عاشوراء زفاف الشهادة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الإصرار على ممارسة الشعائر الحسينية لم يأتي من فراغ أو إنه يمارس ممارسة عشوائية أو عبثية أو إنه مجرد تفريغ شحنة من الشحنات العاطفية في النفوس من تلك التي تخلفها الأحداث والوقائع الأخرى. بل هو نتيجة طبيعية معقولة ومقبولة لما أفرزته أهداف ومضامين ونوايا ومقاصد النهضة الحسينية العظيمة وما عكست من صور جميلة لم يستطيع التاريخ والشخصيات رسم مثيل لها.

وبما أن الشعوب متعطشة دائماً للحرية وللعيش الرغيد والحياة الحرة الكريمة السعيدة المحاطة بالأمن والإستقرار والإطمئنان والتمتع بالسيادة التامة. وبما أنها عانت أقسى المعانات من ظلم وجور الحكام المستبدين فراحت تبحث عن وسيلة تعبِّد لها خط الوصول إلى الإنتفاضة والتمرد على الطغيان والجهل لذلك إلتجأت إلى إحياء ذكرى عاشوراء لتشعر بأنها تعيش عيش الأحرار ولتثبت بأنها ما زالت تقف على ربوة عالية من ربوات الإرشاد والإصلاح والفلاح لتشاهد بعبن بصيرة والتفكر الجاد وبتمعن مسرح الثورة، فيستمر الترابط التاريخي وتنمو روح التواصل فتطبق بنود المنهج الذي أعلنه سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصر على تطبيقه ثم أستشهد من أجل ذلك ليرسم بالدم أعظم وأجل وأجمل صورة للتضحية والإباء.

لم يكن إطار شمولية النهضة الحسينية يضم في حدوده فئة معينة دون أخرى ولم تقتصر تربيتها وترسيخ العقيدة بواسطتها على المسلمين فحسب بل امتدت لتجتاز أقصى حدود العالم وتخترق كل الأسوار وكل الحصون مهما كانت رصينة وحصينة ومتينة.

ولو لا الصرخة الحسينية وبقاء دوي صداها في آفاق المبادئ السامية لما دخل الإسلام الصين أو الهند أو أعماق أوربا وجعل الشعوب تدرك تمام الإدراك بأن الثقافة والتقدم والتطور والتمدن ليس التفكك والإنحلال إنما هو الإلتزام التام بالمبادئ السامية والتحلي بالخلق الرفيع والتواضع مع الهيبة والوقار، والسلم مع الشجاعة والإقتدار، والدعوة إلى التحابب والتوادد في الله لبناء مجتمع فاضل يعتلي ذرى المجد.

كل ذلك عرفه العالم بفضل الصرخة الحسينية التي أطلقت ساعة ثار أبو الأحرار الحسين (عليه السلام) ضد الواقع الفاسد الذي فرضه وأراده أن يسود طاغية التأريخ يزيد حين حاول أن يذبح صوت الحق وصوت الحرية ويخمد إشعاع الإسعاد البشري ودستور الحضارة الإنسانية الذي تمثل بصوت الحسين (عليه السلام) حين وقف صارخاً بأعلى صوته ليفزز الضمائر من سباتها العميق     ـ ذلك إذا فززت ـ وذلك حين صاح (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد) ثم قال:(لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما).

هذه الصرخة إضطرت يزيد إلى التخبط والتوغل في ظلمات الجهل والعمى الثقافي والحسي فدفعته عنجهيته وطغيانه وغباؤه أن يطلق كلمة (لا) ولكن أصبحت وبالاً عليه إذا أنها تعلن الحرب على الله ورسوله فتقول (لا) لله ولرسوله ولأحكام السماء التي جاء بها النبي محمد (صلى الله عليه وآله). فأعاد متشدقاً قول جلف مثله أعمى الله قلبه وبصيرته فيردد:

لعبت هاشم بالملك (فلا)    *     خبر جاء و(لا) وحي نزل

يقولها دون حياءٍ أو تردد (أم نجعل المتقين كالفجار) سورة ص 35. وهذا القول الصلف الصريح الذي يمثل إعلان الحرب على الله ورسوله وأهل بيته (صلوات الله عليهم) كان قد فتح المنافذ التي نفذت من خلالها الشعوب إلى عالم معرفة الحقيقة والفصل بين الحق والباطل وتمييزهما. ويبين الـ (لا) للباطل والقهر والاستبداد ويبين الـ (لا) للحق والسعادة والتمتع بالحقوق.

فأشرق نور الحق واعتلت الذرى الـ (لا) التي أطلقها أبو الأحرار فتمسك بها كل الأحرار وتمسك بها كل الأطهار وقد أصبحت نقطة إنطلاق لكل من يريد أن ينتفض بقوة وعنف وعزيمة وإصرار ويتمرد على الظلم والطغيان والإستبداد والدكتاتورية والإنفراد بالسلطة ومكوناتها.

هذه الـ (لا) التي أرعبت الطواغيت والجبابرة فجعلت هم يمارسون أقصى حالات البطش والإرهاب والقمع حرصاً على بقاء عروشهم سالمة من الإنهيار والسقوط في مستنقعات النسيان فعمدوا ببذل قصارى جهودهم لتحويل محاريب الصلاة إلى مذابح يذبح على أعتابها كل من يرفض الإنسياق الأعمى لأوامرها الإستبدادية والجبروتية.

إن إدعاء البعض بأن ممارسة الشعائر الحسينية إنما هو عمل لا ينم عن الوعي وهو إدعاء باطل بل هو تجاوز على رغبة الجماهير التي تعتز وتصر بالتعبير الصادق عن الإلتزام بالدين والقيم والمبادئ وممارسة الحقوق عن طريق ممارسة الطقوس الدينية.

إن ثقافة الثورة الحسينية أثبتت جدارة ومصداقية في أن تلعب دوراً فاعلاً لتكون جواب تحدٍ للجهل الذي أراد نشره كل الحكام المستبدين لتظل الشعوب سائرة في طرق الضلال المظلمة دون أن تجد أي بصيص من نور يعينها على مشاهدة الحقائق كما هي ومعرفة الحق، لذلك راح المستبدون يصرون في ترويج فكرة التخريب الثقافي في إيهام البعض بأن ممارسة الشعائر الحسينية ضرب من ضروب الهمجية في تنكرهم لكل ممارسات الشعوب لطقوسها الدينية ويبدوا أنهم تناسوا إن لم يكونوا قد نسوا بأن الشعوب تفتحت لديها آفاق التعلم والتعرف وأدركت تمام الإدراك بأن اليوم العاشر من محرم كان إيذاناً لإبتداء الثورة العارمة ضد كل الطواغيت وضد العبودية في كل العصور وضد الهمجية التي مارسها أعداء الحسين (عليه السلام) وإن إنتصار الحسين (عليه السلام) إنتصار الحق المتمثل بالعلم والمعرفة والوعي التام ضد الجهل والهمجية التي يود نشرها أعداء الحسين (عليه السلام) مما جعل هذه الثقافة تمتد إلى يومنا هذا وستمتد إلى ما شاء الله.