العشرون من شوال المكرم ذكرى إعتقال الإمام موسى الكاظم عليه السلام

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 العشرون من شهر شوال سنة مائة وتسع وسبعون أعتُقل الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام بأمر هارون العباسي إثر خوفه من منزلة الإمام ومكانته وسعيه في إصلاح الامة، حيث إن الإمامة إنتقلت إليه سلام الله عليه وهو ابن عشرين سنة، وكانت مدة إمامته خمساً وثلاثين سنة أدرك عليه السلام منها أواخر أيام المنصور، ولم يتعرض له ظاهراً، ومنها عشرين سنة مدة المهدي فجيء به الى العراق وحبس، ولم يجرؤ المهدي على إيذائه بسبب المعاجز الكثيرة التي رأها منه فأعاده الى المدينة ثم أدرك أيام الهادي ولم يتعرض له أيضاً، وكان ملكه حوالي سنة وأشهر.

 

الرؤيا تحذِّر:

قال صاحب عمدة الطالب: وقبض عليه ـ أي على الإمام عليه السلام ـ موسى الهادي وحبسه فرأى علي بن أني طالب عليه السلام في نومه يقول له: يا موسى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) محمد:22.

فإنتبه من نومه وعرف أنه المراد فأمر بإطلاقه ثم تنكر له من بعد ذلك فهلك قبل أن يوصل الى الإمام الكاظم عليه السلام أذى، ولما ولي هارون الخلافة أكرمه وأعظمه ثم قبض عليه وحبسه (ببغداد وقتله بالسم بعد أربع عشرة سنة من خلافته) .

 

هارون وإعتقال الإمام:

أما سبب إعتقال هارون الإمام عليه السلام وإرساله الى العراق فكما رواه الشيخ الطوسي وابن بابويه وغيرهما قالوا: كان السبب في وقوع موسى ابن جعفر عليه السلام الى بغداد أن هارون أراد أن يعقد الأمر لإبنه محمد بن زبيدة وكان له من البنين أربعة عشر إبناً فاختار منهم ثلاثة: محمد بن زبيدة وجعله وليَّ عهده، وعبد الله المأمون وجعل الأمر له بعد ابن زبيدة، والقاسم المؤتمن وجعل الأمر له بعد المأمون.

 

مكر واحتيال:

فلما وضع هارون العباسي محمد بن زبيدة في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث ساء ذلك يحيى (البرمكي من أعظم وزراء هارون) وقال: إذا مات الرشيد وأفضى الأمر الى محمد انقضت دولتي ودولة ولدي وتحوّل الأمر الى محمد ابن الأشعث وولده، فصار في مكان تضييع ابن الأشعث والسعي به عند هارون حتى نسبه الى التشيّع والإعتقاد بإمامة موسى بن جعفر عليه السلام وقال له: أنه لا يصل إليه مال من جهة من الجهات إلا خرج خمسه فوجّه به الى موسى بن جعفر، فصار ذلك سبباً لتوجس هارون من الإمام، فسأل يوماً يحيى وغيره بأنهم هل يعرفون أحداً من آل أبي طالب حتى يدعوه ويسأله عن موسى بن جعفر عليه السلام.

 

محمد بن اسماعيل:

فعينوا محمد بن اسماعيل بن جعفر ابن اخي الامام عليه السلام  الذي أحسن الإمام إليه كثيراً وكان مطّلعاً على أحوال الإمام فكتبوا إليه كتاباً بأمر هارون وطلبوه، فقال الإمام له: مالك والخروج مع السلطان؟ قال: لأن عليّ ديناً، فقال: دينك عليّ، قال: وتدبير عيالي، قال: أنا أكفيهم فأبى الاّ الخروج.

