شهادة السيدة الزهراء عليها السلام في الثالث عشر من جمادى الأولى انتهاك الحرمة ومصاب العترة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أسمها وكنيتها:

فاطمة بنت خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم أمها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ولدت بعد مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخمس سنين في العشرين من جمادى الثانية.

 

صفتها:

أشبه الناس بأبيها رسول الله صلى الله عليه وآله حتى في مشيتها وسكناتها وحركاتها ومنطقها وكانت نحيفة الجسد ومشرقة الوجه.

 

مناقبها:

قال فيها رسول الله صلى الله عليه وآله:

«فاطمة بضعة مني يرُيبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها»

«إن الله عز وجل ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها»

«فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني»

قال لها ولعلي والحسن والحسين: «أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم».

 

الزهراء تجاهد:

فاطمة عليها السلام واحدة من الذين ساهموا في بناء الصرح الإسلامي العظيم من خلال مواقفها في مكة والمدينة فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي عند البيت الحرام في بداية البعثة وأبو جهل وأصحابه ينظرون إليه وكان بقربهم ذبائح فقال أبو جهل من منكم يقوم إلى رفث هذه الذبائح ويجعلها على متن محمد فقام رجل وقال أنا فانبعث أشقى القوم فلما سجد النبي وضعه على كتفه ولطخه بهذه النجاسات والنبي صامد يتم صلاته وهم يضحكون عليه وفي هذه الأثناء أقبلت فاطمة عليها السلام إليه فطرحته عنه ثم أقبلت على أبي جهل وأصحابه فوبختهم حتى خجلوا منها.

وهكذا كانت ترافق أباها النبي صلوات الله عليه وآله منذ البدء وكانت تدافع عنه بكل بسالة وقوة عندما أتهمة الجاهلون بالسحر فكانت تؤكد عبر الحواريات مع النساء والفتيات أنه ليس بساحر بل نبي هذه الأمة.

فكانت فاطمة تدافع وتجاهد بلسانها الرقيق وأسلوبها العذب ومنطقها الرصين كما كان أبن عمها علي مرافقاً وملازما للنبي يذب عنه الحجارة وأذى قريش ويدفع عنه الصبيان عندما يلاحقونه بالحصى والحجارة فكان علي يتقيها بنفسه وكانت تشاهد تضحيات علي عن كثب وترى صمود أبيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانت تزداد ثباتا في جهادها منذ صغرها.

 

الرحى تدور:

من معجزات وكرامات الزهراء عليها السلام:

يقول أبو ذر بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أدعو علياً فأتيت بيته فناديته فلم يجبني أحد والرحى تدور وتطحن وليس معها أحد فناديته إلى أن خرج إلي ومازالت الرحى تدور فقلت عجبا من رحى تدور في بيت علي وليس معها أحد فقال: النبي: (إن ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها وجوارحها إيمانا ويقينا وإن الله علم ضعفها فأعانها على دهرها أما علمت أن لله ملائكة موكلين بمعونة آل محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ).


الشهادة المفجعة:

فاطمة الزهراء عليها السلام لم تبق بعد أبيها صلى الله عليه وآله إلا أياماً قليلةً مستديمةً الحزن والبكاء متلقية من المصائب والأذى والآلام ما الله عالم به والمتأمل في خطاب أمير المؤمنين عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد دفنها يعرف عظم ما جرى عليها ومن هذا الخطاب قوله:

«وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها فأحفها السؤال واستخبرها الحال فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين».

 

البكاؤون الخمسة:

روى ابن بابويه بسند معتبر عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال: البكاؤون خمسة: آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد وعلي بن الحسين عليه السلام فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره وحتى قيل له: (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى‏  تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ) يوسف: 85.

وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا له: أما أن تبكي الليل وتسكت بالنهار وأما أن تبكي بالنهار وتسكت بالليل فصالحهم على واحد منها.

أما فاطمة فبكت على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى المقابر ـ مقابر الشهداء ـ فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف.

وأما علي بن الحسين فبكى على الحسين عليه السلام عشرين سنة أو أربعين سنة، ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولاه: جعلت فداك يا بن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين.

قال: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) يوسف: 86.

أني ما أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقني لذلك عبرة.

 

الرسول ومظلومية الزهراء عليه السلام:

روى الشيخ الطوسي بسند معتبر عن ابن عباس أنه قال: لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة بكى حتى بلت دموعه لحيته فقيل له: يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال: أبكي لذريتي وما تصنع بهم شرار أمتي من بعدي. كأني بفاطمة وقد ظلت من بعدي وهي تنادي يا أبتاه فلا يعيها أحد من أمتي.

