوص؟

إنّ مقدمات وجوده هو العمل على هداية الناس، حتى الذين يحاربون النبي صلى الله عليه وآله، فلعل من بين هؤلاء يوجد أشخاص غير معاندين، فالكثير منهم تعرّضوا لعمليات غسل الدماغ، ويمكن هدايتهم. فمن عليه أن يهدي هؤلاء؟ ومن يقدّم البينة لهم.

إنها مسؤولية الجميع وهو الواجب الكفائي الذي أشرت إليه، وهو اليوم واجب عيني علي الجميع، لأن الكفائي لم يتحقق بعد.

فليتنافس المتنافسون:

علي كلّ حال إنّني أدعو الجميع، من هذا المكان، ومن هذا اليوم، أدعو المؤمنين والمؤمنات في كل مكان من العالم إلى تفعيل مساعيهم وتجديدها أكثر وأكثر، لكي نمتثل بأوامر القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى: (ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بينة) لجميع الناس الذين يعيشون على الكوكب الأرضي وهم سبعة مليار. وإنّ أفضل وسيلة لذلك هي القنوات الفضائية. فعندما نذكر في كلامنا وخطاباتنا شيئاً من عظمة القرآن أو فضيلة للنبي صلي الله عليه وآله وللزهراء سلام الله عليها والأئمة الأطهار عليهم السلام، سيشاهد ذلك وفي وقت واحد الملايين وعشرات الملايين من الناس، وربما مئات الملايين من الناس إذا كانت التغطية أكبر وأوسع. فلعل أكبر اجتماع وحشد جماهيري في زمن النبي صلي الله عليه وآله والمعصومين عليهم السلام كان في واقعة الغدير، حيث اجتمع (120) ألف إنسان، واستمعوا إلى خطبة النبي صلي الله عليه وآله الغديرية. واليوم لعلّ الاستماع يبلغ (120) مليوناً. فلعلّ الناس البعيدون عنّا مئات الكيلومترات يستمعون أفضل من القريبين منّا، ويكون التأثير فيهم أكبر وأبلغ.

إذن الجميع تقع عليهم المسؤولية، والحوزات العلمية المقدّسة الشيعية عليها مسؤولية أكبر، لأن قدراتها الفعلية والعملية أكبر من غيرها.

أسأل الله تبارك وتعالى بفضله، وعناية مولانا الإمام المهديّ الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف أن يوفّق الجميع، وخاصة الحوزات العلمية، وبالأخصّ المراجع الأعلام أعلي الله كلمتهم. وصلي الله علي محمد وآله الطاهرين.