الخامس والعشرون من ذي الحجة تفضيل وبرهان بذكرى نزول سورة الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم

 الخامس والعشرون من شهر ذي الحجة الحرام ذكرى نزول سورة الإنسان وهذه السورة رغم قصرها فإن لها محتويات عميقة ومتنوعة وجامعة أو بالأحرى هي على أقسام خمسة:

الأول: يتحدث عن إيجاد الإنسان وخلقه من نطفة أمشاج (مختلطة) وكذلك عن هدايته وحرية إرادته.

الثاني: يتمحور حول جزاء الأبرار والصالحين، وسبب النزول الخاص بأهل البيت عليهم السلام.

الثالث: تكرار الحديث عن دلائل استحقاق الصالحين لذلك الثواب في عبارات قصيرة ومؤثرة.

الرابع: يشير إلى أهمية القرآن وسبيل إجراء أحكامه ومنهج تربية النفس الشاق.

الخامس: الحديث عن حاكمية المشيئة الإلهية مع حاكمية الإنسان.

 

أسماء السورة ومحل نزولها:

لهذه السورة أسماء عديدة أشهرها الإنسان والدهر وهل أتى وهي سورة مدنية، فالمفسرون ومنهم علماء الشيعة أجمعوا على أن السورة بتمامها أو على الأقل ما جاء في صدورها والتي تتحدث عن الأبرار والأعمال الصالحة هي مدنية.

 

سبب النزول:

البرهان العظيم على فضيلة أهل بيت النبي عليهم السلام:

قال ابن عباس: إنّ الحسن والحسين مرضا فعادهما الرسول صلى الله عليه وآله في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن برئا ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيّام (طبقاً لبعض الروايات أنّ الحسن والحسين أيضاً قالا نحن كذلك ننذر أن نصوم) فشفيا وما كن معهم شيء، فاستقرض علي عليه السلام ثلاث أصواع من شعير فطحنت فاطمة صاعاً واختبزته، فوضعوا الأرغفة بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل: وقال: السلام عليكم، أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صياماً.

فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه (وباتوا مرة أخرى لم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صياماً) ووقف عليم أسير في الثّالثة عند الغروب، ففعلوا مثل ذلك.

فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: «ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم» فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها، وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرئيل عليه السلام وقال: خذها يا محمد هنّأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة.

 

إشباع الجياع من أفضل الحسنات:

ليست هذه الآيات مورد البحث هي الآيات الوحيدة التي عدّت إطعام الطعام من الأعمال الصالحة للأبرار وعباد الله، بل إنّ كثيراً من آيات القرآن اعتمدت هذا المعنى وأكّدت عليه، وأشارت إلى أنّ لهذا العمل محبوبية خاصّة عند الله، وإذا ألقينا نظرة على عالم اليوم والذي يموت فيه بسبب الجوع حسب الأخبار المنتشرة ملايين الأشخاص في كل عام، والحال انّ بقية المناطق تلقي بالغذاء في القمامة تتّضح أهمية هذا الأمر الإسلامي من جهة، وابتعاد عالم اليوم عن الموازين الأخلاقية من جهلة أخرى.

ونورد هنا من باب المثال عدداً من الأحاديث الإسلامية التي أكّدت على هذا الجانب قال النبي صلى الله عليه وآله: «من اطعم ثلاث نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السماوات» أصول الكافي: ج2 ص200 ح3 .

وفي حديث للإمام الصادق عليه السلام قال: «من أطعم مؤمناً حتى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلاّ الله ربّ العالمين» أصول الكافي: ج2 ص201 ح6 .

وفي حديث آخر عنه عليه السلام قال: «لئن أطعم مؤمناً محتاجاً أحبّ إليّ من ان أزوره، ولئن أزوره أحبّ إليّ من أن أعتق عشر رقاب» أصول الكافي: ج2 ص203 ح18.

والجدير بالذكر أنّ الروايات لم تؤكد على إطعام المحتاجين والجياع فحسب، بل صرّحت بعض الروايات أنّ إطعام المؤمنين وإن لم يكونوا محتاجين هو كعتق رقبة العبد، وهذا يدلّ على أنّ الهدف لا يقتصر على رفع الاحتياج، بل جلب المحبّة وتحكيم وشائج المودة بعكس ما هو السائد في عالم اليوم المادي، كدخول صديقين إلى المطعم ودفعهما حساب الطعام كلّ على انفراد وكأنّ استضافة الأفراد سيما إذا كثروا مدعاةً للعجب في تلك المجتمعات!!

وورد في بعض الروايات أنّ إطعام الجياع بصورة عامة من أفضل الأعمال (وإن لم يكونوا مسلمين ومؤمنين) كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله إذ قال: «من أفضل الأعمال عند الله إبراد الكباد الحارة وإشباع الكباد الجائعة والذي نفس محمد بيده لا يؤمن بي عبد يبيت شبعان وأخوه ـ أو قال جاره ـ المسلم جائع» بحار الأنوار: ج74 ص369 .

بالرغم من أنّ ذيل هذا الحديث الشريف ذكر اشباع الإنسان المسلم، ولكن صدره يشمل كل عطشان وجائع، ولا يبعد اتساع مفهوم الحديث ليشمل حتى الحيوانات.

 وهناك روايات عديدة في هذا الباب.