الرابع والعشرون من رجب الأصب ذكرى الفتح العظيم لحصن خيبر اليهودي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ان سورة الفتح المباركة نزلت على رسول الله صلى اله عليه وآله حين رجوعه من الحديبية وكانت تبشر بفتح خيبر كما قال تعالى: (وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)[1].

 

حصون خيبر:

كان لخيبر سبعة حصون بهذه الأسامي:

1ـ ناعم.

2ـ قموص (كصبور، وهو جبل قرب خيبر وعليه حصار أبو العتق).

3ـ كتيبة (بتقديم التاء كالسفينة).

4ـ شق (بكسر الشين وفتحها).

5ـ نظاة (بفتح النون).

6ـ وطيح (كأمير بفتح الواو وكسر الطاء).

7ـ سلالم (بضم السين وكسر اللام).

 

التهيؤ للمعركة:

لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من الحديبية مكث عشرين يوماً في المدينة ثم أمر بالتهيؤ للقتال فخرج في ألف وأربعمائة رجل إلى خيبر، فلما بلغ اليهود ذلك تحصنوا في قلاعهم فأصبحوا يوماً وأفئدتهم تخفق وفتحوا حصونهم وغدوا إلى أعمالهم معهم المساحي والكرازين[2] والمكاتل[3] فلما نظروا إلى جيش رسول الله صلى الله عليه وآله محاصراً القلاع، صاحوا: والله هذا محمد وجيشه، فولّوا هاربين إلى حصونهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «الله أكبر، خربت خيبر! انّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»[4].

فتفاءل صلى الله عليه وآله بخراب حصونهم لما رأهم على تلك الهيئة وبيدهم أدوات التخريب، أما اليهود فانهم استعدوا للقتال وجعلوا النساء والذراري في قلعة كتيبة وجعلوا الغلة والثمار في حصن ناعم وحصار صعب واجتمع رجال الحرب في قلعة نظاة، فقال الحباب بن المنذر:

هؤلاء اليهود يحبّون هذه النخيل أكثر من أولادهم وأهلهم وعشيرتهم، فإذا قطعناها زاد حزنهم وهمهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقطعها فقطعت أربعمائة نخلة.

وعلى أي حال نشبت الحرب بين المسلمين واليهود وافتتح المسلمون أكثر القلاع ثم حاصروا قلعة قموص وكانت أصلب من بقية القلاع.

 

فداءٌ وخوف:

وأصيب رسول الله صلى الله عليه وآله بوجع شديد في رأسه الشريف فلم يتمكن من الحضور في المعارك، فكان كل يوم يعطي الراية لأحد الأصحاب فيأخذ الراية في الصباح لمقاتلة القوم ولكن يرجع من دون أي فتح، أبو بكر أخذ الراية في يوم فرجع منهزماً وفي اليوم الآخر أخذها عمر ثم رجع كذلك منهزماً، كما قال ابن أبي الحديد ـ من علماء أهل السنة ـ في قصيدته لفتح خيبر:

وان أنس لا أنس الذَينِ تقدما               وفَرّهما والفرقد علما حوب[5]

وللراية العظمى وقد ذهبا بها              ملابس ذل فوقها وجلابيب

يشملُّهما من آل موسى شمردل[6]           طويل نجاد السيف أجيد[7] يعبوب[8]

عذرتكما ان الحمام لمبغض                وان بقاء النفس للنفس محبوب

 

بطولة أمير المؤمنين عليه السلام:

فلما رجع عمر في المساء قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لأعطين الراية غداً رجلاً كراراً غير فرار يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولا يرجع حتى يفتح الله على يده»[9].

فاجتمع الأصحاب في الغد وتطاولت أعناقهم علَّهم يكونوا ذلك الرجل فقال صلى الله عليه وآله: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه ولا يقدر على النهوض فقال: أرسلوا إليه، فذهب سلمة بن الأكوع إلى علي عليه السلام وأخذ بيده وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وآله فوضع النبي رأسه في حجره وبصق في عينيه فبرأ في وقته من الرمد.

