حوزة كربلاء المقدسة تعقد مؤتمرها التبليغي العاشر تحت شعار:

«المنبر الحسيني: أصالةٌ وفكرٌ وأخلاقٌ»

alshirazi.net

الشيرازي نت: امتثالاً لتوجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله بضرورة الارتقاء بمستوى الخطيب الحسيني من النواحي الفكرية الأخلاقية حيث قال سماحته: «إن لأسلوب المبلغ وسلوكه أكبر الأثر في التبليغ، فمن الطبيعي أن يتناسب تأثر الناس بنا مع أعمالنا وتصرفاتنا وصدقنا ومطابقة عملنا لقولنا»، وقال كذلك: «ما دام المبلغ لا يدري أية تربة ستثمر فيها الكلمة الطيبة أكثر، فعليه إذن أن يسعى لبذر الكلمة الطيبة في كل مكان ومع كل إنسان».

 وبحضور كثيف من قبل العلماء والفضلاء وطلبة العلم وخطباء المنبر الحسيني المبارك ومن مدارس حوزة كربلاء المقدسة المختلفة، وبمناسبة قرب حلول شهر الأحزان والآلام محرم الحرام أقامت حوزة كربلاء المقدسة ـ مدرسة العلامة الشيخ احمد بن فهد الحلي عليه الرحمة والرضوان ـ مؤتمرها التبليغي العاشر تحت شعار: «المنبر الحسيني: أصالة وفكرٌ وأخلاقٌ» صبيحة يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام 1434 للهجرة.

استهل المؤتمر بتلاوة قرآنية معطرة بصوت الشيخ وسام جبار، ومن ثم أعلن عريف المؤتمر الخطيب الشيخ زهير الأسدي ابتداء أعمال المؤتمر، حيث كانت أولى كلماته لفضيلة العلامة الشيخ جعفر الحائري والذي استهل كلمته بقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ) الزمر: 9.

وعقّب متحدثاً حول أهمية العلم وطلبه ومنزلة العلماء وفق المنظور القرآني وأحاديث العترة الطاهرة صلوات الله عليها ومؤكداً أهمية العمل بما يعلمه الإنسان.

وقال كذلك: ونحن كطلبة علوم ومبلغين سائرين على نهج الأنبياء عليهم السلام الذين قدموا دماءهم الزكية في هذا الطريق لا بد لنا من جملة أمور للإتصاف بها وفي مقدمتها الإخلاص في العمل التبليغي وكذا التحلي بمكارم الأخلاق لاسيما التواضع وحوزة كربلاء المقدسة عرفت بتواضع رجالاتها وعلماءها وخطباءها منذ قرون.

كما وأكد على أمور عديدة منها:

أولاً/ التمسك بقاعدة مهمة في عمل المبلّغ وهي إلقاء المعلومة وفق مستوى المتلقي وكما ورد: «قولوا للناس ما يعلمون ولا تقولوا لهم ما ينكرون».

 ثانياً/ المطالعة المستمرة والتحضير الجيد قبل المجلس لتأتي المحاضرة متكاملة وناضجة ومتسمة بالدقة في الأداء.

ثالثاً/ ومن الأمور التي حذَّر منها مسألة الترف والكسل بل من الأهمية بمكان النشاط أثناء التبليغ ومواصلة العلاقات الاجتماعية مع المجتمع حتى في غير موسم التبليغ.

ثاني كلمات المؤتمر كانت لسماحة آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري والذي استهلها بكلمات الترحيب للحاضرين من الخطباء وطلبة العلم من مدارس حوزة كربلاء المقدسة كافة، ومن ثم تحدث حول الأصالة في المنبر الحسيني المبارك مبيناً ان ذلك يعني الامتداد والعمق التاريخي للمنبر، وان أول منبرٍ اتخذه الأنبياء هو منبر إبراهيم الخليل عليه السلام، أما رسول الله صلى الله عليه واله فكان يخطب واقفاً، بعد ذلك اتخذ منبراً وصرح بأنه اتخذه كما اتخذه إبراهيم عليه السلام، وهذا يعني أن المنبر المحمدي امتداد للمنبر الإبراهيمي وكذا المنبر الحسيني امتداد لهما، فالأصالة إذاً محفوظة وممتدة في عمق التأريخ.

وكذا أكد على خطورة هذه المهمة والمسؤولية الكبيرة حيث ان الإنسان حينما يخطب يعرف عبر ذلك مقدار بيانه وعقله وإدراكه للأمور وثقافته ومدى معلوماته وتصويره للأشياء وقد قيل في المثل: «الصورة خيرٌ من ألف كلمة».

كما وتحدث حول أهمية مجالس الخطابة عند أهل البيت عليهم السلام مستشهداً على ذلك ببعض الروايات الشريفة.

بعد ذلك تحدَّث حول الفكر والأخلاق مبيناً أهمية أن يتصف المبلّغ بالأخلاق العالية ويجسدها عملياً فان ذلك أكثر جدوى بالتأثير المؤدي إلى الإصلاح النابع من الفكر السليم وضرب مثالاً لذلك سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي قدس سره الذي اعترف المخالف والمؤالف بحسن أخلاقه وعلميته.

