سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يلتقي أساتذة وطلبة علم من حوزة النجف الاشرف

مبيناً انتصار المؤمنين بطاعتهم للمرجعية

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، جمع من أساتذة وطلبة حوزة الإمام الكاظم صلوات الله عليه من مدينة النجف الأشرف، وذلك في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، يوم الأربعاء الموافق للثامن والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام 1435 للهجرة (17أيلول/سبتمبر2014م)، واستمعوا إلى توجيهاته القيّمة.

استهلّ سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، توجيهاته القيّمة بالحديث الشريف التالي: «اعتبروا من ماضي الدنيا لمستقبلها»، وقال:

هناك مثل معروف أيضاً، وهو: التاريخ يعيد نفسه. وهذا المثل مأخوذ من الأحاديث الشريفة. وقد أكّد القرآن الكريم على ذلك أكثر من مرّة، بتعبيرات مختلفة، كما أمر القرآن الكريم بالاعتبار، يعني النظر في تاريخ الماضين، وكيف كانوا، حتى تؤخذ الدروس من ذلك. وهكذا يكون بالنسبة للمستقبل أيضاً.

وقال سماحته: أحد كبار أعلام الشيعة والنجف الأشرف، المرحوم الشيخ كاظم الآخوند الخراساني، صاحب الكفاية، رضوان الله عليه وعلى جميع علمائنا الماضين، هذا الزعيم الديني الشيعي، وهذا الزعيم السياسي الشيعي، وهذا الزعيم العلمي الشيعي، وهذا الزعيم للحوزة العلمية في النجف الأشرف وسائر الحوزات العلمية المقدّسة في زمانه، هذا الزعيم العلمي كان ذات يوم شاباً مثلكم، فكيف بدأ بالدراسة، وكيف واصلها. وكيف واصل العلم والتقوى والأخلاق، حتى صار قمّة للحوزات العلمية، وقمّة للإسلام والمسلمين، وقمّة للحكومات الإسلامية والشعوب الإسلامية.

وبيّن سماحته: ذكروا في تاريخ الشيخ الآخوند الخراساني، مما ذكروه، أنه لم يك يملك قوته بمستوى خبز من دون إدام. يعني ما كان يملك ما يمكنه به أن يشتري الخبز فقط! وكان قد قضى فترة من حياته وهو في ريعان شبابه لكي يعبأ طاقاته في الدراسة العلمية والدينية، وكان يقترض أحياناً. وكان أحياناً لا يملك ما يؤدّي به ما يستقرضه، وكان يأخذ صلاة استيجارية، أي صلاة القضاء للأموات، ويأخذ مال الإجارة لصرفه من أجل لقمة العيش.

كما ذكروا من قبل في تاريخ استاذ الآخوند الخراساني وأستاذ الفقهاء حتى هذا اليوم، المرحوم الشيخ الأنصاري رضوان الله تعالى عليه، ذكروا أنه كان يكتسب في بعض الساعات من كل يوم ليوفر على نفسه أبسط قوت. فهكذا مضى الآخوند الخراساني والشيخ الأنصاري، وصاروا مراجع للمسلمين، وخلّفوا آثاراً علمية بالكتب، وخلّفوا آثاراً دينية في التقوى والأخلاق، حتى بلغوا ما بلغوا، وحتى وفّقهم الله سبحانه وتعالى. والشيخ الأنصاري كان يوماً مثلكم من أهل العلم في النجف الأشرف، وهكذا كان الآخوند الخراساني أيضاً. فمن منكم يكون في المستقبل مثل الشيخ الأنصاري ومثل الشيخ الآخوند الخراساني، ومثل صاحب العروة السيد الطباطبائي، وغيرهم من أمثال هؤلاء الأكابر؟ فهذا الأمر بحاجة إلى عزم، وبحاجة إلى إرادة، وبحاجة إلى تصميم. ويقول القرآن الكريم: (فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) سورة آل عمران: الآية186.

وأوضح سماحته، أيضاً، بقوله: اقرأوا تاريخ صاحب ثورة العشرين في العراق ومفجّرها، الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي الحائري رضوان الله عليه، اقرأوا تاريخه في الزهد وفي الدراسة وفي العلم، وتاريخه فيما قال الله سبحانه وتعالى: (ولمن صبر وغفر) أي الصبر وتحمّل الآخرين. والصبر على شتى المجالات مع مختلف الناس.