ثم قال للإمام أوصني فقال له: أوصيك بأن لا تشرك بدمي ولا تؤتم ولدي، فقال مرّة أخرى أوصني فأوصاه بمثله إلى ثلاث مرّات فأعطاه الإمام ثلاثمائة دينار وأربعة الاف درهم، فلما قام وذهب قال الإمام عليه السلام لمن حضره: والله ليسعينّ في دمي ويوتمنّ أولادي فقالوا: جعلنا الله فداك وأنت تعلم هذا من حاله وتعطيه وتصله؟

قال: نعم، حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: انّ الرحم إذا قطعت فوصلت قطعها الله وانني أردت أن أصله بعد قطعه حتى إذا قطعني قطعه الله.

 

إبن اسماعيل والبرمكي:

فذهب محمد بن اسماعيل إلى بغداد ونزل دار يحيى بن خالد البرمكي فتواطأ على إنه لو ذهب إلى هارون العباسي يقول له أموراً عن الإمام يهيج بها غضبه، فلمّا جاء إليه سلم عليه وقال له: ما ظننت  أنّ في الأرض خليفتين أنت هنا خليفة وموسى بن جعفر في المدينة خليفة تجبى اليه الأموال فأمر له هارون بمائتي الف درهم، لكنه لم ينتفع بها فأصابه وجع في حلقه بعد رجوعه إلى البيت فمات منه.

وفي رواية اخرى انه دخل في بعض الايام إلى الخلاء فزخر زحرة خرجت منها حشوته وجهدوا في ردها فلم يقدروا فوقع لما به وجاءه المال وهو ينزع فقال: ما أصنع به وأنا في الموت فعيد المال إلى دار الخلافة.

 

هارون في المدينة المنورة:

وحجّ هارون في تلك السنة أي سنة (179 هـ) لاحكام أمر سلطانه وأخذ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وكتب إلى الأطراف والنواحي يأمر العلماء والسادة والأعيان والأشراف بالاجتماع في مكة كي يجدد البيعة لولديه بولاية العهد، وجاء اوّلاً إلى المدينة الطيبة، وروى ابراهيم بن أبي بلاد قال: كان يعقوب بن داوُد يخبرني انه قد قال بالامامة، فدخلت إليه بالمدينة في الليلة التي أُخذ فيها موسى بن جعفر عليه السلام في صبيحتها فقال لي: كنت عند الوزير الساعة – يعني يحيى بن خالد – فحدثني انه سمع هارون يقول عند رسول الله صلى الله عليه وآله كالمخاطب له: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله انّي أعتذر إليك من أمر قد عزمت عليه، فاني أريد أن آخذ موسى بن جعفر فأحبسه لاني قد خشيت أن يُلقي بين أمتك حرباً يسفك فيها دماءهم» وأنا أحسب انه سيأخذه غداً.

 

إعتقال الإمام:

فلما كان الغد أرسل إليه الفضل بن ربيع وهو قائم يصلي في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله فأمر بالقبض عليه فقطع عليه صلاته وحمل وهو يقول: (إليك أشكو يا رسول الله ما ألقى) واقبل الناس من كل جانب يضجون ويبكون فلما حمل الى بين يدي هارون شتمه وجفاه (نعوذ بالله).

فلما جن عليه الليل قيده وأمر بقبتين فهيئتا له فحمل موسى بن جعفر عليه السلام الى إحداهما في خفاء ودفعه الى حسّان السروي وأمر أن يصير به في قبة الى البصرة فيسلمه الى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر الدوانيقي وابن عم هارون ووجه قبة أخرى علانية نهاراً الى الكوفة معها جماعة ليعمي على الناس أمر موسى بن جعفر عليه السلام.

 

الإمام في البصرة:

فقدم حسّان البصرة في السابع من شهر ذي الحجة قبل التروية بيوم، فدفعه الى عيسى بن جعفر نهاراً علانية حتى عرف ذلك وشاع أمره، فحبسه عيسى في بيت من بيوت المحبس الذي كان يحبس فيه وأقفل عليه وشغله عنه العيد، فكان لايفتح عنه الباب إلا في حالتين حال يخرج فيها الى الطهور وحال يدخل فيها إليه الطعام.

