9 ربيع الأول عيد آل مـحـمـد عليهم السلام عيد الغدير الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم

  

توطئة غديرية:

نعلم أن عيد الغدير هو أول عيد وأعظم عيد في الإسلام، ولكن بعد ذلك أصبح للمسلمين عيداً آخر وهو اليوم التاسع من شهر ربيع الأول، ولما لهذا اليوم من الاهمية عند أهل البيت عليهم السلام، فقد جاء موازياً لعيد الغدير بالتقدير والفضيلة، ذلك لأن أهل البيت عليهم السلام كانوا يعتبرونه يوم عيد، بل من أفضل الاعياد عندهم، فكانوا يحتفلون ذلك اليوم ويأمرون شيعتهم ومواليهم أن يكونوا فرحين فيه ويعظِّمونه، ويقيمون مجالس الافراح بتلك المناسبة العظيمة.

يقول المحدِّث القمي رحمه الله في كتاب مفاتيح الجنان:

«اليوم التاسع من شهر ربيع الأول عيد عظيم وهو عيد (البقر) وشرحه طويل، وروي أن من أنفق شيئاً في هذا اليوم غفرت ذنوبه وقال يستحب في هذا اليوم إطعام الأخوان المؤمنين وإفراحهم والتوسع في نفقة العيال، ولبس الثياب الجديدة، وشكر الله تعالى وعبادته، وهو يوم زوال الغموم والأحزان، وهو يوم شريف جداً. أضافة الى ذلك كما كان اليوم الثامن من هذا الشهر يوم وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام فهذا اليوم يكون أول يوم من إمامة صاحب العصر والزمان المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف، وبذلك زاد هذا اليوم شرفاً وفضلاً».

وما يرويه المؤرخون على أن هذا اليوم مشهور بين الشيعة في الأمصار والاقطار، وفي زماننا هذا ان يوم التاسع من ربيع الأول، هو أحد الأعياد، ويستندون في الأصل إلى ما رواه السيد ابن طاووس رحمه الله في كتاب زوائد الفوائد، والشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر.

وقال الشيخ حسن: نقلته من خط الشيخ الفقيه علي بن مظاهر الواسطى باسنادٍ متصلٍ عن محمد بن جريح البغدادي.

امّا ما رواه المجلسي رحمه الله في البحار: فقد روى عن محمد بن علاء الهمداني ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، اللذان قالا :تنازعنا في أبن الخطاب، فاشبه علينا امره، فقصدنا أحمد بن اسحق القمّي الذي كان وكيلاً للإمام العسكري عليه السلام في مدينة قم، وقرعنا عليه الباب، فخرجت علينا صبية من داره، فسألناها فقالت: هو مشغول بعيده فإنه يوم عيد.

فقلنا: سبحان الله! الإعياد عند الشيعة (الأضحى ، والفطر ، ويوم الغدير ، ويوم الجمعة).

قالت : فإن أحمد بن أسحاق يروي عن سيّده محمد عن أبيه أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلام أن هذا اليوم هو يوم عيد، وهو أفضل الأعياد عند أهل البيت عليهم السلام وعند مواليهم.

قلنا فاستأذني لنا بالدخول عليه، وعرِّفيه بنا، فدخلت عليه وأخبرته، فخرج علينا وهو مئتزر بمئزر له ومحتبيّ بكسائه يمسح وجهه فقال: كنت قد أغتسلت للعيد.

قلنا: أو هذا يوم عيد؟

قال: نعم، «وكان ذلك اليوم يوم التاسع من شهر ربيع الأول».

قالا: فأدخلنا داره وأجلسنا على سرير له، وقال: إنّى قصدت مولانا أبا الحسن العسكري عليه السلام مع جماعة من أخوتي ـ كما قصد تمان بسرُّ من رأى، فأستأذنا بالدخول عليه، فأذن لنا الإمام عليه السلام فدخلنا عليه في مثل هذا اليوم ـ وهو يوم التاسع من شهر ربيع الأول ـ، وقد أوعز إلى كل واحد من خدمه أن يلبس ما يمكنه من الثياب الجدد، وكان بين يديه عليه السلام مجمرة يحرق فيها العود بنفسه.

