ذكرى حملة الروس على المرقد الرضوي المطهر في العاشر من ربيع الثاني

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خيرة الله النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين..

وبعد: فمع إطلالة شهر محرم الحرام عام1330هـ أرسلت الإمبراطورية الروسية جيشاً يضمّ سلاح المدفعية تتقدمهم جوقة عسكرية إلى مدينة مشهد وذلك بحجة حماية رعاياها من الفوضى وأعمال السلب والنهب التي عمت مدن البلاد وخاصة مدينة مشهد إثر تفاقم الصراع بين الثوار والملكيين أثناء الحركة الدستورية، وكانت الإمبراطورية الروسية آنذاك تتمتع بنفوذ قوي في إيران خصوصاً هذه المدينة.

 

استقرار الجيش:

استقر جيش الإمبراطورية في أطراف مرقد الإمام الرضا عليه السلام، في هذه الأثناء كان بعض الروس من السكان المحليين يلقون الخطب الحماسية في مسجد كوهرشاد والغرف المحيطة بالحرم المقدس التي تحرض السكان على الفتنة والقلاقل ضد الحركة الدستورية، في حين كان بعضهم يقرأ على الرماة المستقرين على سطح الحرم الشريف بعض التعليمات والأوامر العسكرية.

 

الوضع الأمني وانتشار الجيش:

وبالنسبة للأوضاع الأمنية فقد ساءت كثيراً إلى درجة لم تكن تمر ليلة واحدة دون وقوع حوادث سلب ونهب للبيوت والمحلات التجارية، وفي إحدى الليالي تعرض محل أحد الرعايا الروس للنهب، فاتخذها القنصل الروسي في مشهد ذريعة وأوعز إلى قواته بالإنتشار في المدينة وأن تستقر المدافع والرشاشات على أسطح المباني القريبة للمرقد الشريف وبالتحديد المباني المواجهة للقبة الذهبية لثامن الحجج  عليهم السلام، لحماية رعاياهم على حد زعمهم، وقد روع ذلك المشهد السكان الآمنين وبث في قلوبهم الرعب، كما وزع الجيش إعلانات طالب فيها بنزع أسلحة الأشرار وتفريقهم، وإلا فإنه سيطلق النار عليهم وستفرقهم بالقوة، ومن جهة آخرى كان هناك بعض الأفراد ممن كانوا يتظاهرون بالعداء للروس لكنهم في السر عملاء لهم، يقللون من شأن تلك التهديدات.

 

إعلان استقالة:

واستمر ضغط الروس حتى أجبروا حاكم خراسان على إعلان استقالته وذلك خلال برقية أرسلها إلى السلطات المركزية في طهران، فمهد ذلك الطريق لهم للإستيلاء على زمام الأمور في المدينة، وسارعوا إلى إمهال الثوار ثلاثة أيام لتسليم أنفسهم وأسلحتهم، وإلا سيكون مصيرهم القصف بالمدافع، وكان مقرهم في مسجد كوهرشاد وغرف الصحن الطاهر.

 

اجتماع العلماء:

في هذه الأثناء اجتمع عدد من العلماء مثل الحاج السيد عباس الشاهرودي والحاج الشيخ مرتضى البجنوردي، والسيد جعفر الشهرستاني، والحاج الملا محمد هاشم الخراساني (صاحب منتخب التواريخ) رحمهم الله جميعاً، وقرروا الذهاب إلى «طالب الحق» و«يوسف خان» (وكانوا من رؤوس المعارضة للحركة الدستورية) ليسدوا لهم النصح والمشورة، ولكن دون أن يثمر اللقاء شيئاً.

 

كرامةٌ باهرة:

وكان العلماء يهمّون بالعودة إلى منازلهم ولم تكن المهلة المحددة قد انتهت بعد حتى تعالت أصوات المدافع وبدأت القذائف تتساقط يميناً وشمالاً على المرقد الطاهر، وقد كتبت مجلة الزمان الصادرة آنذاك عن هذا القصف تقول:

كان قائد الجيش الروسي قد وضع مخطط القبة الشريفة والبنايات المحيطة بها على منصة في الجهة الجنوبية خارج المدينة وكان يشير إلى جنود المدفعية بسبابته إلى مواضع التصويب، وبالفعل قام الجنود بتنفيذ الأوامر، طبعاً في المرة الأولى عندما صدرت الأوامر بإطلاق المدفعية، تنحت القذائف عن القبة جانباً وهوت ساجدة على الأرض لتقبل التربة الطاهرة، ولذلك لم تحدث أي ضرر، ما جعل الجنود يتسمرون في مكانهم، لأنهم كانوا قد سمعوا بقدسية هذا المكان وحرمته، لكن قائدهم أصر على معاودة القصف.

 

العاشر من ربيع الثاني:

 أصدر القائد أوامره من جديد بضرب المرقد الشريف، وكان ذلك عصر يوم العاشر من ربيع الثاني من عام 1330 هـ وكانت الحصيلة كالآتي:

17قذيفة مدفع من نوع كرناد قلعة كوب أصابت القبة المطهرة.

9 قذائف على الإيوان الذهبي للمسجد الجامع.

11 قذيفة على إيوان مقصورة المسجد.

3 قذائف على بوابة الإيوان للصحن الجديد.

11 قذيفة على مطبخ الخدم.

11 قذيفة على قبة المسجد الجامع.

هذا وقد قصفت في هذه الحملة أماكن أخرى من الحرم الشريف بالقذائف والأسلحة الرشاشة، وكانت الإضرار كبيرة جداً، جاءت على ذكرها كتب التاريخ.