فسمعت ذلك فاطمة عليه السلام فبكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا تبكي يا بنية. فقالت: لست أبكي لما يصنع بي من بعدك  ولكني أبكي لفراقك يا رسول الله، فقال لها: أبشري يا بنت محمد بسرعة اللحاق بي فأنك أول من يلحق بي من أهل بيتي.

 

الزهراء توصي:

روي في كتاب روضة الواعظين وغيره أنه:

مرضت عليها السلام مرضاًً شديداً ومكثت أربعين ليلة في مرضها، فلما نعيت إليها نفسها، دعت أم أيمن وأسماء بنت عميس، ووجهت خلف علي عليه السلام وأحضرته فقالت: يابن عم، أنه قد نعيت إلي نفسي وإنني لأرى ما بي ولا أشك إلا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة وأنا أوصيك بأشياء في قلبي، قال لها علي عليه السلام: أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت ثم قالت:

يابن عم، ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني فقال عليه السلام: معاذ الله أنت أعلم وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفاً من الله أن أوبخك غداً بمخالفتي، فقد عز عليّ بمفارقتك وبفقدك، ألا وأنه أمر لا بد منه والله جدد علي مصيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد عظمت وفاتك وفقدك فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها، هذه والله مصيبة لا عزاء عنها ورزية لا خلف لها.

ثم بكيا جميعاً ساعة وأخذ علي عليه السلام رأسها وضمها إلى صدره ثم قال:

أوصيني بما شئت فإنك تجديني وفياً أمضي كلما أمرتيني به وأختار أمرك على أمري .

ثم قالت: جزاك الله عني خير الجزاء، يابن عم أوصيك أولاًً أن تتزوج بعدي بابنة أختي أُمامة فأنها لولدي مثلي فأن الرجال لابد لهم من النساء.

ثم قالت: أوصيك يابن عم أن تتخذ لي نعشاً فقد رأيت الملائكة صوروا صورته. فقال لها: صفيه إليّ. فوصفته فاتخذه لها، فأول نعش عمل في وجه الأرض ذلك.

ثم قالت: أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني وأخذوا حقي فأنهم أعدائي وأعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وأن لا يصلي عليّ أحد منهم ولا من أتباعهم وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار.

 

أسماء وشهادة الزهراء عليها السلام:

وروي في كشف الغمة وغيره أنه: لما حضرتها عليها السلام الوفاة أمرت أسماء بنت عميس أن تأتيها بالماء فتوضأت وقيل اغتسلت ودعت الطيب فتطيبت به ودعت ثياباً جدد فلبستها وقالت لأسماء: أن جبرائيل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وآله لما حضرته الوفاة بكافور من الجنة فقسمه أثلاثاً، ثلث لنفسه وثلث لعلي وثلث لي وكان أربعين درهماً.

فقالت: يا أسماء ائتني ببقية حنوط والدي، فضعيه عند رأسي فوضعته، ثم تسبحت بثوبها وقالت: انتظريني هنيئة ثم ادعيني فأن أجبتك وإلا فأعلمي أن قد قدمت على أبي.

فانتظرتها هنيئة ثم نادتها فلم تجبها فنادت يا بنت محمد المصطفى، يا بنت أكرم من حملته النساء، يا بنت خير من وطأ الحصا، يا بنت من كان ربه قاب قوسين أو أدنى.

قال: فلم تجبها فكشفت الثوب عن وجهها فإذا بها قد فارقت الدنيا فوقعت عليها تقبلها وهي تقول: فاطمة إذا قدمت على أبيك رسول الله صلى الله عليه وآله فأقرئيه عن أسماء بنت عميس السلام.

 

الحسنان وأمهما عليهم السلام:

 بينما هي كذلك دخل الحسن والحسين فقالا: يا أسماء ما ينيم أمنا في هذه الساعة؟

قالت: يا بني رسول الله ليست أمكما نائمة، قد فارقت الدنيا، فوقع عليها الحسن يقبلها مرة ويقول: يا أماه كلميني قبل أن تفارق روحي بدني، وأقبل الحسين يقبل رجلها ويقول: يا أماه أنا أبنك الحسين كلميني قبل أن ينصدع قلبي فأموت.

قالت لهما أسماء: يا بني رسول الله انطلقا إلى أبيكما علي فأخبراه بموت أمكما، فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد رفعا أصواتهما بالبكاء فابتدرهم جميع الصحابة فقالوا: ما يبكيكما يا بني رسول الله لا أبكى الله أعينكما، لعلكما نظرتما إلى موقف جدكما صلى الله عليه وآله فبكيتما شوقاً إليه؟

فقالا: لا أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة عليه السلام، قال: فوقع علي على وجهه يقول: بمن العزاء يا بنت محمد؟ كنت بك أتعزى ففيم العزاء من بعدك؟ ثم قال:

لكل اجتماع من خليلين فرقة                     وكل الذي دون الفراق قليل

وأن افتقادي فاطماً بعد أحمد                     دليل على أن لا يدوم خليـل

 

المدينة وشيوع الوفاة:

ثم توفيت فاطمة عليه السلام فصاحت نسوة المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة أن تزعزع من صراخهن وهن يقلن: يا سيدتاه يا بنت رسول الله.