ثالث فقرات المؤتمر كانت كلمة سماحة العلامة الحجة الشيخ ناصر الأسدي وقد استمدها من قوله تعالى: (هذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) آل عمران: 138.

فعقّب متسائلاً حول مراد الله من المبلغ وكذا مراد المستمع والخطيب ذاته، وقبل أن يجيب على ذلك ذكر مقدمة تمحورت حول أن الرسول الأعظم صلى الله عليه واله الرحمة الإلهية المهداة التي ينبغي الإقتداء به قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ  لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ  وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) الأحزاب:21، والإقتداء يستلزم السير وفق نهج الرسول صلى الله عليه واله لاسيما وفق اختصاصنا التبليغي.

بعد ذلك أجاب عن السؤال المتقدم قائلاً: إن ذلك نعرفه من خلال آية البعث قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) الجمعة: 2، فالمطلوب إذاً أن يكون المبلّغ مزكي للأمة ومعلم لها.

ومن ثم اخذ في بحث التزكية والمعاني المطلوبة فيها لاسيما عبر اتصاف الأفراد في الأمة بالأخلاق المحمدية العظيمة ويكون ذلك عبر بعثهم نحو المجاهدة لتطير النفس من الأدران وشوائب المعاصي فبذلك نستطيع الارتقاء بواقعهم ليكونوا أصحاب مبادئ سامية على نهج سيد الشهداء عليه السلام.

واستشهد لذلك بمثالين احدهما شاب في واقعة الجمل يدعى «مسلم المجاشعي» الذي قدَّم نفسه قرباناً حيث دعا أهل الجمل إلى كتاب الله امتثالا لأوامر الإمام علي عليه السلام بدعوتهم إلى ذلك رغم أن الإمام حذّره بأنه سوف يقتل وفعلاً حصل ذلك، والثاني زوجة علي بن مظاهر الاسدي ـ أخو الشهيد حبيب بن مظاهر ـ، حيث أمرها زوجها ليلة العاشر من المحرم ان تترك المعسكر وتذهب إلى عشيرته «بني أسد» إلا أنها رفضت وقالت بعد أن نطحت رأسها بعمود الخيمة وسال الدم منه: كيف تسبى نساء آل بيت الرسالة ولا اواسيهن، فموقفها هذا أوضح عقيدتها وفكرها وشجاعتها.

وأضاف: ينبغي على المبلغ بل عموم المؤمنين أن يكونوا تابعين ومسلمين لأهل البيت عليهم السلام وفي الزيارة: «أمري لأمركم متبع»، فيجب ان يكون هذا الأتباع عملياً بحيث يكون المبلغ داعياً إلى أهل البيت عليهم السلام عبر أفعاله وتصرفاته، أما ان يكتفي بالحزن فقط فهذا لا يكفي بل حتى الكفار نجدهم يحزنون على سيد الشهداء عليه السلام فهذه الهند يوم العاشر من المحرم عندها يوم تعطيل رسمي رغم انه يوجد في الهند مليار وثن.

بعد ذلك بحث مسألة الطرق الصالحة والمثلى في تزكية النفس والواجب على الخطيب ان يتبعها، مؤكداً أن ذلك يؤخذ من القرآن العظيم قال تعالى: (ادْعُ إِلَى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ  أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل: 125.

فأكد على أهمية ان يتطرق الخطيب عبر أسلوبه القرآني الى الالتزام  الشرعي بالواجبات فبحث مسألة الضرائب الشرعية والإلتزام بأوقات الصلاة وكذا الأخلاق الإسلامية.

ختام كلمته دعا الخطباء الأفاضل الى قراءة الكتب المختصة بالخطابة ذاكرا لبعض العناوين ومحذراً بأننا اليوم في قبال خطباء عالميين وصل بعضهم إلى درجات عالية في هذا الفن بحيث يتجاوز عدد المستمعين إليه لأكثر من 600 مليون إنسان.

رابع كلمات المؤتمر كلمة سماحة آية الله الشيخ فاضل الصفار وقد انطلق من ذات شعار المؤتمر: «الخطيب الحسيني: أصالةٌ وفكرٌ وأخلاقٌ» قائلاً: إن الأصالة مفردة تجمع الفكر والأخلاق فهي المفردة التي لها اصل في الشريعة المقدسة، وكل ما يؤخذ من الأصل فهو أصيل.  

والشريعة المقدسة هي حكم الله تعالى وطريقه الى العباد فكل ما ينتمي إلى الشريعة من فكر وأخلاق فهو أصيل وخلافه ليس بأصيل.

كما وأكد على أهمية ان يكون الفكر متوافق وصادر من المنظور القرآني وما ورد عن أهل بيت العصمة والرسالة صلوات الله عليهم من روايات وان لا يتبع المبلغ العقل الشخصي فان كثيراً من أحكامه ظنية واستحسانية ومن هنا ورد إن دين الله لا يصاب بالعقول، فإذا قيس دين الله بالعقول محق الدين.