 

رسول الله والتاسع من ربيع الأول:

قلنا: بآبائنا أنت وأمهاتنا يابن رسول الله، هل تجدّد لأهل البيت في هذا اليوم فرح.

فقالَ عليه السلام: وأي يوم أعظم حرمةً عند أهل البيت من هذا اليوم؟ ولقد حدّثني أبي عليه السلام:

أنّ حذيفة بن اليمان دخل في مثل هذا اليوم ـ وهو التاسع من شهر ربيع الأول ـ على جدّي رسول الله، قالَ حذيفة: رأيت سيدّي أمير المؤمنين مع ولديه الحسن والحسين عليهم السلام يأكلون مع رسول الله وهو يبتسم في وجوهم عليهم السلام ويقول لهما:

كُلا هنيئاً لكما ببركة هذا اليوم، فإنّه اليوم الذي يُهلك الله فيه عدوّه وعدوّ جدكما، ويستجيب فيه دعاء اُمّكما.

كُلا فإنه اليوم الذي يقبل الله فيه أعمال شيعتكما ومحبيكما.

كُلا فإنّه اليوم الذي يصدق فيه قول الله:

«فتلك بيوتهم خاوية....

كُلا فإنّه اليوم الذي يتكسر فيه شوكة مبغضِ جدكما.

كُلا فإنّه يوم يفقد فيه فرعون أهل بيتي وظالم وغاصب حقهم.

كُلا فإنّه اليوم الذي يقدّم الله فيه إلى ما عملوا من عمل فيجعله هباءً منثوراً.

قالَ حذيفة: فقلت: يارسول الله أوفي أمتك وأصحابك من ينتهك هذه الحرمة.

فقال رسول الله صلى الله عليه واله: نعم يا حذيفة.... جبت المنافقين يترأس عليهم ويستعمل في اُمتي الريب ويدعوهم الى نفسه، ويحمل على عاتقه درّه الخزر ويصدُّ الناس عن سبيل الله، ويحرّفُ كتابه، وسنُتّي، ويشمل على إرث وُلدي، وينصب نفسه عليهم ويتطاول على إمامه من بعدي، ويستحلّ أموال الله غير حلّها، وينفقها في غير طاعته، ويُكذّبني ويكذّب أخي ووزيري، وينحّي أبنتي عن حقّها، وتدعو الله عليه ويستجيب الله دعاؤها في مثل هذا اليوم.

قال حذيفة: قلت: يارسول الله ألم تدعو ربّك عليه ليهلكه في حياتك؟

قال: يا حذيفة، لا أحبّ أن أجتري على قضاء الله لما سبق في علمه، ولكنّي سألت الله أن يجعل اليوم الذي يقبضه فيه فضيلة على سائر الأيام ليكون ذلك سنّة يستنُّ بها أحبّائي وشيعة أهل بيتي ومحبّوهم، فأوحى إلى جلّ ذكره، فقالَ لي:

يا محمّد ـ كان في سابق علمي أن تمسّك وأهلُ بيتك محنَ الدنيا وبلاؤها، وظلم المنافقين والغاصبين من عبادي من نصحتهم وخانوك، ومحضتهم وغشّوك، وصافيتهم وكاشحوك، وأرضيتهم وكذّبوك، وأنتجبتهم وأسلموك، فإنّي بحولي وقوتّي وسلطاني لأفتحنّ على روح من يغصب بعدك علياً حقّه ألف باب من النيران من سفال الفيلوق، ولأصلينّه ,اصحابه قعراً يشرف عليه أبليس فيلعنه، ولأجعلنّ ذلك المنافق عبرة في القيامة لفراعنة الأنبياء وأعداء الدين في المحشر، ولأحشرنّهم وأوليائهم وجميع الظلمة والمنافقين إلى نار جهنّم زُرقاً كالحين أذلّة خزايا نادمين، ولأخلدنّهم فيها أبد الآبدين.