وأشار سماحته إلى دور ومكانة الشيخ الشيرازي قدّس سرّه، وقال: لقد ذكروا في تاريخ الشيخ الشيرازي أنه هو الشخص الوحيد الذي بدأ قيادة ثورة العشرين وعبّأ الطاقات الحوزوية والطاقات العشائرية والطاقات الأخرى في سبيل محاربة سيطرة بريطانيا على العراق، يوم كانت بريطانيا أكبر مستعمرة على وجه الأرض، وكان البريطانيون أنفسهم يسمّونها بريطانيا العظمى، ويوم كانوا يقولون بأن بريطانيا لا تغيب الشمس عن مستعمراتها. وهذه بريطانيا تصدّى شيخ عالم، وكان قبلها مثلكم من الشباب. فبعلمه وتقواه وزهده وأخلاقه وبواقعيته وفّق لمحاربة الإنجليز. وذلك اليوم كان عدد نفوس العراق قرابة خمسة مليون، كما ورد في كتاب (الحقائق الناصعة) وهو أحد الكتب المفصّلة بالنسبة إلى ثورة العشرين.

وأضاف سماحته: فالعراق حارب بريطانيا يوم كانت أقوى قوة على وجه الأرض، وكان العراق بالنسبة إليها ذاك اليوم، خاوياً وخالياً، ولكن إيمان الشعب العراقي ذلك اليوم والتفافهم حول المرجعية الدينية، وامتثالهم للمرجعية الدينية، وكذلك كانت قيادة المرجعية الدينية قيادة في المستوى، جعلت الشعب العراقي الضعيف ينتصر مقابل تلك الحكومة الكبيرة. واليوم سينتصر الشعب العراقي أيضاً.

وأردف سماحته: كما ذكروا في تاريخ الشيخ محمد تقي الشيرازي الذي حارب الإنجليز أنه كان في داخل العراق بعض الناس يتهمون الشيخ الشيرازي بأنه عميل للإنجليز ولبريطانيا، والناس عرفوا من يقول ذلك، فاستأذنوا الشيخ محمد تقي الشيرازي بأن يقطع راتب ذلك الشخص، فلم يأذن بذلك ورفض. فهذه الأخلاق وهذا الإيمان وهذا التحمّل، وهذا الصبر ولملمة المؤمنين وتحمّل المؤمنين بعضهم لبعض، جعل الشيخ الشيرازي العظيم أن يقاوم بالشعب العراقي الأعزل، أكبر حكومة على وجه الأرض ذلك الزمان، وأن ينتصر عليها. والشيخ الشيرازي، وكذلك الشيخ الأنصاري والشيخ الآخوند الخراساني رضوان الله تعالى عليهم كانوا ذات يوم مثلكم من الشباب.

وشدّد سماحته بقوله: إن العراق اليوم، والعالم الإسلامي كلّه، والعالم غير الإسلامي كلّه، أيضاً، بحاجة إلى ما يسمّيه أهل العراق بـ(شدّ حزام) من المؤمنين، وبحاجة إلى تحمّل، وبحاجة إلى صبر، وبحاجة إلى صمود ومواصلة، كل في مجاله. فالحوزة العلمية في مجالها، والعشائر في مجالهم، والجامعات والمدارس في مجالها، والرجال في مجالهم، والنساء في مجالهنّ، والمثقفون في مجالهم، وهكذا بالنسبة لباقي المؤمنين والمؤمنات. فكل يصبر ويثابر ويواصل، وكل يتحمّل مسؤوليته، حتى يكون عراق الغد، ببركة الإمام أمير المؤمنين وببركة الإمام الحسين وببركة أهل البيت صلوات الله عليهم، وببركة ورعاية مولانا بقيّة الله عجّل الله تعالى فرجه الشريف وصلوات الله عليه، عراقاً مشرقاً، وعراقاً صالحاً، ويكون سبباً لإصلاح المنطقة كلّها، وعبر العراق وعبر المنطقة، إصلاح العالم كلّه. فمن يزيل الفساد المنتشر في العالم كلّه، في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية؟ هذا الفساد يأنّ منه البشر كلّهم، كالفساد الإداري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ففي أي مكان تضع يدك تجد يد الفساد الكبير فيه في جميع العالم. فمن يزيل هذا الفساد؟

وأكّد سماحته، مخاطباً الحضور والمؤمنين والمؤمنات بالعراق كافّة: إنّ الذي يزيل هذا الفساد هو خطّ الإمام أمير المؤمنين وخطّ الإمام الحسين صلوات الله عليهما، وقبلهما خطّ مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله فهو سيّد الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم. فهذا الخط والإلتزام به، وبحدوده هو الذي يسبب نجاة العراق ونجاة المنطقة عبر العراق، ونجاة العالم عبر العراق. وكل واحد منكم يمكنه أن يؤدّي هذه المسؤولية الكبيرة في المستقبل وذلك عبر الكلمات الثلاث التالية:

الأولى: الإخلاص لله تعالى ولأهل البيت صلوات الله عليهم.

الثانية: النشاط في المستوى.

الثالثة: الأخلاق الحسنة في المستوى.

أسأل الله تعالى أن يوفّق الجميع لذلك.