أساتذة وطلبة علم من حوزة النجف الأشرف في زيارة لسماحة المرجع الشيرازي

ألقى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، كلمة قيّمة بجمع من أساتذة وطلبة مدرسة دار الحكمة من مدينة النجف الأشرف، الذين زاروا سماحته في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، صباح يوم السبت الموافق للسادس والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام 1433 للهجرة.

قال سماحته في كلمته: إنّ الموفّقون من العلماء من السلف الصالح، كان من عمدة أسباب توفيقهم هو الجهد والزهد. فعادة بدون هذين الأمرين لا يحصل الإنسان على التوفيق الكبير.

هنا أنقل لكم، بهذا الصدد، قصّة عن أحوال أحد العلماء من الذين نالوا الموفقية، وهو من العلماء الذين درسوا في النجف الأشرف، وقد رأيته أنا شخصياً، وأنقل لكم قصّة عنه بالواسطة، ويرجع تاريخها إلى ما يقارب قرن، حيث نقلوا عنه كيفية مجيئه إلى النجف الأشرف, وتوفيقه لتعلّم علوم أهل البيت صلوات الله عليهم.

هو رجل من إحدى القرى، عزم في شبابه على الذهاب إلى النجف الأشرف، ولفقره المالي ذهب إليها مشياً على الأقدام، وقطع مئات الكيلومترات، ووصلها في فصل الصيف، وكانت الدراسة بالنجف قائمة حينها، حيث لم تكن الحوزة آنذاك تعطّل عن الدرس حتى في الصيف، فالدراسة كانت قائمة على مدار السنة، وحتى الأساتذة الذين كانوا يعانون من المرض، كانوا يحضرون للتدريس، في عزّ الصيف، ولصلاة الجماعة.

قالوا نقلاً عن لسان هذا العالم: وصلت النجف ولم أك أعرف أحداً فيها. وكنت أنام في الليل في الصحن الحيدري الشريف، وبالنهار, وفي غير أوقات الدرس, كنت ألجأ للنوم إلى مقبرة وادي السلام، وأستظل بظلّ بعض المقابر وبعض المقامات, وكنت أذهب إلى الدرس عصراً أيضاً. وقبل ذهابي إلى الدرس, كنت أذهب إلى الصحن الحيدري الشريف لأشرب الماء, حيث كنت أستيقظ من نوم الظهر وأنا عطشان. وأما طعامي, فكنت أقتات من النفايات التي يرميها الناس، ولم يك عندي كتاب، فكنت في الدرس أجلس بجنب أحد الطلبة واتابع الدرس من كتابه بموافقته. ومضت الأيام وأنا بهذه الحالة، ولا أحد يعرفني ولاأنا أعرف أحداً. وذات يوم ذهبت بعد الدرس إلى وادي السلام بعد صلاة الظهر والعصر، لأستراح وأنام. فنمت، وبعدها استيقظت, وكنت عطشاناً كثيراً، فبدأت البحث عن الماء في المقبرة، فوجدت ماء يجري، وكانت تخرج منه رائحة غير مناسبة، لكن ولشدّة ظمأي شربت منه، وبعدما ارتويت قرّرت أن أعرف مصدر هذا الماء، فتتبعت مسيره، فوجدته يخرج من المغتسل ـ مكان غسل الأموات ـ، فتألّمت كثيراً، فجئت إلى الحرم العلوي الشريف واستقبلت الضريح الطاهر وخاطبت مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وقلت له: سيدي يا أمير المؤمنين! أنا جئت فخوراً ومسروراً بأن أطلب العلم وأدرس بجوارك، وأعبد الله تعالى بجوارك, ولكن وصل حالي إلى ما أنا عليه الآن، فتفضّل عليّ بأن تنجيني من هذا الوضع المزري.

يقول: في اليوم الثاني كنت جالساً في الدرس، فجاء أحد الطلبة وقال لي: أنت فلان؟ قلت: نعم. قال: المرجع الفلاني ـ وكان مرجع زمانه ـ يطلبك، فتعجّبت وقلت له: يريدني أنا؟! قال: نعم. فاستغربت وفرحت أيضاً. فذهبت إليه، وسلّمت عليه وقبّلت يده. فقال لي: أنت فلان؟ قلت: نعم. قال: ما تدرس؟ قلت: حاشية الملا عبد الله. فقام المرجع وذهب إلى مكتبته وأخرج كتاباً منها وجاء به وقدّمه إليّ، وقال: هذا كتاب حاشية الملا عبد الله، درست به أنا أيام شبابي، وفيه تعليقاتي وملاحظاتي، وأوراق من كتاباتي، خذه وادرس به. ثم قال لي: أين تنام؟ قلت: في الصحن الشريف ليلاً، ونهاراً في مقبرة وادي السلام. فنادى أحد حاشيته وقال له: ابحث له عن مكان في إحدى المدارس، واجعل له مرتّباً شهرياً.

قال هذا العالم: بعد ذلك تغيّر وضعي وصار وضعاً عادياً، أيّ صار حالي كحال باقي الطلاّب.

وعقّب سماحة المرجع الشيرازي، قائلاً: بهذا التحمّل، وبهذا الثمن، لطلب العلم، يتوفّق طالب العلم. وبهذا التحمّل صار هذا الرجل من العلماء الموفّقين. فالعلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء. كما قال الإمام المعصوم صلوات الله عليه.

ثم شدّد سماحته بقوله: يقول مولانا الإمام أمير المؤمنين: (ليس منّا من لم يحاسب نفسه كل يوم, فإن عمل خيراً حمد الله واستزاده, وإن عمل سوءاً استغفر الله). فعلى الإنسان أن يحاسب نفسه كل يوم ولو لدقائق، حتى لا يكون مصداق قول الإمام. فمن يرضى أن يكون مشمولاً بقول الإمام صلوات الله عليه (ليس منّا)؟ وهي كلمة كبيرة وعظيمة جدّاً.

وأكّد سماحته: إن الشيخ الأنصاري قدّس سرّه وفّق وصار من العظماء والمخلّدين, وذلك بالجهد والزهد. وهكذا صار السيد بحر العلوم والشيخ المفيد والعلاّمة الحلّي رضوان الله عليهم، من بين الألوف من الطلبة ممن كانوا زملائهم في الدراسة. فعلى المرء أن يجهد نفسه في العمل بالواجبات وبالمسؤولية الشرعية، وبالمستحبّات بالمقدار الذي لا يزاحم الواجبات، فالإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: لا قربة للنوافل إذا أضرّت بالفرائض.

وقال سماحته: كان بعض أساتذتنا يوصوننا بقولهم: اعتذروا بالدرس لترك الأمور الأخرى، ولا تعتذروا لترك الدرس بأمور أخرى, كالذهاب إلى الاصطياف أو تلبية دعوة غداء أو عشاء، وغيرها.

وخاطب المرجع الشيرازي دام ظله، الحضور، بقوله: أنتم في النجف الأشرف، وبجوار مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهي فرصة ثمينة، أتاحها الله تعالى لكم، فاغتنموها حتى تستفيدوا أكثر، وشجّعوا الآخرين على الدراسة، وركّزوا على الجهد والزهد، في إطارهما الصحيح، أي لا إفراط ولا تفريط.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفّقكم للمواصلة وللمزيد.

كما أسألكم الدعاء عند مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.