يا محمّد لن يوافقك وصيك في منزلتك إلاّ بما يمسّه من البلوى من فرعونه وغاصبه الذي يجتري عليّ ويبدّل كلامي، ويشرك بي، ويصدّ الناس عن سبيلي، وينصّب من نفسه عجلاً لأمتك، ويكفر بي في عرشي، إنّي قد أمرت ملائكتي في سبع سماواتي لشيعتكم ومحبيكم أن يتعيّدوا في هذا اليوم الذي أقبضه إليّ، وأمرتهم أن ينصبوا كرسيّ كرامتي حذاء البيت المعمور ويثنوا عليّ ويستغفرون لشيعتكم ومحبيكم من ولد آدم، وأمرتُ الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن الخلق كلّهم ثلاثة أيام من ذلك اليوم ولا أكتب عليهم شيئاً من خطاياهم كرامة لك ولوصيّك.

يامحمّد إنّي قد جعلت ذلك اليوم عيداً لك ولأهل بيتك ولمن تبعهم من المؤمنين وشيعتهم، وآليت على نفسي بعزتّي وجلالي وعلوّي في مكاني لأحبونّ من تعيّد في ذلك اليوم محتسباً ثواب الخافقين، ولأشفعنّه في أقربائه وذوي رحمه، ولأزيدنّ في ماله أن وسّع على نفسه وعياله فيه، ولأعتقنّ من النار في كلّ حول في مثل ذلك اليوم ألفاً من مواليكم وشيعتكم، ولأجعلنّ سعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، وأعمالهم مقبولة.

قال حذيفة: ثم قام رسول الله صلى الله عليه واله فدخل إلى بيت امّ سلمة عليها السلام، ورجعت عنه وأنا غير شاكَ في امر الشيخ، حتى ترأس بعد وفاة النبي صلى الله عليه واله واتيح الشرّ وعاد الكفر، وارتدّ عن الدين، وتشمرّ للمُلك، وحرّف القرآن، واحرق بيت الوحي، وأبدع السنن، وغيّر الملّة، وبدّل السنُّة، وردّ شهادة أمير المؤمنين عليه السلام، وكذّب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله، وأغتصب فدكاً، وأرضى المجوس واليهود والنصارى، وأسخط قرةّ عين المصطفى ولم يُرضها، وغيّر السنن كلها، ودبّر على قتل أمير المؤمنين عليه السلام وأظهر الجور، وحرّم ما أحل الله، وأحل ما حرّم الله، وألقى الى الناس أن يتخذوا من جلود الإبل دنانير، ولطم وجه الزكيّة، وصعد منبر رسول الله صلى الله عليه واله غصباً وظلماً، أمير المؤمنين عليه السلام وعانده وسفّه رأيه.

قال حذيفة: فأستجاب الله دعاء مولاتي عليها السلام على ذلك المنافق، وأجرى قتله على يد قاتله رحمة الله عليه.

 

أمير المؤمنين والتاسع من ربيع الأول:

قال حذيفة: فدخلت على أمير المؤمنين عليه السلام لأهنّئه بقتل المنافق ورجوعه إلى دار الإنتقام.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا حذيفة اتذكر اليوم الذي دخلت فيه على سيّدي رسول الله صلى الله عليه واله وأنا وسبطاه نأكل معه، فدلّك على فضل ذلك اليوم الذي دخلت عليه فيه!

قلت: بلى يا أخا رسول الله.

قال: هو والله هذا اليوم الذي أقرّ الله به عين آل الرسول صلى الله عليه واله، وإنّي لأعرف لهذا اليوم اثنين وسبعين أسماً.