إذاً لابد أن يكون المحور الفكري كلام المعصوم عليه السلام فذاك هو الفكر الأصيل الذي له جذرٌ في الشريعة المقدسة.

بعد هذه المقدمة بحث في كون القضايا والأحداث الخارجية على نوعين:

الأول/ أحداث عادية واقعة يومياً.

الثاني/ قضايا إلهية من حيث حدوثها وأسبابها واستدامتها وهذا يرجع الى الإرادة الإلهية.

وأضاف: ان المشكلة المتفشية والخطيرة ان البعض يقيس قوانين وأسباب القضايا والأحداث العادية على الإلهية وهذا أمر خاطئ، فالحذر ان يقيس شخص ما قضية عاشوراء كونها قضية إلهية على وفق مقاسات القضايا العادية، بل ينبغي النظر اليها والى كل قضية إلهية وفق زوايا ثلاثة:

الأولى/ عقلية لتُشكل منها الاعتقاد.

الثانية/ قلبية ليُشكل منها الإيمان.

الثالثة/ شعورية ومنها يكون الموقف والمسؤولية.

ولتوضيح ذلك بحث في قضية إلهية قرآنية هي قضية إبراهيم عليه السلام حين أمر بذبح ابنه إسماعيل.

وقال بعد ذلك: إن عاشوراء هي قضية إلهية بتفاصيلها فإرادة الله سبحانه شاءت ان يُرى الإمام الحسين عليه السلام شهيداً ونساء الرسالة سبايا ليمتحن بذلك الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وأمير المؤمنين والسيدة الزهراء وسائر الأئمة عليهم السلام، وإنها قضية دائمة والآن المؤمنون يمتحنون عبرها فهي قضية استثنائية ومن الخطأ قياسها وفق القضايا العادية.

وفي ختام المؤتمر أعلنت لجنته البيان الختامي لأعماله وفيما يلي نص البيان:

تحت شعار:  «المنبر الحسيني أصالة وفكر وأخلاق»

بسم الله الرحمن الرحيم

(الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى‏ بِاللَّهِ حَسِيباً) الأحزاب: 39

صدق الله العلي العظيم

في خضم المعترك الحضاري الذي تخوضه الأمة الإسلامية، وتتعرض خلاله إلى غزو ثقافي وإعلامي شامل، يبرز دور المنبر الحسيني ليقود حركة فكرية تتميز بالأصالة الإسلامية ملتزمة بضوابط الأخلاق السامية، ومع إطلالة شهر محرم الحرام حيث تنتفض الطاقات والعواطف الحسينية النبيلة لإحياء ذكرى نهضة الحسين عليه السلام الخالدة، أكد رجال المنبر والعلماء المؤتمرون في حوزة كربلاء المقدسة على التوصيات التالية آملين من حملة رسالة الإمام الشهيد عليه السلام وخطباء المنبر مدارستها والانطلاق منها للنهوض بمسؤولية الإصلاح والتبليغ مقتدين بإمامهم عليه السلام القائل: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».

1. بما أن الخطيب الحسيني يبلغ رسالات الله للأمة ينبغي إن يمثل أخلاق الإسلام في سلوكه الاجتماعي ويصبح نموذجاً وقدوةً لجمهوره مقتدياً بنبيه الكريم صلى الله عليه وآله الذي أمرنا الله باتخاذه نموذجاً يحتذى حيث قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).

2. وان واقع العولمة والانفتاح الثقافي والفكري العالمي يفرض ضرورة الارتقاء بمستوى التبليغ المنبري أدبياً وعلمياً، ويترجم هذا الارتقاء عملياً بطرح القضايا الحيوية من واقع حياة الناس، عبر الأفكار الناضجة والمواعظ البليغة، والمعلومات الحية الحديثة، والأحكام الشرعية، مع إتقان الجانب اللغوي والأداء الفني الرصين وهذا ينتج الأثر التربوي الكبير ويكسب الخطيب المزيد من الاحترام والإكبار والتقدير، كما ينتج التبليغ والاستقطاب للدين الحنيف.

3. إن نهضة الإمام الحسين عليه السلام ارتكزت على أساس إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وإنكار الظلم والاستبداد والفساد الاداري، فيلزم دوماً على الخطيب الحسيني الواعي ان يثير دفائن العقول ويرشد الى القيم الحضارية السامية حيث ان المنبر مدرسة الأخلاق ووسيلة الإصلاح العام.

ان مسؤولية الخطيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات الشائعة، وتربية الجيل الجديد من الفتيان والفتيات، والدفاع عن الشرائح المضطهدة من النساء والأيتام والضعفاء.

في الوقت الذي يلزم أيضاً الابتعاد عن القضايا الجزئية والمكررة والميتة، وعدم الانجرار مع تيارات الفتن والخلافات والمهاترات، فالمنبر منهاجه مبادئ الإمام الحسين عليه السلام وتعاليم القرآن ونهج البلاغة وأحاديث وسيرة الرسول صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرة عليهم السلام قال تعالى: (ادْعُ إِلَى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وقال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً).

وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.