وأقبل الناس مثل عرف الفرس إلى علي عليه السلام وهو جالس، والحسن والحسين عليه السلام بين يديه يبكيان فبكى الناس لبكائهما وخرجت أم كلثوم وعليها برقعة وتجر ذيلها متجللة برداء عليها تسحبها وهي تقول: يا أبتاه يا رسول الله الآن حقاًً فقدناك فقداً لا لقاء بعده أبداً.

 

جنازة وظلامة:

اجتمع الناس فجلسوا وهم يرجون أن تخرج الجنازة فيصلون عليها فخرج أبو ذر فقال: انصرفوا فأن ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخُر إخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا فلما أن هدأت العيون ومضى من الليل أخرجها علي والحسن والحسين عليه السلام وعمار والمقداد وعقيل والزبير وأبو ذر وسلمان وبريدة، ونفر من بني هاشم وخواصه. صلوا عليها ودفنوها في جوف الليل وسوى علي عليه السلام حواليها قبوراً مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها وقيل أربعين قبراً كما في رواية.

وقيل قبرها سوي مع الأرض مستوياً فمسحها مسحاً سواء مع الأرض حتى لا يعرف أحد موضعه. وذلك لإخفاء قبرها وأن لا يصلي عليها أحد أو يهم بنبشه ولذا وقع الخلاف في موضع قبرها عليها السلام قيل أنه بالبقيع جنب قبور الأئمة وقيل أن قبرها بين قبر رسول الله وبين منبره لقوله صلى الله عليه وآله: «بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة». وقيل أنها دفنت في بيتها. وهذا أصح الأقوال كما تدل عليه الروايات الصحيحة.

روى ابن شهر آشوب وغيره أنه: لما صار بها إلى القبر المبارك خرجت يد تشبه يد رسول الله صلى الله عليه وآله فتناولها وانصرف.

 

أمير المؤمنين عليه السلام وفراق الزهراء سلام الله عليها:

فلما حضرتها الوفاة أوصت أمير المؤمنين عليه السلام أن يتولى أمرها ويدفنها ليلاً ويعفي قبرها، فتولى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ودفنها وعفى موضع قبرها، فلما نفض يده من تراب القبر، هاج به الحزن، فأرسل دموعه على خديه وحول وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال:

السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك من ابنتك وحبيبتك وقرة عينك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقيعك، المختار الله لها سرعة اللحاق بك، قَلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، وضعف عن سيدة النساء تجلدي، إلا أن في التأسي لي بسنتك والحزن الذي حل بي لفراقك موضع التعزي، ولقد وسدتك في ملحود قبرك بعد أن فاضت نفسك على صدري، وغمضتك بيدي، وتوليت أمرك بنفسي.

نعم وفي كتاب الله أنعم القبول، أنا لله وأنا إليه راجعون قد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة واختلست الزهراء فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله.

أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد لا يبرح الحزن من قلبي أو يختار الله لي دارك التي فيها أنت مقيم، كمد مقيّح وهمّ مهيّج، سرعان ما فرق الله بيننا وإلى الله أشكو.

وستنبئك ابنتك بتظاهر أمتك عليّ وعلى هضمها حقها فاستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين.

سلام عليك يا رسول الله، سلام مودع ولا قال، فأن أنصرف فلا عن ملالة وأن أقم فلا عن سوء ظنيّ بما وعد الله الصابرين، والصبر أيمن وأجمل ولولا غلبة المستولين علينا، لجعلت المقام عند قبرك لزاماً والتلبث عنده معكوفاً ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية فبعين الله تدفن بنتك سراً ويهتضم حقها قهراً ويمنع أرثها جهراًً ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر فإلى الله يا رسول الله المشتكى وفيك أجمل العزاء فصلوات الله عليها وعليك ورحمة الله وبركاته. ونقل العلامة المجلسي عن مصباح الأنوار مروياً عن الصادق عليه السلام عن آبائه الكرام أنه: لما وضع أمير المؤمنين عليه السلام فاطمة عليه السلام في قبرها قال:

بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله سلمتك أيتها الصديقة إلى من هو أولى بك مني رضيت لك بما رضى الله تعالى، ثم تلى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) طه: 55.

فلما دفنها أمر برش الماء على القبر ثم جلس عنده بقلب كئيب حزين وعين دامعة فجاء إليه عمه العباس فأخذ بيده ونحاه عن القبر.