قال حذيفة: قلت: أُحبّ أن تُسمعني اسماء هذا اليوم، وكان يوم التاسع من شهر ربيع الأول.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام:

«هذا يوم الأستراحة، ويوم تنفيس الكربة، ويوم الغدير الثاني، ويوم تحطيط الأوزار، ويوم الخيرة، ويوم رفع القلم، ويوم الهدوء، ويوم العافية، ويوم البركة، ويوم الثارات، ويوم عيد الله الكبر، ويوم يستجاب فيه الدعاء، ويوم الموقف الأعظم، ويوم التوافي، ويوم الشرط، ويوم نزع السواد، ويوم ندامة الظالم، ويوم إنكسار الشوكة، ويوم نفي الهموم، ويوم القنوع، ويوم عرض القدرة ،ويوم التصفح، ويوم فرح الشيعة، ويوم التوبة، ويوم الإنابة، ويوم الزكاة العظمى، ويوم الفطر الثاني، ويوم سيل النغاب، ويوم تجرع الريق، ويوم الرضا، ويوم عيد أهل البيت، ويوم ظفرت به بنو إسرائيل، ويوم يقبل الله أعمال الشيعة، ويوم تقديم الصدقة، ويوم الزيارة، ويوم قتل المنافق، ويوم الوقت المعلوم، ويوم سرور أهل البيت، ويوم الشاهد ويوم المشهود، ويوم يعضّ الظالم على يديه، ويوم القهر على العدّو ويوم هدم الظلالة،ويوم التنبيه، ويوم التصريد، ويوم الشهادة، ويوم التجاوز عن المؤمنين، ويوم الزهرة، ويوم العذوبة، ويوم المستطاب به، ويوم ذهاب سلطان المنافق، ويوم التسديد، ويوم يستريح فيه المؤمن، ويوم التبجيل، ويوم اذاعة السرّ، ويوم نصر المظلوم، ويوم الزيارة، ويوم التودد، ويوم التحبّب، ويوم الوصول، ويوم التزكية، ويوم كشف البدع، ويوم الزهد في الكبائر، ويوم التزاور، ويوم الموعظة، ويوم العبادة، ويوم الاستلام».

قال حذيفة: فقمت من عنده «يعني أمير المؤمنين عليه السلام»... وقلت في نفسي: لو لم ادرك من افعال الخير وما أرجو به الثواب إلاّ فضل هذا اليوم لكان مُناي.

قال محمد بن العلاء الهمداني، ويحيى بن محمد بن جريح: فقام كل واحد منّا وقبّل رأس أحمد بن أسحاق بن سعيد القمّي وقلنا: الحمد لله الذي قيضك لنا حتى شرّفتنا بفضل هذا اليوم، ورجعنا عنه، وتعيّدنا في ذلك اليوم.

قال سيد بن طاووس: نقلته من خط محمد بن علي بن محمّد بن طيّ رحمه الله ووجدنا فيما تصفحنا من الكتب عدّة روايات موافقة لها فاعتمدنا عليها، فينبغي تعظيم هذا اليوم المشار إليه واظهار السرور فيه.

ورواها أيضاً محمد بن جرير الطبري في دلائل الإمامة في الفصل المتعلق بأمير المؤمنين عليه السلام مسنداً.

كما رواها مسنداً في مصباح الأنوار للشيخ هاشم بن محمّد، وهو من اعلام علماء الإمامية في القرن السادس، ونصّ سند المصباح هو:

قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمّد القمّي بالكوفة، قال: حدثّنا أبو بكر محمد بن جعدويه القزويني، وكان شيخاً صالحاً زاهداً (سنّهُ إحدى واربعين وثلاثمائة) صاعداً الى الحج، قال: حدثني محمد بن علي القزويني، قال: حدثنا الحسن بن الحسن بن الحسن الخالدي بمشهد أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: حدثنا محمد بن العلاء الهمداني الواسطي ويحيى بن محمد جريح البغدادي قالا: ... (نص الرواية).

كما ذكرت هذه المناسبة العظيمة في مستدرك الوسائل، ج1، ص155، في رواية الشيخ المفيد رحمه الله.

والحمد لله رب العالمين.