 

انتهاك الحرمة:

بعد ذلك دخل الروس الحرم الشريف وقد حوصر فيه عدد من الناس ممن لم يستطيعوا الفرار فلاذوا بالروضة المطهرة وأوصدوا الأبواب من الداخل، لكن هذا لم يمنع هؤلاء الجلادين من توجيه نيران أسلحتهم إلى النافذة الفولاذية لرواق دار السيادة حيث كان يقف خلفها الناس وقد تشابكت أيديهم مع شباك الضريح الشريف وكانوا خليطاً من الصغار والكبار يستغيثون ويصرخون بالبكاء حتى فاضت أرواحهم الطاهرة، وضرجت دماؤهم الزكية عند الضريح وما حوله.

 

إستسلام لحقن الدماء:

في الأثناء حمل سادن الروضة المقدسة السيد مرتضى قليخان عصا ربط في أعلاها راية بيضاء علامة على الإستسلام وطلب الأمان، وأخرج هذه العصا من وراء فتحة الباب، فاستجاب الروس ومنحوه الأمان، ولم تكد تمضي نصف ساعة حتى دنس الجنود الروس بخيولهم الحرم الشريف، هذا الحرم الذي لم يكن المؤمن ليجرؤ على دخوله إلا وهو طاهر وعلى وضوء كان يقف على بابه حاني الرأس يعلوه الخشوع والإحترام لصاحب المقام يستأذنه بالدخول في حين دخله هؤلاء الكفار وقد نزعوا عنهم كل وازع من حياء أو أدب، ودنسوا حرمته، وحملوا من بقي من النساء والرجال أسرى، كما أخرجوا طلبة العلوم الدينية من غرفهم واستمر ذلك حتى انقضاء خمس ساعات من الليل، وجمعوهم في زاوية من الصحن العتيق محاذية لباب دار الضيافة وقد بلغ عددهم حوالي ألف شخص، وكان ذلك في ليلة الحادي عشر من ربيع الثاني المصادف لليوم الحادي عشر من السنة الفارسية الجديدة، وكانت السماء تمطر بغزارة شديدة وقد بقي الأسرى تحت المطر والبرد والجوع حتى الصباح إلى جانب ضريح غريب الغرباء عدد من قتل منهم حوالى 70 شخصاًُ، وقد أخرجوا من الحرم وأطراف الصحن، وصفوا في الصحن العتيق بجانب مدرسة ميرزا جعفر والإيوان العباسي، ولم يسمحوا بتسليم جثثهم إلى ذويهم حتى اليوم الثاني عشر، حيث دفنوا في مقبرة المقتل (جنة الرضوان حالياً).

 

تطهير الحرم المقدس:

يقول المرحوم الملاً هاشم الخراساني: في اليوم الثلاثاء 13أو 14 ربيع الثاني أرسل المتولي باشي أحد الأشخاص إليَّ لأكون حاضراً في عملية تطهير الحرم، وعندما حضرت رأيت جنود الروس ومدافعهم لا تزال مستقرة في الغرف المحاذية للحرم الشريف، وكنا جميعاً منهمكين بتطهيره حيث استمر ذلك من الثالث عشر وحتى غروب اليوم الخامس عشر، حتى فتحت أبواب الحرم الطاهر من جديد لزوار الإمام عليه السلام وعشاقه ليلة السادس عشر.

 

توافد العشّاق:

 توافد الزائرون بقلوب حرّى ودموع جارية ليقبلوا تربته الطاهرة، وحينما وقعت أعينهم على الأبواب والجدران والضريح النير وشاهدوا آثار القذائف والعيارات النارية والدمار تعلو جميع أجزائه، ضجوا بالبكاء والعويل لهول المشهد وفظاعة الحدث، ولكن أين أولئك الشيعة ليروا ما فعل أعداء أهل البيت عليهم السلام بسامراء الجريحة.

على أي حال، إن الذين تلطخت أيديهم بهذا العمل الشنيع نالوا جزاءهم فيما بعد، وهنا نحيل القارى الكريم إلى كتاب «الكرامات الرضوية» ليطلع على كرامات ثامن الحجج عليه السلام طيلة فترة احتلال القوات الروسية وبعدها، وما نزل بها وعملائها من السكان المحليين من البلاء العظيم.

 

حربٌ اثر الانتهاك:

فبعد خمسة أو ستة أشهر اندلعت الحرب العالمية الأولى على أثر اغتيال ولي عهد النمسا، وكانت هذه الحرب وبالاً على الإمبراطورية الروسية التي حكمت لثلاثة قرون كاملة، وبالأخص على الإمبراطور الذي يذكر التاريخ بأن حفل تتويجه شهد حضوراً شعبياً لدرجة أن الكثير منهم داسته الأقدام وسحق تحت ضغط الإزدحام، هذا الإمبراطور الذي أساء الأدب وتجرأ على انتهاك حرمة الحرم الطاهر لثامن أئمة أهل البيت عليهم السلام علي بن موسى الرضا عليه السلام، ذاق طعم الذل والمهانة وقتل شر قتلة هو والأسرة المالكة، وأبيدوا عن بكرة أبيهم ولم يبق له أي أثر.

لقد خاب وخسأ من ناصب أهل بيت النبوة عليهم السلام العداء.

 

مجالس عزاء:

أقيمت مجالس العزاء والتعزية في جميع البلدان التي تضم محبين لآل بيت الرسول صلى الله عليه وآله عموماً، وفي خراسان خصوصاً، حيث أنشد الشعراء العرب والفرس قصائد جمة بهذه المناسبة.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وسيعلم الذين ظلموا اي منقلبٍ ينقلبون والحمد الله رب العالمين.