قال حسان بن ثابت:

«وكان علي أرمد العين يبتغي            دواء فلما لم يحس مداويا

شفاه رسول الله منه بتفلة           فبورك مرقيا وبورك راقيا

وقال سأعطي الراية اليوم صارما    كميا[10] محبا للرسول مواليا

يحب الهي والاله يحبه             وبه يفتح الله الحصون الاوابيا

فأصفى بها دون البرية كلها                علياً وسماه الوزير المواخيا»[11]

فأعطى الراية علياً فأخذها وخرج مهرولاً حتى وصل إلى حصن قموص، فخرج مرحب متبختراً من الحصن كعادته ومرتجزاً:

قد علمت خيبر انّي مرحب         شاكي السلاح بطل مجرب

فأقبل عليه علي عليه السلام قائلاً:        

أنا الذي سمتني أمي حيدرة                ضرغام آجام وليث قسورة

فلما سمع مرحب رجز علي عليه السلام تذكر قول ظئره الكاهنة بأنك قاتل كل من قاتلك وغالب كل من غالبك الا من تسمى عليك بحيدرة فانك ان وقفت له هلكت فلما تذكر هذا هرب خوفاً فتمثل له إبليس في صورة حبر من أحبار اليهود وقال له: حيدرة في الدنيا كثير، إلى أين تفر، فرجع وأراد ان يضرب علياً عليه السلام فسبقه وضربه ضربةً بذي الفقار على رأسه فهلك في الحال.

ثم قتل عليه السلام بعده ربيع بن أبي الحُقَيق (بضم الحاء وفتح القاف) وهو من صناديد اليهود وعنتر الخيبري من أبطال اليهود المعروف بالشجاعة والقساوة وكذلك قتل مرّة وياسر وأمثالهم من أبطال وشجعان اليهود.

وهرب اليهود إلى حصن قموص وأغلقوا بابه فجاء علي عليه السلام إلى باب القلعة شاهراً سيفه وأخذ تلك الباب الحديدية وهزها وأخرجها من مكانها فاهتز الحصن هزة شديدة وسقطت صفية بنت حيي بن أخطب من على سريرها وأصاب وجهها جرح.

فأخذ عليه السلام الباب وجعلها درعاً وحارب القوم بها، فانهزم اليهود في جحورهم ثم جعل عليه السلام الباب قنطرة على الخندق ووقف على شرف الخندق، فعبر جيش المسلمين عليها، ثم أخذها ورماها إلى أربعين ذراعاً.

فجاء أربعون رجلاً ليحركوها من مكانها فلم يقدروا وانشد الشعراء سيما شعراء العرب في هذا المقام اشعاراً كثيرة، فنذكر ابياتا من شعر الشيخ الأزري رحمه الله: قال ولله دره:

وله يوم خيبر فتكات                كبرت منظراً على من رأها

يوم قال النبي إني لأعطي         رايتي ليثها وحامي حماها

فاستطالت أعناق كل فريق         ليروا أي ماجد يعطاها

فدعا أين وارث الحلم والبـ         أس مجير الأيام من باساها

أين ذو النجدة العُلى لو دعته      في الثريا مروعة لباها

فأتاه الوصي أرمد عين             فسقاها من ريقة فشفاها

ومضى يطلب الصفوف فولت     عنه علماً بأنه أمضاها

وبرى مرحباً بكف اقتدارٍ           أقوياء الأقدار من ضعفاها

ودحى بابها بقوة بأس               لو حمته الافاك منه دحاها

عائذٌ للمؤملين مجيب                سامع ما تسر من نجواها

 

قدوم جعفر الطيار عليه السلام:

في رواية انه قدم جعفر من الحبشة في اليوم الذي فتحت خيبر، فسر النبي صلى الله عليه وآله بقدومه وعلمه صلاة جعفر المعروفة وكان جعفر حاملاً الهدايا والتحف إلى النبي صلى الله عليه وآله فكان من جملتها قطيفة، فأعطاها النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام فأخذها وجعلها سلكاً سلكاً فباعها فكانت ألف مثقال، ففرقها على مساكين المدينة ولم يدع عنده شيئاً منها.

ـــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الفتح: الآية 18.

[2] الكرز: نوع من الجوالق.

[3] المكتل: الزبيل الذي يحمل فيه التمر أو العنب.

[4] غزوات الرسول لابن سعد، ص106.

[5] الحوب: الاثم العظيم.

[6] الشمردل من الابل وغيرها: القوي السريع.

[7] أجيد: طويل العنق وحسنه.

[8] اليعبوب: الفرس الطويل السريع.

[9] أعلام الورى، ص107.

[10] الكمي: الشجاع المتكمي في سلاحه لأنه كمى نفسه أي سترها بالدرع والبيضة.

[11] الارشاد، ص37 ـ وعنه في البحار، ج21، ص16.