الأول من ربيع الثاني ثورة التوابين صفحات خالدة في تاريخ الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

الأول من شهر ربيع الثاني لسنة ستين وخمس من الهجرة الشريفة ذكرى اندلاع ثورة التوابين بقيادة الصحابي الجليل المجاهد سليمان بن صرد الخزاعي رحمه الله وبمشاركة ستة عشر ألفاً من المؤمنين المجاهدين بغية الوقوف بوجه الطغاة الظلمة والأخذ بثأر سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام بقتل قاتليه، وقبل الحديث حول الثورة لا بد من تسليط الضوء على قائدها.

 

سليمان بن صرد الخزاعي (أمير التوابين):

أبو مطرف ولد عام عشرين وثمانية قبل الهجرة الشريفة في بلاد اليمن أصل العرب ومعدنه، أسلم على يدي الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وكان اسمه حينها يسار فغيّر رسول الله اسمه إلى سليمان، وكان رضوان الله عليه من المشاركين في حرب الخندق (الأحزاب).

اثر شهادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وانقلاب القوم على الأعقاب هاجر سليمان إلى الكوفة مجاهداً بكلمته موصلاًً تظلمات أهل الكوفة وشكاياهم من والي عثمان على الكوفة إليه، ومن ثم كان من أوائل الصحابة المبايعين أمير المؤمنين علي عليه السلام بعد مقتل عثمان مشاركاً إياه في حروبه كلها.

حرب صفين تلك الواقعة العظيمة في التاريخ الإسلامي بين معسكري الإيمان بقيادة أمير المؤمنين علي عليه السلام ومعسكر النفاق والجهل بقيادة معاوية بن أبي سفيان، كان سليمان من أمراء الجيش في صفين مرافقاً للإمام مجاهداً بين يديه وقد قتل أحد قادة جيش معاوية وهو حوشب ذو ظليم.

كما ورافق الإمام الحسن عليه السلام بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وكان يتوقع منه عليه السلام ان يحارب معاوية إلا ان الإمام قال له: ما دام معاوية حياً فلا يمكن فعل شيء.

كذلك فإن سليمان كان ممن راسل الإمام الحسين عليه السلام على عهد معاوية يدعوه إلى الكوفة ليتولى زمام الأمر، ولكن الإمام الحسين عليه السلام كان يرى رأي أخيه الإمام الحسن عليه السلام.

كان رضوان الله عليه من الشيعة الذين ضيقت عليهم السلطة الأموية كثيراً، كما وكان أول من راسل الإمام الحسين عليه السلام مع ثلاثة من أصحابه وهم: المسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر الأسدي، طالبين من الإمام الحسين القدوم إلى الكوفة اثر هلاك معاوية، إلا إن السلطة قامت بزجه في السجون مع نخبة من المؤمنين المجاهدين بأمر عبيد الله بن زياد حين قدم الكوفة بأمر يزيد بن معاوية.

 

قالوا في سليمان رضوان الله عليه:

ابن كثير: «كان سليمان صحابياً، نبيلاً، عابداً، زاهداً».

رفاعة بن شداد: سليمان بن صرد الخزاعي «شيخ الشيعة، وصاحب رسول الله ذو السابقة والقدم، المحمود بأسه ودينه، الموثوق بحزمه».

ابن الأثير في كتابه أسد الغابة في معرفة الصحابة: «كان خيِّراً فاضلاً، له دين وعبادة، وكان له قدر وشرف في قومه، سكن الكوفة أول ما نزلها المسلمون شهد مع علي بن أبي طالب عليه السلام مشاهده كلها، وهو الذي قتل حوشباً ذا ظليم الألهاني بصفين مبارزةً».

 

واقعة كربلاء التاريخية:

قدم سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام الكوفة أثر دعوة أهلها له وكما تقدم لإصلاح أمور المسلمين أي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسير بسيرة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وأبيه أمير المؤمنين علي عليه السلام محاولاً بسط العدل ورفع الظلم والحيف عن الأمة، إلا ان الأمر جرى خلاف ذلك فغدر المنافقين وسجن المؤمنين واحتيال بني أمية ومكرهم حال دون ذلك واستشهد الإمام في كربلاء فاجعة عظيمة لم يشهد التاريخ لها نظير بل ولن يشهد قال الإمام الحسن عليه السلام «لا يوم كيومك يا أبا عبد الله».

استشعر الكوفيون الندم على ما فرطوا في جنب الله بعدم نصرتهم لولي الله الإمام الشهيد الحسين بن علي عليهما السلام فكان الندم أهم عوامل الثورة فضلاً عن تهيؤ الأجواء والظروف وعلى اثر دافع الندم القوي والشعور بضرورة إصلاح ما قد فات وتدارك ذلك بقتل قتلة سيد الشهداء عليه السلام لعلهم بذلك ينالوا رضا الله سبحانه ويتجنبوا سخطه، وبخاصة وان سليمان وأصحابه خرجوا من السجن الأموي ثائرين فكانت ثورة التوابين صفحة خالدة في تاريخ الإسلام كشفت حقيقة إخلاص المؤمنين وقبح سريرة وظاهر المنافقين الأمويين.

 

اندلاع الثورة في الأول من ربيع الثاني عام 65هـ:

التلاوم والندم حرّكا شيعة أهل البيت عليهم السلام في الكوفة نحو الثورة حيث اجتمعوا في دار سليمان بن صرد يترأسهم خمسة من رؤسائهم وهم سليمان بن صرد والمسيب بن نخبة الغزاوي الغذاري وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي وعبد الله بن وال التيمي ورفاعة بن شداد البجلي وهم من أخيار أصحاب أمير المؤمنين ذوي الخبرة في الحروب والحياة والسياسة.

بدأهم المسيب فخطب خطبة طويلة أبان فيها الندم والحسرة على ما فرط من نصرة الحسين عليه السلام فحث أصحابه على الثورة وانها أمرٌ لا بد منه فماذا سيقولون غداً لرسول الله صلى الله عليه وآله عندما يسألهم عن عدم نصرة الحسين عليه السلام.

ومن ثم قال آخر وآخر وتوالت الخطب واشتد الحماس، فتوجب اتخاذ قرار فكان الأمر أن يجمعوا آلة الحرب ويدعوا الناس سراً وفعلاً كان يجيبهم النفر الآخر حتى هلك يزيد بن معاوية سنة 64هـ وضعف بني أمية إلا أن القائد الحكيم سليمان لم يتعجل الأمر لعلمه ان قتلة سيد الشهداء هم من بيدهم أمر الناس يومئذ وسلطتهم نافذة وتفويت مكرهم فكان لا بد من التريث قليلاً حتى تحين الفرصة المناسبة.

كان لهلاك يزيد الأثر الفعال في استجابة الناس لدعاة سليمان إلا ان استجابة الناس لدعوة ابن الزبير أدت إلى قدوم عبد الله بن يزيد الأنصاري أمير على الكوفة من قبل ابن الزبير لثمان بقين من شهر رمضان وكذا قدوم المختار بن أبي عبيدة الثقفي إلى الكوفة ونشر دعوته مطالباً بدم سيد الشهداء عليه السلام الأمر الذي يصور لنا الوضع يومها بما يحوي من اضطراب وخلل في النظام مصحوب بمقت الناس على السلطة الأموية وما فعلته بهم من مآسي جعلت الكثير من الكوفيين يرومون الانتقام وإصلاح الوضع الفاسد.

الوالي الجديد من قبل ابن الزبير عبد الله بن يزيد لم يقف بوجه التوابين ولم يحاربهم مدعياً أنهم إنما خرجوا لطلب دم الحسين عليه السلام فترحم عليهم، والحق نقول بأنهم كانوا يرمون مقاتلة الجيش الأموي الذي سيره مروان بن الحكم لإخماد فتنة الكوفة حسب ادعاءه، والواقع انهم قاتلوا الجيش الأموي وأضعفوه فذاك في صالح الزبير وحركته.

 

اجتماع في النخيلة:

اجتمع التوابون وفق أوامر سليمان في النُخلية في الثاني من شهر ربيع الآخر وكان قد بايع سليمان ستة عشر ألفاً وكما تقدم الا أنه رغم الانتظار والحث والتأكيد لم يلحق به إلا أربعة آلاف من المبايعين فاجتمعت قادة التوابين وقرروا الثورة ومواجهة الجيش الأموي الذي بعثه مروان بن الحكم، فخرجوا من الكوفة عشية الجمعة الخامس من ربيع الثاني متوجهين نحو كربلاء سيد الشهداء.

 

كربلاء المقدسة معقل الثائرين:

كان شعار الثائرين «يا لثارات الحسين» إعلاناً أوصل الثائرون من خلاله بأنهم على خطى سيد الشهداء عليه السلام سائرون وعلى نهجه ماضون، ولتأكيد المبدأ أكثر وإظهار الندم والجزع قصد والقبر الشريف في كربلاء القدس والطهارة محل الثورة الكبرى التي فاتتهم، وعند المرقد المقدس وخلال أيام ثلاثة كان التوابون باكين متألمين منتحبين مستغفرين فلم يسمع أنين ونحيب ونشيج مثلما سمع في ذلك اليوم، فالعاطفة الجامحة لثورة الطف العظيمة ما زالت تؤتي أُكلها وبعض ثمارها أينع متمثلاً بثورة التوابين.

كان زُحام التوابين على القبر الحسيني الشريف كازدحام الحجاج على الحجر الأسود، ما بين منشد للشعر وآنٍ منتحب وآخر مودع مستعد ومتجهز للتضحية والفداء بقتال الطغاة، وآخرون مخاطبين سيد الشهداء رافعين اكفهم للسماء قائلين «اللهم ارحم حسيناً الشهيد بن الشهيد، المهدي بن المهدي، الصدِّيق بن الصدِّيق، اللهم أنا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم وأولياء محبيهم، اللهم إنا خذلنا ابن بنت نبينا صلى الله عليه وآله فإغفر لنا ما مضى منا وتب علينا، فأرحم حسينا وأصحابه الشهداء الصدِّيقين، وإنا نشهدك إنا على دينهم وعلى ما قتلوا عليه، وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين».

ولا يخفى ما في هذه الكلمات من بعد عقائدي وشعور وجداني واعتراف بمنزلة شهداء كربلاء عند الله ورسوله صلى الله عليه وآله الأمر الموضح لعظم تأثير ثورة الحسين عليه السلام في المجتمع آنذاك وتطوره وتفاعله مع ثمار الثورة الحسينية العظيمة.

 

التوجه للقاء العدو ومعركة عين الوردة:

عزم الثائرون على لقاء عدوهم فرحلوا عن كربلاء المقدسة، وتوجهوا نحو شمال العراق قاصدين الشام، وكان عبيد الله بن زياد قد ترك الكوفة إلى الشام أثر هلاك يزيد بن معاوية، ومن ثم تم تجهيزه بجيش فقدم به نحو العراق.

وسار التوابون متجهين إلى عين الوردة حتى وصلوا فعسكروا وأخذ سليمان بتنظيم الجيش ووضع الخطط في ذات الوقت الذي اخذ فيه الجيش الأموي يقترب من عين الوردة.