قال محمد بن سليمان النوفلي: فقال لي الفيض بن أبي صالح ـ وكان نصرانياً ثم أظهر الإسلام وكان يكتب لعيسى بن جعفر وكان بي خاصّاً ـ فقال: يا أبا عبد الله لقد سمع هذا الرجل الصالح في أيّامه هذه في هذه الدار التي هو فيها من ضروب الفواحش والمناكير، ما أعلم ولا شك إنّه لم يخطر بباله.

وبالجملة كان عليه السلام في حبس عيسى حوالي سنة، فكتب إليه هارون مراراً أن يقتله فلم يجرأ على ذلك ومنعه أيضاً جمع من أصدقائه فلمّا طال حبسه كتب الى هارون: «ان خذه منّي وسلّمه الى من شئت والّا خلّيت سبيله فقد إجتهدت بأن أجد عليه حجة فما أقدر على ذلك، حتى إني لأستمع عليه إذا دعا لعله يدعو عليّ أو عليك فما أسمعه يدعو الا الى نفسه، يسأل الله الرحمة والمغفرة».

 

السجدة الطويلة:

روى الشيخ الصدوق عن الثوباني أنّه قال: كانت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ـ بضع عشرة سنة ـ كل يوم سجدة بعد إنقضاض الشمس الى وقت الزوال.

فكان هارون ربما صعد سطحاً يشرف منه على الحبس الذي حبس فيه ابا الحسن عليه السلام فكان يرى أبا الحسن عليه السلام ساجداً فقال للربيع: يا ربيع ما ذلك الثوب الذي أراه كلّ يوم في ذلك الموضع؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما ذاك بثوب وانما هو موسى بن جعفر عليه السلام، له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس الى وقت الزوال.

قال الربيع: فقال لي هارون: أما أن هذا من رهبان بني هاشم، قلت: فما لك قد ضيّقت عليه في الحبس؟ قال: هيهات لا بد من ذلك.

 

النفس الكبيرة:

وروي في كتاب الدر النظيم عن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: قال بعثني هارون الى أبي الحسن عليه السلام برسالة وهو في حبس السندي بن شاهك، فدخلت عليه وهو يصلي فهبته أن أجلس، فوقفت متكياً على سيفي، فكان عليه السلام إذا صلى ركعتين وسلم واصل بركعتين أُخراوتين، فلما طال وقوفي وخفت خفت أن يسأل عنّي هارون وحانت منه سليمة فشرعت في الكلام، فأمسك...(فأبلغته رسالة هارون وقلت له أنّ هارون) يقرئك السلام ويقول لك أنه بلغني عنك أشياء أقلقتني فأقدمتك اليّ وفحصت عن ذلك فوجدت نفيّ الجيب برياً من العيب، مكذوباً عليك فيما رميت به، ففكرت بين إصرافك الى منزلك ومقامك ببابي، فوجدت مقامك ببابي أبرى لصدري وأكذب لقول(...) فيك ولكل إنسان غذاء قد اغتذاه وألفت عليه طبيعته ولعلّك إغتذيت بالمدينة أغذية لا تجد من يصنعها لك ها هنا، وقد أمرت الفضل أن يقيم لك من ذلك ماشئت، فمره بما أحببت وإنبسط فيما تريده.

قال فجعل عليه السلام الجواب في كلمتين من غير أن يلتفت اليّ فقال: لا حاظر مالي فينفعني ولم أخلق سؤولاً الله أكبر، ودخل في الصلاة، فرجعت الى هارون فأخبرته، فقال لي: فما ترى في أمره؟ فقلت: يا سيدي لوخططت في الأرض خطة فدخل فيها ثم قال لا أخرج منها ما خرج منها، قال: هو كما قلت ولكن مقامه عندي أحب اليّ .

قال: قال هارون: إيّاك أن تخبر بذلك أحداً، قال: فما أخبرت به أحداً حتى مات هارون.

