الثامن عشر من شعبان المعظم ذكرى رحيل السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 منذ شهادة مولانا الإمام محمد الجواد عليه السلام والظروف السياسية المكتنفة بالطائفة الشيعية وقادتها قد تغيرت وبات من المحتم على الإمام الهادي عليه السلام تدريب الشيعة والفرقة الحقّة على نوع جديد من التعامل متمثلاً بالابتعاد عن أُسلوب الاتصال المباشر بالإمام عليه السلام.

ونتيجة للضغوط الكبيرة والمخاطر الجمّة التي أحاطت بالإمام الهادي عليه السلام ومن شايعه واعتقد به حتى إن الإمام كان يوصي أصحابه بعدم اللقاء به بل والسلام عليه علانية حفاظاً على حياتهم ودينهم.

أكد الإمام الهادي عليه السلام أسلوب الاتصال غير المباشر بالشيعة عن طريق الوكلاء أو الرسائل والمكاتبات، وسار على ذات النهج الإمام الحادي عشر الحسن العسكري عليه السلام الذي ظل مقيماً مجبراً على الإقامة في منطقة العسكر بسامراء، الا انه صلوات الله عليه استطاع إدارة أمور البلاد والعباد بواسطة وكلاءه وقد ذكر التاريخ أسماءهم وألقابهم بل وسيرتهم.

الأمر ذاته انتهجه إمامنا المفدَّى صاحب العصر والزمان وعديل القرآن المهدي المنتظر أرواحنا وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء، إلا إن الأمر بات مختلف عن نهج آباءه بشدة التستر وظهور النيابة الخاصة أو السفارة في فترة الغيبة الصغرى، حيث يتصل بالإمام عليه السلام نائب واحد هو الوكيل الخاص، يأخذ على عاتقه مهام إيصال أوامر الإمام إلى المؤمنين ومنهم إليه يحمل الأسئلة والمطالب.

وكان للإمام المهدي عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى وكما هو معروف مشهور اربعة نواب وهم:

الأول: عثمان بن سعيد العمري.

الثاني محمد بن عثمان بن سعيد العمري.

الثالث: الحسين بن روح النوبختي.

الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السمري.

رضوان الله عليهم أجمعين، سفراء الإمام وثقته جاهدوا بكل ما استطاعوا في سبيل خدمة الإمام عليه السلام وابتغاء مرضاة الله سبحانه ورفع كلمته.

 

الحسين بن روح السفير الثالث:

الثامن عشر من شعبان المعظم ذكرى وفاة السفير الثالث الحسين بن روح ولتسليط بعض الضوء على سيرته العطرة وحياته الحافلة نقول:

من الوكلاء والسفراء الحسين بن روح وقد كان من زمن سفارة محمد بن عثمان متولياً بعض الأمور من قبله فقد كان محمد بن عثمان يعتمد على بعض إخوانه المؤمنين الثقات والحسين بن روح واحداً منهم، بل كان عند الناس ان اعتماد محمد بن عثمان على غير الحسين بن روح أكثر من اعتماده عليه، فتصوروا ان أمر الوكالة والسفارة بعد محمد بن عثمان ستنتقل إلى جعفر بن احمد لكثرة خصوصيته بمحمد بن عثمان بل كان كل طعام محمد بن عثمان في آخر حياته من دار جعفر بن أحمد.

روى العلّامة المجلسي رحمه الله في البحار عن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي انه روى عن جعفر بن أحمد قال: لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري الوفاة كنت جالساً عند رأسه أسائله وأحدثه وأبو القاسم بن روح عند رجليه، فالتفت إلي ثم قال: أمرت أن أوصي إلى أبي القاسم بن روح، قال: فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني وتحولت إلى عند رجليه البحار، ج51، ص354، ح5، باب 16 ـ عن كتاب الغيبة، ص226.

 

رواية معتبرة:

وفي الرواية المعتبرة ان أبا جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه جمع وجوه الشيعة وشيوخها، فقال لهم: إن حدث علي حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي، فقد أمرت أن أجعله في موضعي بعدي فارجعوا إليه وعولوا في أموركم عليه البحار، ج51، ص355، ضمن حديث 6ـ عن كتاب الغيبة، ص226.

 

رواية أُخرى:

وفي رواية معتبرة أخرى كما رويت في البحار ان جمع من وجوه الشيعة وكبارهم دخلوا على محمد بن عثمان، فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر عليه السلام، والوكيل له والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعولوا عليه في مهماتكم، فبذلك أمرت وقد بلغت، البحار، ج51، ص355، ضمن حديث6ـ عن كتاب الغيبة، ص226.

 

التوقيع المبارك:

وورد توقيع من الإمام الحجة عليه السلام للشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، كما ورد ذلك في البحار عن جمع من الأخبار والثقات وهو:

«نعرف عرفة الله الخير كله ورضوانه وأسعده بالتوفيق، وقفنا على كتابه وهو ثقفتنا بما هو عليه وانه عندنا بالمنزلة والمحل اللذين يسرانه، زاد الله في إحسانه إليه انه ولي قدير، والحمد لله لا شريك له وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً» البحار، ج51، ص356، ضمن حديث 6ـ عن كتاب الغيبة،ص227.

 

المرقد الشريف:

المرقد الشريف ببغداد جانب الرصافة مشهور معروف مشيَّد عامر، عليه قبّة صغيرة، وفوق دكّة قبره شبّاك مُجلَّل يزدحم عليه الزائرون، وإلى جَنْب قبره جنوباً مسجدٌ صغير تُقام فيه صلاة الجماعة. يُعرَف موضع قبره خلف سوق الشورجة التجاريّ ببغداد على جانب شارع الجمهورية، في زقاق غير نافذ، ويُعدّ مرقده من المراكز الشيعيّة في بغداد. وكان النوبختيّ (الحسين بن رُوح) من أوثَق الناس وأعرفهم بالأمور، مبجّلاً عند الخاصّة والعامّة، وكانت العامّة تعظّمه وترى فيه الصدق والمعروف ولين الجانب، وكانت سفارته ونيابته عن الإمام المهدي صلوات الله عليه بعد وفاة الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العَمْري (الخلاّني) الذي أوصى بأمر إمامه قائلاً: (هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر عليه السّلام، والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم، وعوّلوا عليه في مهمّاتكم، فبذلك أُمِرتُ وقد بلّغتُ). وذُكر في بعض مصادر المزارات أنّ قبر الحسين بن روح في دارٍ في سوق العطّارين في الجانب الشرقي، في محلّ منخفض عن الدار مظلم، والدار واقعة في الطريق الكائنة على يمين مَن يدخل في وسط سوق العطّارين من الجانب الشرقي، وهذه الأطراف كانت سابقاً معروفةً بمحلّة النوبختيّة، وبمرور الأزمنة خُرِّبت حتّى لم يَبقَ سوى الدار المذكورة التي فيها الحسين بن روح رضوان الله عليه.