كان من أهم تكتيكات سليمان الحربية تقسيمه الجيش إلى مجموعات صغيرة أوكل إليها مهمة الهجمات الصاعقة على طلائع وأطراف الأمويين، وعند استكمال الترتيبات وقف سليمان أمام جيشه مخاطباً: «... فقد أتاكم الله بعدوكم الذي دأبتم في المسير إليه آناء الليل والنهار تريدون فيما تظهرون التوبة النصوح ولقاء الله معذرين. فقد جاءوكم بل جئتموهم انتم في دارهم وحيزهم. فإذا ألقيتموهم فاصدقوهم واصبروا ان الله مع الصابرين ... لا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيراً من أهل دعوتكم الا ان يقاتلكم بعد أن تأسروه أو يكون من قتلة إخواننا بالطّف رحمة الله

عليهم، فان هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أهل الدعوة...»

كما وأشار سليمان إلى موضوع قيادة الجيش حيث نصَّب المسيب وهو نائبه ومساعده قائداً في حال شهادته ومن بعده إلى عبد الله بن سعد فعبد الله بن وال وهكذا إلى رفاعة بن شداد.

كان الجيش الأموي البالغ العشرين ألفاً موزعاً إلى خمسة ألوية مقدمة ومؤخرة وقلب وجناحين ولكل لواء قائد وعلى رأس الجيش عبيد الله بن زياد، أما التوابون فعلى الميمنة عبد الله بن سعد وعلى الميسرة المسيب بن نخبة، القائد العام سليمان، وعندما تراءى الجمعان حاول عبيد الله بن زياد المحاورة والمفاوضة بغية كسب الوقت وقبل سليمان ذلك بشروط منها تسليم عبيد الله بن زياد إلى التوابين مع قتلة سيد الشهداء عليهم السلام، فرفض عبيد الله تلك الشروط.

أول معركة دارت بين التوابين وكان عددهم أربعمائة قد بعثهم سليمان بقيادة المسيب بن نجبة واشتبكوا بالجيش الأموي بقيادة شرحبيل بن ذي الكلاع والحصين بن نمير السكوني وكان الانتصار فيها للتوابين.

جهز ابن زياد جيشاً عديده اثنا عشر ألف مقاتل بقيادة الحصين بن نمير واشتبكوا مع التوابين بقيادة سليمان بتاريخ الأربعاء 22 جمادى الأولى لسنة 65هـ المتمتعين بمعنويات عالية تعززها نداءات سليمان: «يا شيعة آل محمد، يا من يطلبوا بدم الشهيد بن فاطمة، ابشروا بكرامة الله عز وجل، فوالله ما بينكم ودخول الجنة والراحة من هذه الدنيا إلا فراق الأنفس والتوبة والوفاء بالعهد».

استمرت المعركة ثلاثة أيام أوقع التوابون بالجيش الأموي خسائر فادحة، حملات انتحارية صاعقة تتوالى على الجيش الأموي المذهول منذ اليوم الأول الذي حسمه التوابون بحملة قوية أربكت الجيش الأموي فتراجع مهزوماً مخلفاً القتلى والجرحى.

وصلت تعزيزات جديدة للجيش الأموي وأعاد ترتيب صفوفه وبدأ الاشتباك في اليوم الثاني محاولاً إنهاء المعركة وبخاصة وانه يتميز بقوة عسكرية من حيث العدة والعدد إلا ان الأمر لم يحسم إلا في اليوم الثالث حيث أدرك الأمويون انهم ان اشتبكوا مع التوابين لم يفلحوا فتجنبوا الاشتباك واستخدموا النبال، حتى أصابوا سليمان بنبل كان فيه شهادته عن عمر ناهز الثلاثة والتسعين سنة.

أما التوابون والجيش الأموي فقد تراءى الجمعان في عين الوردة وقد اشتبكا واستشهد الكثير من التوابين وصرع كذلك من الجيش الأموي الكثير، وفي المعركة تجلت شجاعة الفرسان المؤمنين حقاً وأظهروا نادرة في صلابة العقيدة وقوة في المبدأ حتى استشهد قائدهم سليمان عن عمر ناهز الثلاثة والتسعون سنة فمضى إلى ربه سعيداً، ولم ينج من جيشه غير سبعة وعشرين جريحاً عطشى وجوعى.

والحمد لله رب العالمين.