 

الاسبوع الأخير:

وروى الشيخ الطوسي عن محمد بن غياث قال: لما حبس هارون أبا إبراهيم موسى عليه السلام وأظهر الدلائل والمعجزات وهو في الحبس تحيّر هارون، فدعى يحيى بن خالد البرمكي فقال: ...انطلق إليه وأطلق عنه الحديد وقل له: يقول ابن عمك أنه قد سبق مني فيك يمين أنّي لا أخليك حتى تقر لي بالإساءة، وتسألني العفو عما سلف منك وليس عليك في إقرارك عار ولا في مسألتك إياي منقصة، وهذا يحيى بن خالد هو ثقتي ووزيري وصاحب أمري فسله بقدر ما أخرج بيميني وانصرف راشداً.

قال محمد بن غياث: فأخبرني موسى بن يحيى بن خالد أن أبا ابراهيم قال ليحيى: «يا أبا علي أنا ميت وانما بقي من أجلي اسبوع...».

 

في حبس الفضل بن يحيى البرمكي:

وروي عن الفضل بن الربيع (في الايام التي كان الامام محبوساً عنده) قال: قد أرسلوا إليّ في غير مرّة يأمروني في قتله فلم أجبهم الى ذلك وأعلمتهم أني لا أفعل ذلك ولو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني.

فلما كان بعد ذلك حُوِّل الى الفضل بن يحيى البرمكي فحبس عنده أياماً فكان الفضل بن الربيع يبعث إليه في كل ليلة مائدة ومنع أن يدخل إليه من عند غيره فكان لا يأكل ولا يفطر الا على المائدة التي يؤتي بها حتى مضى على تلك الحال ثلاثة ايام ولياليها، فلما كانت الليلة الرابعة قُدمت إليه مائدة الفضل بن يحيى.

قال: ورفع يده إلى السماء فقال: «يا رب انك تعلم اني لو أكلت قبل اليوم كنت قد أعنت على نفسي» قال: فاكل فمرض، فلما كان من الغد بعث إليه بالطبيب ليسأله عن العلة فقال له الطبيب: ما حالك؟

فتغافل عنه، فلما اكثر عليه أخرج إليه راحته فأراها الطبيب ثم قال: هذه علتي، وكانت خضرة وسط راحته تدل على انه سم فاجتمع في ذلك الموضع، قال: فأنصرف الطبيب اليهم وقال: والله لهو أعلم بما فعلتم له منكم، ثم توفي عليه السلام.

 

جلد الفضل البرمكي:

وفي رواية أخرى ان الفضل بن يحيى لم يقدم على قتل الامام مع إصرار هارون على قتله فبلغ هارون وهو بالرقة ان الامام عند الفضل بن يحيى في سعة ورفاهة، فأنفذ مسرور الخادم الى بغداد على البريد وأمره أن يدخل من فوره إلى موسى بن جعفر فيعرف خبره فان كان السندي بن شاهك يأمره بطاعة العباس.

فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد ثم دخل على موسى بن جعفر عليه السلام فوجده على ما بلغ هارون، فمضى من فوره إلى العباس من محمد والسندي فأوصل الكتابين اليمها، فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض إلى الفضل بن يحيى فركب معه وخرج مشدوهاً دهشاً حتى دخل على العباس فدعا بسياط وعقابين فوجه ذلك إلى السندي وأمر بالفضل فجرد ثم ضربه مائة سوط...

 

السندي بن شاهك:

وكتب مسرور بالخبر إلى هارون، فأمر بتسليم موسى عليه السلام إلى السندي بن شاهك وجلس مجلساً حافلاً وقال: ايها الناس ان الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي ورأيت أن ألعنه فالعنوه، فلعنه الناس كل ناحية حتى ارتج البيت والدار وبلعنه.

وبلغ يحيى بن خالد، فركب إلى هارون ودخل من غير الباب الذي يدخل الناس منه حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر ثم قال: التفت الي يا أمير المؤمنين ... ان الفضل حدث وأنا حدث وأنا كفيك ما تريد، فانطلق وجهه وسر وأقبل على الناس فقال: ان الفضل كان عصاني في شئ فلعنته وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولوه، فقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت وقد توليناه.

ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى أتى بغداد فماج الناس وأرجفوا بكل شيء فأظهر انه ورد لتعديل السواد والنظر في أمر العمال وتشاغل ببعض ذلك ودعا السندي فامره فيه وانتثله (أي تقبل الامام وأعطاه رطباً مسموماً كي يعطيها إلى الامام ويبالغ حتى يأكله الإمام).

وفي رواية ان السندي بن شاهك حضر بعد ما كان بين يديه السم في الرطب، وانه عليه السلام أكل منها عشر رطبات، فقال له السندي: تزداد؟ فقال عليه السلام له:  حسبك قد بلغت ما يحتاج أليه فيما امرت به، ثم انه أحضر القضاة والعدول قبل وفاته بأيام وأخرجه اليهم وقال: ان الناس يقولون: ان أبا الحسن موسى في ضنك وضر وهاهو ذا لا علة به ولا مرض ولا ضر.

 

أشهدوا عليّ:

فالتفت عليه السلام فقال لهم: اشهدوا علي اني مقتول بالسم منذ ثلاثة ايام إشهدوا اني صحيح الظاهر لكني مسموم وسأحمر في أخر هذا اليوم حمرة شديدة منكرة وأصفر غذاً صفرة شديدة وأبيض بعد غد وأمضي إلى رحمة الله ورضوانه، فمضى عليه السلام كما قال في أخر اليوم الثالث.

وهو مصداق قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ...).

 

بعد غدٍ أموت:

روى الشيخ الصدوق وغيره عن الحسن بن محمد بن البشار قال: حدثني شيخ من أهل قطيعة الربيع من العامة ممن كان يقبل قوله قال: قال لي: قد رأيت بعض من يقرون بفضله من أهل هذا البيت فما رأيت مثله قط في نسكه وفضله قال: قلت: وكيف رأيته؟

قال:جمعنا ايام السندي بن شاهك ثمانين رجلاً من الوجوه ممن ينسب إلى الخير فأدخلنا الى موسى بن جعفر عليه السلام فقال لنا السندي: يا هؤلاء انظروا إلى هذا منزله وفرشه موسع عليه غير مضيق، ولم يرد به أمير المؤمنين سوءاً وانما ينتظره أن يقدم فيناظره أمير المؤمنين وهاهو ذا صحيح موسع عليه في جميع امره فأسألوه.

قال: ونحن ليس لنا هم الا النظر إلى الرجل والى فضله وسمته، فقال عليه السلام: اما ما ذكر من التوسعة وما أشبه ذلك فهو على ما ذكر، غير اني أخبركم أيها النفر اني قد سقيت السم في تسع تمرات واني أخضَّر غداً وبعد غدٍ أموت، قال: فنظرت إلى السندي بن شاهك يرتعد وبضطرب مثل السعفة.

ووفقاً لبعض الروايات ان الامام عليه السلام سأل السندي عند وفاته أن يحضره له ينزل عند دار العباس بن محمد ليغسله، ففعل ذلك، قال السندي: وسألته أن يأذن لي أن اكفنه فأبى وقال: انا أهل بيت مهور نسائنا وحج صرورتنا واكفان موتانا من طهرة أموالنا وعندي كفني.

 

شهادة الإمام وهلاك السندي:

فلما مات أدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد.... فنظروا إليه لا أثر به وشهدوا على ذلك وأخرج فوضع على الجسر ببغداد ونودي «هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة انه لا يموت فانظروا إليه» فجعل الناس يتفرّسون في وجهه وهو ميت.

قال بن شهر آشوب: ولما مات عليه السلام أخرجه السندي ووضعه على الجسر ببغداد ونودي (هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت فأنظروا إليه) وإنّما قال ذلك لإعتقاد الواقفة أنه القائم، فنفر بالسندي فرسه نفرة وألقاه في الماء فغرق فيه وفرق الله جموع يحيى بن خالد.

 

الطيب بن الطيب:

وفي رواية الشيخ الصدوق أنه حمل على نعش...فلما اُتي به مجلس الشرطة أقام أربعة نفر فنادوا: (ألا من أراد أن ينظرالى الخبيث موسى بن جعفر فليخرج) وخرج سليمان بن أبي جعفر من قصره الى الشط فسمع الصياح والضوضاء فقال لولده وغلمانه: ما هذا؟ قالوا: السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر على نعش.

فقال لولده وغلمانه: يوشك أن يفعل به هذا في الجانب الغربي فاذا عبر به إنزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم، فإن ما نعوكم فاضربوهم وأخرقوا ما عليهم من السواد، قال: فلما عبروا به نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم وضربوهم وخرقوا عليهم سوادهم ووضعوه في مفرق أربع طرق، وأقام المنادين ينادون: (ألا من أراد أن ينظر الى الطيب بن الطيب موسى بن جعفر فليخرج).

 

الإمام يدفن:

وحظر الخلق وغسله وحنطه بحنوط وكفنه بكفن فيه حبره استعملت له بألفين وخمسمائة دينار، مكتوباً عليها القرآن كله، وإحتفى ومشى بجنازته متسلباً مشقوق الجيب الى مقابر قريش فدفنه هناك وكتب بخبره الى هارون.

فكتب الى سليمان بن ابي جعفر: وصلت رحمك يا عم وأحسن الله جزاءك والله ما فعل السندي بن شاهك لعنه الله ما فعله من أمرنا.

 

الإمام الرضا وشهادة الإمام الكاظم:

روى الشيخ الكليني رحمه الله عن أحد خدمة الإمام موسى الكاظم عليه السلام أنه قال: أمر أبو إبراهيم عليه السلام ـ حين أخرج به ـ أبا الحسن أن ينام على بابه في كل ليلة أبداً ما كان حياً الى أن يأتيه خبره.

قال: فكنّا في كل ليلة نفرش لأبي الحسن عليه السلام في الدهليز ثم يأتي بعد العشاء فينام فإذا أصبح إنصرف الى منزله، قال: فمكث على هذا الحال أربع سنين، فلما كان ليلة من الليالي أبطأ عنا وفُرش له، فلم يأتي كما كان يأتي فاستوحش العيال وذعروا ودَخَلَنا أمرٌ عظيم من إبطائه.

فلما كان من الغد أتى الدار ودخل الدار وقصد الى أم أحمد، فقال لها: هات التي أودعك أبي، فصرخت ولطمت وجهها وشقت جيبها وقالت: مات والله سيدي، فكفّها وقال لها: لاتكلّمي يشيء ولا تظهريه حتى يجيء الخبر الى الوالي.

فأخرجت إليه سفطاً وألفي دينار أو أربعة آلاف دينار فدفعت ذلك إليه أجمع دون غيره، وقالت : إنه قال لي فيما بيني وبينه ـ وكانت أثيرة عنده ـ : (إحتفظ بهذه الوديعة عندك لا تطلعي عليها أحداً حتى أموت فإذا مضيت فمن أتاك من ولدي فطلبها منك فادفعيها اليه وأعلمي إني قد متّ) وقد جاءتني والله علامة سيدي.

فقبض عليه السلام ذلك منها وأمرهم بالإمساك جميعاً الى أن ورد الخبر وإنصرف فلم يعد لشيء من المبيت كما كان يفعل، فما لبثنا إلا أياماً يسيرة حتى جاءت الخريطة بنعيه، فعددنا الأيام وتفقدنا الوقت، فإذا هو قد مات في الوقت الذي فعل أبو الحسن عليه السلام ما فعل من تخلفه عن المبيت وقبضه لما قبض (ثم أقام الإمام الرضا عليه السلام وأهل بيته مأتماً لموسى بن جعفر عليه السلام).

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم